فهرس الكتاب

الصفحة 1740 من 2255

والمدنية، كما يؤكد ( سارتون) "ليست مرضًا، ولكن من الممكن أن تنقلب شرًا وفسادًا" (13) وذلك بمجرد أن تفقد بطانتها الروحية وتتنازل عن ضوابطها الأخلاقية، فتغدو مجرد محاولة للتكاثر المحض لا هدف لها ولا مغزى. ثم إن المدنية ليست حكرًا على بيئة دون أخرى، إنها بتعبير (سارتون) "ليست شرقية ولا غربية، وليس مكانها في واشنطن أكثر مما هو في بغداد، إنها يمكن أن تكون في كل مكان يكون فيه رجال صالحون ونساء صالحات يفهمونها، ويعرفون كيف يستفيدون منها من غير أن يسيئوا استعمالها. والشرق الأوسط كان مهد الثقافة، ومنه جاءت أسباب إنقاذ العالم في أثناء العصور الوسطى حينما بدأ الستار الحديدي في أوروبا يشطر العالم شطرين: الأرثوذكسي والكاثوليكي. وها نحن اليوم ننظر إلى ماضي الشرق الأوسط بعين من عرفان الجميل، ثم نرنو إلى مستقبله بعين من الأمل الحلو" (14) وليس ذلك بالأمر المستحيل كما قد يخيل للبعض فإن"شعوب الشرق الأوسط قد سبق لها أن قادت العالم في حقبتين طويلتين.. وليس ثمة ما يمنع تلك الشعوب من أن تقود العالم ثانية في المستقبل القريب أو البعيد" (15) .

ولن تكون ممارسة الدور من خلال قدرات يتفوق فيها الغير بطبيعة الحال، إنما بالتحقق بشيء كبير لا يملكه (الآخر) أو يعرف عنه شيئًا، فإن الحضارة المادية لن تجعل الغرب يخلي الزمام لمن هم أقل شأنًا في ميادينها كافة، ولكنها العقيدة التي تحتوي النشاط الحضاري وتمنح المسيرة البشرية المغزى والهدف .. تعيد إلى الغربيين أنفسهم ما فقدوه:"سر طلاوة الحياة الضائع"إذا استعملنا عبارة (ليوبولد فايس) .

وتؤكد (جميلة قرار) ، النمساوية التي اعتنقت الإسلام أن هذا الدين"هو في الحقيقة حركي"وأنه يستطيع"بفضل جهود المسلمين أن يشكل قوة ثورية تحرر الإنسان من العبودية للقوة، وخاصة القوة المدمرة المهلكة، وأن تقوده إلى التقدم البنّاء، وتمكّنه من تطوير قدراته وإمكاناته الإيجابية المختلفة" (16) . وهي تدعو"المسلمين المستنيرين"إلى أن يبينوا لغير المسلمين"أولئك الذين يبحثون عن غايات جديدة وقيم لحياتهم، إن الإسلام هو نقطة البدء الجديدة أمام الإنسانية جمعاء" (17) . وهذا لا يعني بالتأكيد أيما قدر من التنازل عن المكتسبات المادية، والمدنية عمومًا، ذلك"أن الإسلام بصفته دينًا عالميًا وعقيدة كونية يعتبر مناسبًا لكافة مراحل تطور الحياة الإنسانية في المستقبل. فهو ينسجم مع منجزات الإنسان الحديثة في كافة مجالات النشاط الإنساني" (18) .

ويشير (كويلر يونغ) إلى الإسهام الفعال للثقافة الإسلامية"في الحضارة العالمية المعاصرة .. فليس من المعقول لثقافة حية كثقافة الإسلام.. ألاّ يكون لها تأثير بالفعل أو بالقوة" (19) في معطيات المعرفة الراهنة وتشكلها في المستقبل. هذه المشاركة التي يؤكدها (در منغم) بصيغة تحقيق للتواصل بين الغرب والشرق، وإرفاد لعالم المستقبل"بادخار العالم القديم" (20) ، ويراها (اتيين دينيه) تبشر"بمستقبل حافل بأعظم الآمال وأعلاها شأنًا"وبإسهام حضاري فعّال، وبتكشف متزايد لنا الإسلام الحقيقي .. (21)

أما المؤرخ البريطاني المعاصر (مونتغمري وات) فيؤمل بأن المسلمين سوف ينجحون، على الرغم من المصاعب"في جهدهم للتأثير على الرأي العام العالمي، على الأقل فيما يتعلق بالمبادئ الأخلاقية. وربما أمكنهم في ميدان الأفكار الدينية الأوسع أن يساعدوا على إغناء العالم؛ لأنهم احتفظوا بقوة كبرى في التعبير عن بعض الأفكار كحقيقة الله (سبحانه) ، تلك الأفكار التي أُهملت ونُسيت في كثير من الطوائف والأديان الأخرى الموحدة" (22) .

ونصل في نهاية المطاف إلى (غارودي) ، فإن كتابه (وعود الإسلام) يُعدّ بملاحظات خصبة عن المشاركة العالمية للحضارة التي شكلها هذا الدين. إن عنوان الكتاب يحمل بعدًا مستقبليًا، وبالتالي فإن مادته القيمة ستصب هناك لكي ترسم للإنسان المعاصر، الحائر،

الممزق، ما يمكن أن تقدمه له الخبرة الإسلامية.

تتحرك ملاحظات (غارودي) حول المشاركة الإسلامية على عدد من المحاور أهمها، ولا ريب: توازن الإسلام ووسطيته، قيمه الأخلاقية، ثم رؤيته الشمولية وقدرته الفذة على منح المغزى لمسيرة الحياة البشرية في هذا العالم.."إن الإسلام يجد من جديد فرصة تاريخية لإظهار أن عقيدته وقصدياته هي إجابة على قلق عالم قاده النموذج الغربي للنمو إلى التفكك الاقتصادي والسياسي والأخلاقي، كما في أيام نشوئه ثم زمن انتشاره، إن الإسلام قدم جوابًا على تفتت الإمبراطوريات" (23) .

هناك البطانة أو القاعدة الأخلاقية ما يتيح للحضارة الإسلامية مشاركة أشد فعالية في مستقبل العالم الذي أفلتت من بين يديه مؤشرات وضوابط القيم، فاندفع، بما يشبه الجنون، مشدودًا إلى هدف واحد: المزيد من التكاثر بالأشياء، والمزيد من القوة، بغض النظر عن أي قدر من التساوق أو الانسجام بين هذين الهدفين وبين التزامات القيم الخلقية من أجل صالح الإنسان. إن هذه المشاركة الأخلاقية كما يلحظ (غارودي) ضرورية جدًا لوقف الاندفاع المجنون وتجنيب البشرية"الهلاك المحتوم"الذي يسوق إليه"الضلال الغربي" (24) .

ونحن نعرف جميعًا، انطلاقًا من هذه الرؤية، ما الذي فعله ويمكن أن يفعله العِلم الغربي المنفصل عن ضوابط القيم وذلك بتعبده للتكاثر والقوة، وما الذي فعله، ويمكن أن يفعله العلم الإسلامي المنضبط بالأخلاق وبالغايات الدينية في نهاية الأمر"لم نشدد على الوجوه التي لعب بها العلم الإسلامي باكتشافاته دور (الرائد) للعلم الغربي الحالي، وإنما على صفاته الخاصة في تبعيته وخضوعه للوسائل الإنسانية ذات الغايات الإلهية. في هذا المنظور، على القرن العشرين، والقرن الحادي والعشرين، أن يتعلما كثيرًا من الإسلام" (25) .

أيضا فإن الحضارة الإسلامية بتقديمها فكرة التسامي (الأخلاقي) للإنسان كواحدة من

أهم مرتكزات الإسلام العقدية، التسامي الذي يكون المؤمن فيه في حالة صيرورة متواصلة

نحو الأحسن والأعلى.. هذه الفكرة لهي واحدة من أهم ما يمكن أن يقدمه المسلمون"لخلق مستقبل إنساني في عالم جعل استبعاد السمو منه، وسيطرة نموذج جنوني من النمو.. لا يمكن أن يُعاش" (26) .

أما الرؤية الشمولية للحضارة الإسلامية، والمغزى الذي تضفيه على الحياة البشرية، فتكاد تكون أهم إسهاماتها المقبلة، إذا ما تذكرنا كيف يتزايد الإحساس العالمي بالعبث واللا جدوى وكيف تفقد الحياة البشرية يومًا بعد يوم طعمها ومعناها، وكيف يتحوّل السعي المعرفي إلى نشاط تجريدي منفصل عن الإنسان، نقيض ـ أحيانًا ـ لمطالبه ومطامحه.. وكيف تتفكك الوشائج بين أقطاب الكون وموجوداته، فيعيش الإنسان في عزلة مخيفة قد يكفي لتذكر مراراتها وأحزانها أن نلقي مجرد نظرة سريعة على آداب العصر وفنونه وفلسفاته"لقد فقد الإنسان الغربي كل وحدة في علاقاته مع الطبيعة والمجتمع والله. انفصل عن الطبيعة التي اعتقد أنه سيدها ومالكها.. ولم تساعد المسيحية الإنسان مع حذرها الأول بإزاء الطبيعة ومع تراجعاتها المتتالية، منذ عصر النهضة، أمام (علموية) تدعي الإجابة على جميع مشاكل الحياة، على الحفاظ على هذا البعد الكون ، على هذا الاتحاد الحميم لجميع الكائنات .. والإسلام عندما لا يكون قد أفسدته الرؤية الغربية المباشرة التي فرضها عليه الاستعمار، يستطيع أن يساعدنا على أن نعي هذه الوحدة التي هي عقيدته المركزية الأولى" (27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت