لقد كان للتغريب في القرن المنصرم في العالم العربي والإسلامي ثلاثة أوجه ظاهرة: الوجه الأول: وجه سياسي حاول فرض السمة الغربية وشكلها في التشكيك بجدية الحكم الإسلامي ووجوده، وفي جدوى الخلافة حينها بطريقة غير علمية ولا مدروسة، وتقدم بالنموذج الغربي كأساس في التقنين والتشريع والحاكمية دون اعتبار للفقه الإسلامي والمبادئ التشريعية والمحكمات الإسلامية.
أما محاولة الاستفادة من الآليات السياسية كطريقة التقنين مع الاحتفاظ بالمضامين الإسلامية والذاتية، فهذا عمل تجديدي لا يعادي المنظمة الذاتية والقيم الإسلامية.
الوجه الثاني: هو الوجه الثقافي الذي شارك فيه مجموعة من الكتاب والمثقفين والأدباء الذين يسعون إلى نقل الحضارة الغربية للمسلمين العرب، نقلها وأخذها كلها، بخيرها وشرها وحلوها ومرها، ويصرح بعضهم بأنه مؤمن بالغرب كافر بالشرق، فكأن هذه المفاهيم أرادت إحلال ثقافة محل أخرى، ونزع قيم لحساب قيم أخرى، وجعل الغرب هو المصدر الأوحد لكل جوانب الحياة.
الوجه الثالث: الجانب الاجتماعي بالدعوة إلى إلحاق المجتمع ونظمه وتقاليده الخاصة بالمجتمع الغربي والنموذج الغربي، ومن ذاك: السعي لتبني النموذج الغربي في التعامل مع المرأة في اللباس والعمل والبيت بعيدًا عن الأصلح لها، والأنفع بما يلائم مجتمعها ودينها، والمهم أن العادات ليست حكمًا في هذا الشأن الحساس، فالعادات والتقاليد والأعراف لا تعني بالضرورة المفترض علميًا، بل تعني أن ذلك واقع موجود فقط، لكن المشكلة أن تغريب المرأة أوجد مسارًًا خصبًا وسط مجتمع يرى في حرمانها وهضمها واجبًا اجتماعيًا ينبغي الدفاع عنه وتبريره.
وبعد هذه الأوجه الثلاثة روّج لتك الأفكار ضخ إعلامي عالي، يحاول تبديل الهوية الإسلامية أو طمسها، من خلال قنوات الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، مع وجود نخبة كبيرة، وجمهور عريض لا يزال يؤمن بقيم الإسلام وثوابته، ويدعو في الوقت نفسه لبعث نهضة حضارية وتنمية بشرية ومادية من خلال مشروع حضاري إسلامي ينطلق من ثوابت الماضي؛ ليقتحم متغيرات المستقبل، وهذا الجيل الواعي الذي يجمع بين انتمائه لدينه وثقافته ووعيه بعصره، وانفتاحه على الآخر، واستفادته منه هو الأمل القادم الذي يكافح التعصب الذاتي والتغريب في آن، والله المستعان.
د. سلمان بن فهد العودة
الانبعاث الحضاري الإسلامي ومستقبل العالم
أ. د. عماد الدين خليل 21/10/1427
إن الانبعاث الحضاري المرجو للأمة يقودنا بالضرورة إلى قضية مستقبل العالم، والمشاركات الإسلامية المحتملة في المصير.
لا ريب في أن انعكاس المبادئ والقيم الإسلامية على مساحات واسعة من النشاط الحضاري عبر التاريخ، منحه خصائصه النوعية المتميزة التي يمكن أن تمثل ليس مسوّغ استمراره في العالم فحسب، بل قدرته على اقتحام وإغناء شبكة النشاط المعرفي للحضارة الراهنة، والقدرة الفعالة على الإسهام المستقبلي فيه.
وإذا كان هدف العقيدة تكوين الإنسان المؤمن المتبصر المتوازن السعيد، فإن النشاط الحضاري المنضبط بالرؤية الإيمانية يجيء إعانة على تحقيق هذا الهدف. ونحن نستطيع أن نتصور القيمة الحقيقية لنشاط كهذا بمجرد أن نتذكر ما الذي فعلته الحضارات اللادينية بالإنسان والجماعة البشرية.
ليس هذا مجال الحديث عن هذه المسألة وإنما التأشير عليها فحسب، فإن ما يعانيه الإنسان في البيئات التي رفضت الإيمان، أو عزلته عن مجرى الحياة الواقعة، من تعاسة وازدواج وتمزق وشقاء نفسي وروحي وعاطفي واجتماعي، على الرغم من ارتفاع منحنيات الإنجاز المادي، أمر ملحوظ ينطق به واقع الحال هناك، وتؤكده شهادات المفكرين وإعلامهم، الذي يمكن للمرء أن يلتقي به صباح مساء في عصر التواصل السريع.
ثم إن هذا النشاط المنشق عن مطالب الإيمان اندفع باتجاه إغراءات القوة والتسلط ونداء الأنانيات العرقية والدولية والمذهبية، ومضى أبعد من هذا باتجاه كل ما هو لا أخلاقي في السلوك البشري لكي يحوّل المنجزات والكشوف المعرفية إلى سلاح يُشهر بوجه الإنسان وليس لصالح الإنسان.
إن إنتاج القنابل الذرية والهيدروجينية والنيوترونية والأسلحة الجرثومية .. الخ واستعمالها في اللحظات الصعبة ـ كما حدث في هيروشيما وناغازاكي ـ ليؤشر بشكل واضح على الكارثة التي يمكن أن يُساق إليها الإنسان والبشرية إذا أُتيح للمعرفة أن تظل على جموحها، على خروجها عن مطالب الإيمان العليا، على عدم انضباطها بالقيم والموازين الإلهية العادلة التي تجعل القوة والحكمة ـ دومًا ـ في كفتي ميزان.
هذا إلى أن المعرفة المؤمنة، على خلاف المعرفة اللادينية أو الملحدة، تسعى لأن تمنح أكلها للناس كافة، لا تحكمها أنانية الحفاظ على السر، وحجب الاكتشاف ـ بدافع براغماتي ـ عن الآخرين. إن الإنسان، مطلق إنسان، هو المستفيد في نهاية الأمر من المعرفة المؤمنة، وبالمقابل فإن عشرات من الأمم والشعوب لم تحرم بالمعرفة اللادينية من حقها المشروع في الإفادة من ثمار هذه المعرفة فحسب، وإنما وُجّهت نتائجها وكشوفها إلى أسلحة فتاكة لتدمير هذه الجماعات واستعبادها والهيمنة على مقدراتها.
إن الدلالة المعاصرة والمستقبلية لمغزى الحضارة الإسلامية، كما تحققت في التاريخ، تتكشف أكثر فأكثر بالمضي في متابعة الخصائص التي أشرنا عليها في مقالين سابقين، والتي تُعدّ بوضعها في حالة تقابل مع خصائص الحضارات الأخرى، والغربية الراهنة منها على وجه الخصوص، إضافة، أو بعبارة أدق، تعديلًا ضروريًا لمسير هذه الحضارة؛ لأنها قديرة على تقديم البدائل المناسبة لحالات الخطأ والجنوح التي تعاني منها.
إن الخصوصية الإيمانية للحضارة الإسلامية ـ مثلًا ـ تقف بمواجهة التوجه المادي المتزايد للحضارات الأخرى، والتزامها يلجم تفلّتها الآخذ بالاتساع من منظومة القيم الخلقية، وواقعيتها تحد من شطط تنظيراتها الفكرية باتجاه طوباويات الحلم والخيال، وأصالتها تمنح المسار البشري طعمًا جديدًا متميزًا،وشموليتها، وقدرتها على موازنة الثنائيات ولمّها،
توقف اندفاع المعارف والثقافات الأخرى، وميلها إلى هذا الجانب أو ذاك على حساب الجوانب الأخرى التي قد لا تقل أهمية وإلحاحًا .. وإنسانيتها تتجاوز بها حواجز العرق واللون والجغرافيا والمذهب.. وميزتها التحريرية ستنقذ الإنسان في نهاية الأمر من كافة الضغوط والصنميّات التي أذلت عنقه وهبطت به درجات عن مستوى بشريته كمخلوق متفرد في هذا العالم وسيد على مخلوقاته وموجوداته.
وهكذا، ومن أجل توخي الإيجاز يمكن إحالة القارئ إلى منظومة الخصائص التي أشرنا عليها في مقالين سابقين لكي يتولى بنفسه مهمة المقارنة بين النمط الإسلامي والأنماط الأخرى للنشاط الحضاري؛ لكي يصل إلى ما تتضمنه نتائج المقارنة من مغزى يؤكد قيمة الدلالة المعاصرة والمستقبلية للحضارة الإسلامية في شبكة النشاط الحضاري للبشرية جميعًا.
والباحثون الغربيون أنفسهم انتبهوا إلى هذا، وقدموا شهاداتهم بهذا الخصوص، والتي تجيء كاعتراف حر مدعم بالقناعات العقلية، وموثّق بالرؤية المقارنة لما تتضمنه حضارة الإسلام من قيم وخصائص متميزة، وفعّالة، يمكن أن تمارس دورها في صياغة حاضر الإنسان ومستقبله.