إن من أهم ما يميز العمل الإسلامي المعاصر خاصية الشمول؛ ذلك أنه يشتغل على كل الجبهات، ويسعى إلى إقامة الدين في كل مجالات وميادين الحياة العامة: في التربية، والثقافة، والإعلام، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع وغيرها. غير أن هذه المجالات وما يبذل فيها من جهود لا تكون على نفس الدرجة من الأولوية والأهمية دائمًا، وإنما يكون بعضها ـ أحيانًا ـ أولى وأهم من بعض، حسب ما تمليه وتقتضيه ظروف الزمان والمكان والإنسان. ومن ثم فلا بد للعمل الإسلامي المنظم من سلّم أولويات يحدد مجالات العمل، ومرتبة كل مجال، ويضع برنامجًا لما يَلزم من الأنشطة والأعمال في كل مجال، ومرتبة كل عمل أو نشاط، حسب ظروف ومعطيات الفئة البشرية المستهدفة، واللحظة التاريخية، والبيئة الجغرافية. وكل ذلك يتأسس في المقام الأول وبالدرجة الأولى على مدى القدرة على فقه الواقع، ورصد معطياته بكل دقة وموضوعية. ولعل الناظر في الواقع الراهن للعمل الدعوي يلحظ اختلالًا واضحًا في سلّم الأولويات، وارتجالًا بيّنًا في توزيع الجهود والمبادرات، والأمثلة في ذلك أظهر وأكثر من أن تحُصر وتذكر. وأصل الداء في كل ذلك كله هو: غياب فقه الواقع الذي عليه ينبني فقه التنزيل.
2-التيه وعدم تحديد الوجهة، وعدم امتلاك الرؤية المبصرة، واستراتيجية العمل:
لكل عمل من الأعمال رؤية واستراتيجية تناسبان طبيعة ذلك العمل، وتأخذان بعين الاعتبار خصوصياته، وظروفه في الزمان والمكان والإنسان. ويقصد بالرؤية في مجال العمل الإسلامي: التصور العام الذي يحدد منطلقات العمل، وأهدافه، ووسائله، ومجالاته، وضوابطه العامة. في حين يقصد بالاستراتيجية: الخطة العامة التي تحدد منهج وكيفية تنزيل الرؤية، وتصريفها في الواقع، وذلك من خلال برنامج أولويات يرتب مجالاتِ العمل حسب الأهمية، ويتكون من مراحل، وأهداف، ووسائل دقيقة ومحددة وقابلة للقياس. فإذا كانت الرؤية تكتسي طابعًا تصوريًا نظريًا عامًا؛ فإن الاستراتيجية تتميز بطابعها المنهجي الإجرائي والعملي، باعتبارها أجرأة وتنزيلًا للرؤية. وإذا كانت نجاحة وفعالية الرؤية العامة تقاس بمدى قدرتها على معالجة مشاكل الواقع، والاستجابة لمطالبه وتحدياته؛ فإن نجاح الاستراتيجية ومردوديتها، إنما تقاس بمدى قدرتها على تكييف الرؤية مع معطيات الواقع التفصيلي وحسن تنزيلها عليه، أي أن فقه الواقع يظل مصدرًا أساس ومرجعًا مهمًا في تكوين كل من الرؤية والاستراتيجية. إلا أنه بالرجوع إلى العمل الدعوي المعاصر فإن الخَصَاص الواضح، والفقر الكبير في الأوراق والأدبيات المتعلقة بفقه الواقع، أفرغ الرؤى والاستراتيجيات من محتواها، وحَدّ من فعاليتها وأثرها في توجيه الواقع والتأثير على أحداثه ومجرياته.
3 -تحول العمل الدعوي المنظم إلى عمل نخبوي:
النخبوية من أبرز سمات العمل الدعوي المعاصر، ومعنى النخبوية: «انحصار العمل الدعوي في فئة أو فئات معينة من الناس ذات خصائص، وانتماءات عرقية، أو جغرافية، أو ثقافية، أو اجتماعية، أو مهنية، واحدة أو متقاربة دون باقي فئات المجتمع؛ مما يضيق من آفاق العمل، ويحد من انفتاحه على أوسع مجال بشري، حين يطبعه بلون عرقي، أو جغرافي، أو اجتماعي، أو ثقافي، أو مهني واحد» . وظاهرة الفئوية أو النخبوية في العمل الدعوي ترجع في الغالب إلى افتقار العاملين فيه إلى القدرات والكفايات التواصلية التي توصلهم إلى الآخر، وضعف درايتهم بالمداخل والمفاتيح التي توصلهم إلى مختلف فئات وتشكيلات المجتمع، وإنما يرجع ذلك في نهاية المطاف إلى ضعف استيعاب الواقع الاجتماعي من حيث مكونات المجتمع وفئاته، والعوامل الموجِهة له والمؤثرة فيه، وأنماط التطلعات والاتجاهات الحاكمة لسلوك الجماهير، والمُحدِّدَة لأشكال العلاقات بينهم، وهذا بدوره يرجع إلى أحد سببين أو إليهما معًا، وهما:
أولًا: ضعف الانخراط الميداني والمشاركة الفعلية في الواقع الاجتماعي، بما يؤدي إلى مراكمة الخبرات الميدانية والمعارف الصحيحة حوله، باعتبارها المدخل إلى تكوين تصور كلي شامل للواقع الذي اصطلحنا على تسميته بـ «فقه الواقع» .
ثانيًا: الافتقار إلى الأدوات المنهجية، والآليات النظرية التحليلية الكفيلة بحسن قراءة الواقع، وتدبر مجرياته، وتحليل بُنياته، وسبر أغواره.
-قواعد أساسية في فقه الواقع:
ينقسم فقه الواقع إلى قسمين: فقه كلي يتعلق بالأصول والكليات، وفقه جزئي يتعلق بالفروع والجزئيات. وإذا كان غرض القسم الأول هو: التقعيد لفقه الواقع وضبطه من خلال الاجتهاد في إنتاج القواعد والطرائق المكونة لمنهج الفقه؛ فإن غرض القسم الثاني هو: جرد النتائج التي أفضى إليها إعمال المنهج في الواقع وتطبيقه عليه. ولسنا معنيين ـ في هذا المقال ـ بهذا القسم الأخير، ولا حتى بالقسم الأول بشكل مفصل. ما يعنينا الآن هو الوقوف على ثلاث قواعد يعتبر الوقوف عليها بداية البداية، ورأس الطريق في تكوين الملكة المنهجية المتعلقة بفقه الواقع.
1 -قاعدة اعتبار الواقع مجالًا للتفاعل بين الوحي والعقل:
لقد جاء الوحي بتصور شامل ومتكامل للحياة البشرية بكل أبعادها ومناحيها، وهو يسعى بذلك إلى التأسيس لواقع اجتماعي إنساني ينسجم مع نظرته إلى الوجود والحياة والإنسان، ولكن الوحي لا ينظر إلى الواقع نظرة نمطية واحدة، بل يميز فيه بين: ظواهر وجوانب إيجابية تنسجم مع تصوراته وتتماشى مع مقاصده، يمكن التعايش معها والبناء عليها، كما يتجلى من خلال الحديث: «إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» (1) ، وأخرى سلبية لا بد من إصلاحها أو تغييرها. وبما أن الإنسان في التصور الإسلامي هو خليفة في أرض الله، والعقل هو مناط التكليف بذلك؛ فإن الإنسان العالم هو المكلف شرعًا بتنزيل تصور الوحي للحياة البشرية في الواقع، وتصريفه فيه، والانتقال به من حيّز القوة إلى حيّز الفعل، ولن يتأتى ذلك إلا بتوفر ثلاثة شروط:
-أولًا: فقه العقل للوحي فقهًا عميقًا أفقيًا وعموديًا.
-ثانيًا: تمثُّل العقل للواقع تمثلًا صحيحًا شاملًا ومستوعبًا.
-ثالثًا: نجاح العقل في حسن تنزيل الوحي على الواقع، وحسن تصريفه فيه.
و بذلك يتبين أن الواقع هو مجال خصب وواسع للتفاعل بين الوحي والعقل.
2 -قاعدة اعتبار فهم الواقع مقدمة لإنتاج فقه الواقع والعمل والإنجاز فيه.
فقه الواقع ـ كما سبقت الإشارة ـ مركب اصطلاحي يعبر عن مستوى من إدراك الواقع يتميز بقدرٍ كبيرٍ من الدقة والإحاطة والوضوح، بعيدًا عن العموميات والانطباعات والآراء المسبقة. ولإنتاج فقه راشد وناضج للواقع؛ لابد من المرور من مرحلتين:
-الأولى: مرحلة الفهم: وتتجلى في رصد ظواهر الواقع المختلفة، وتجميع معطياته، واستقراء جزئيات أحداثه، وتفاصيله اليومية في الزمان والمكان، وفي مختلف الميادين: في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والأخلاق، والثقافة، والإعلام، وغيرها.
-الثانية: مرحلة الفقه: وتُعنى بفرز المعطيات، وتصنيف الظواهر والوقائع، حسب معايير ومقاييس دقيقة ومحددة، كما تُعنى بالبحث عن الخيط الناظم للأحداث، والأسباب الكامنة وراءها، والسنن والقوانين الحاكمة لنشأتها، وتطورها، واختفائها، وُصُولًا في نهاية المطاف إلى صياغة الجزئيات في الكليات، والخروج بقواعد نظرية، وقوالب تصورية تمثل التصور النظري العام للواقع.
ولبلوغ مستوى الفقه لا بد من إتقان الفهم؛ وعلى قدر درجة الفهم من الإحاطة والدقة والوضوح تكون درجة الفقه.