فهرس الكتاب

الصفحة 1739 من 2255

إن هذا الدين، كما يقول (بوازار) ، رجل القانون الفرنسي المعاصر:"يعود إلى الظهور في العالم المعاصر بوصفه أحد الحلول للمشكلات التي يطرحها مصير الإنسان والمجتمع" (1) ، ولطالما أعرب عن اقتناعه"بأن في وسع العالم الإسلامي ـ من بين عوالم أخرى ـ أن يقدم مشاركة أساسية في تكوين المجتمع الدولي المرتقب" (2) وأنه"يبدو أحد العوامل الممكنة الهامة في الإنسانية العالمية الحديثة .. وهو مستمر في البحث عن الأشكال الكفيلة بالتعبير بصورة ملائمة عن تطلعاته" (3) . والمسلمون، كما يؤكد الرجل"لا يشكون على الإطلاق في أن التعاليم المنزلة والقيم المتراكمة عبر العصور كفيلة بتقديم حل لمعضلات العالم المعاصر" (4) .

ولم يفت (بوازار) أن يشير إلى أن التقدم العلمي المادي لا يكفي وحده ما لم تضبطه القيم الخلقية، فتوجهه بالتالي لصالح الإنسان. ومن خلال هذه الرؤية الأخلاقية للنشاط المعرفي المادي يمكن للإسلام"أن يؤدي دورًا حقيقيًا في تنظيم العالم المعاصر"عندما يتقدم إليه"بمفهومه السامي للقيم الخلقية" (5) .

وأهمية المشاركة الإسلامية تبدو أيضًا في نظر (بوازار) في التوازن الذي يمنحه

الإسلام، بما أنه تعبير عن روح ديني، لمسيرة المجتمع البشري، بين التقدم المادي (التقني) وبين المطامح الروحية والإنسانية عامة .. لا سيما وأن"الانخراط في المجتمع التكنولوجي، والمواجهة بين الإسلام والثورة التقنية لا تدفع المسلم إلى إنكار موقفه الديني بل إلى تعميقه"

أمام العالم وأمام الله، متوجبًا عليه .. محاولة إدراك الإمكانيات بشكل أفضل في إطار إسلامي شامل.." (6) ."

إن (بوازار) يضع يده ها هنا على واحدة من أهم خصائص المنظور الإسلامي للنشاط الحضاري.. إنها معادلة التوازن الملح والمطلوب بين الديني والدنيوي، بين السماء والأرض، وبين الروح والجسد، فليس ثمة إيمان متحقق في واقع الحياة إن لم يعبر عن نفسه في إطار نشاط تتداخل فيه وتتوحد وتتناغم كافة الثنائيات. والمواجهة بين الإسلام والثورة التقنية بالتالي، ليست مواجهة أضداد متقابلة بل هي مقاربة واحتواء وتوظيف للقدرات والإمكانات التقنية من أجل تكوين حياة إسلامية أكثر أصالة وتقدمًا. إن القناعة الدينية كما يستنتج (بوازار) "تفرض نفسها حكمًا مطلقًا على كل المستويات، ولا يمكن بدونها، أو بالحري على النقيض منها، مواجهة أي تغيير اجتماعي ولا أي تجديد مادي" (7) .

وهذا الارتباط المحتوم بين الدين والتكنولوجيا في المنظور الإسلامي لا يعني البتة أن الحضارة الإسلامية ستقود"تطورها داخل أنبيق"، وبمعزل عن العالم، بل على العكس تمامًا، فإن هذه الحضارة"المتسامحة والمنفتحة بشكل طبيعي .. تتطلع إلى العمل بصفة شريك فعّال في الحياة الدولية .." (8) ويكفي أن نتذكر الجنوح المادي الذي تعانيه حضارة الغرب، يكفي أن نفكر في احتمالاته المنذرة بالخطر، المتوعدة لأماني الإنسانية، وللإنسان ذاته، لكي نعرف أن دخول الإسلام إلى الساحة وإعادته الأمر إلى نصابه بتحقيق التوازن المطلوب، ليس مجرد مشاركة فعّالة، وإنما هو عملية إنقاذ للوضع البشري المنحرف عن الصراط.

وإذ يؤكد (بوازار) ما يقدمه القرآن الكريم في هذا السياق من"ثقة مطمئنة وحافز قوي في وقت معًا"فإنه يحذر من"أن إسلام المستقبل ودوره في العلاقات الدولية"لا تجيء به الأماني والأحلام وإنما هو"رهن بما يصنعه المسلمون أنفسهم" (9) .

وما قاله (بوازار) عن احتمالات الدور التوازني للحضارة الإسلامية في مستقبل العالم، وما يمكن أن تفعله القاعدة الدينية لهذه الحضارة والتزاماتها القيمية في ضبط وتوجيه النشاط المعرفي لصالح الإنسان، يمكن أن نلحظه ـ كذلك ـ لدى ليوبولد فايس (محمد أسد) وبمزيد من التفاصيل والمقارنات؛ فهو يشير إلى أننا"قد نكون، نحن المحدثين، بحاجة إلى تلك الرسالة بأكثر مما احتاج إليها الناس في أيام محمد- صلى الله عليه وسلم -. إنهم كانوا يعيشون في بيئة أبسط كثيرًا من بيئتنا نحن، وكانت مشاكلهم ومصاعبهم أسهل حلًا وأيسر إلى حد كبير. لقد كان العالم الذي كنت أعيش أنا فيه ـ كل ذلك العالمـ يترنح بسبب من فقدان أي اتفاق على ما هو خير وما هو شر روحيًا، وبالتالي اجتماعيًا واقتصاديًا أيضًا. إنني لم أكن أؤمن بأن الإنسان الفرد كان بحاجة إلى (الخلاص) ، ولكنني كنت أؤمن فعلًا بأن المجتمع الحديث كان بحاجة إلى الخلاص. لقد شعرت أكثر من أي وقت مضى، بأن عصرنا هذا كان بحاجة إلى أساس أيديولوجي لمستوى اجتماعي جديد: بحاجة إلى إيمان يجعلنا نفهم بطلان الرقي المادي من أجل الرقي نفسه، ومع ذلك يعطي الحياة الدنيا حقها. إيمان يبين لنا كيف نقيم توازنًا بين حاجاتنا الروحية والجسدية، وبذلك ينقذنا من الهلاك الذي نندفع إليه برعونة وتهور" (10) .

إن القضية بإيجاز هي أن يكون للحياة البشرية معنى أكبر وأعمق من مجرد التكاثر

بالأشياء، وأن على المسلمين إذا أرادوا ـ بحق ـ أن يقوموا بدور في المستقبل، ألاّ يسمحوا للأشياء بأن تجرهم بعيدًا عن جذورهم الروحية وقيمهم الأخلاقية التي منحهم الإسلام إياها"فلو أنهم احتفظوا برباطة جأشهم وارتضوا الرقي وسيلة لا غاية في ذاتها، إذن لما استطاعوا أن يحتفظوا بحريتهم الباطنية فحسب، بل ربما استطاعوا أيضًا أن يعطوا إنسان الغرب سرّ طلاوة الحياة الضائع" (11) .

لقد اندفعت الحضارة الغربية بعين واحدة، وبمرور الوقت أخذت تفقد قدرتها على إبصار كل ما هو روحي وأخلاقي، وبما أن هاتين القيمتين ترتبطان بالوجود البشري ارتباطًا صميمًا وتميزانه عن بقية الخلائق والموجودات، فإن التقدم المادي الذي يمضي بعيدًا عنهما لن يخدم الإنسان في نهاية الأمر، ولن يأمن من عواقب الاندفاع الذي لا تضبطه قيم ولا توجهه معايير ولسوف تكون النتائج في المستقبل أشد خطرًا لأن التراكم المادي يتزايد بحسابات مذهلة لمتوالية هندسية ويبعد أكثر فأكثر عن أي كابح أخلاقي أو استبصار روحي لمغزى الحركة ومعناها الأخير. من ثم فإن أحدًا لا يمكن أن يتهم مفكرا كـ (جورج سارتون) ، غرق في دراسة تاريخ العلوم حتى شحمة أذنيه بالمبالغة وهو يحكم على"التقدم المادي الخالص"بأنه أمر"مدمر"وأنه"ليس تقدمًا على الإطلاق بل تأخر أساسي"ذلك"أن التقدم الصحيح ـ ومعناه تحسين صحيح لأحوال الحياة ـ لا يمكن أن يُبنى على وثنية الآلات ولا على العتلات، ولكن يجب أن يقوم على الدين وعلى الفن، وفوق ذلك كله على العلم، على العلم الخالص، على محبة الله، على محبة الحقيقة، وعلى حب الجمال وحب العدل. وهذا يبدو لنا جليًا حينما نلقي نظرة واحدة إلى الوراء .. إن ما نراه واضحًا هناك يجب أن يكون واضحًا أيضًا حينما نمد نظرنا إلى الأمام فيهدي خطانا إلى المستقبل" (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت