المشكلة الخامسة: هي ذورة المأساة، وتكون عندما تفهم مفاهيم البيئة الأصلية في ضوء المفاهيم المنقولة استيرادًا أو تقليدًا، بحجة أنها مفاهيم عالمية عابرة للقارات والحضارات والثقافات والقيم، ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك أنه في بيئة الحضارة الغربية مثلًا، عندما يتكلمون عن علاقة الدين بالعلم وما بينهما من تناقض، فإنهم يقصدون بالدين: الدين النصراني، وعندما يتم التقليد وتناقش قضايا المجتمع على خلفية مفاهيم مجتمع آخر، نجد أن كثيرًا من المفكرين في العالم الإسلام عندما يتكلمون عن علاقة الدين بالعلم نجد أنهم لا يستبطنون الدين الإسلامي أو الإسلام الذي هو دين المنطقة وشعوبها، بل يستحضرون الحجج نفسها التي قيلت عن تناقض الدين النصراني في العالم الغربي مع مكتشفات العلم الحديث، وهذا ما يحدث في كثير من القضايا، وهنا يثور السؤال عن هذا المثقف والمفكر في العالم الإسلامي المنتمي تكوينًا ووجدانًا للعالم الغربي: عن أي نمط يعبر؟ هل عندما يتكلم يعبر عن ثقافة ذلك المجتمع الذي يعيش فيه، أو عن ذلك المجتمع الآخر الذي استبطنه وتمثَّل قيمه ومفاهيمه وعاداته وطرق حياته؟
لذا تفرض ضرورةُ ضبط المفاهيم والاصطلاحات القيامَ بعمليتين في آنٍ واحد، وهما:
أ ـ تحرير المفاهيم الأساسية ـ التي شاعت بشأن قضايا المرأة والاجتماع والعلاقات الإنسانية ـ مما علق بها من مضامين ومعانٍ تخالف حقيقتها؛ لأن الكلمات نفسها كأداة للتعبير وإطار للمعاني تُحمّل بمدلولات نفسية، تلقي بظلالها على ذهن وروح السامع والقارئ، ولأن (اللغة) ليست مجرد أداة رمزية، بل إنها جوهر التفاعل الحضاري.
من ثم، فإن من أهم ما يتصل بقضية تحريم المفاهيم هو عدم قبول المفاهيم الغربية الخاصة بالمرأة على وجه الخصوص، والمجال الاجتماعي بصفة عامة؛ لأنها محملة بمسلَّمات فكرية وأسس فلسفية نابعة من البيئة الحضارية التي أفرزتها؛ ذلك أنه من المسَلَّم به أن كلمات اللغة التي تنطق بها الأمة هي أفكارها وقيمها، وهي ذات صلة عميقة بالعقيدة، وتصورُّ هذه الأمة للإنسان والكون والحياة.
وعلى هذا، فإن اصطلاحات الغرب ومفاهيمه لا يمكن فصلها عن ملابساتها الفكرية وسياقاتها التاريخية، ولا يمكن التعامل مع المصطلحات والمفاهيم الخاصة بقضايا المرأة أو المجال الاجتماعي كما نتعامل مع ألفاظ الاختراعات وأسماء الأشياء.
ب ـ استبطان المفاهيم الإسلامية الخاصة التي تمثل منظومة أو نسقًا مفهوميًا مترابطًا، يتداعى تلقائيًا عند التعامل مع أحد مكوناته؛ حيث إن المفاهيم الإسلامية تنطلق من التوحيد كأساس وغاية، مما يجعل منها وحدة متراصة متكاملة تتصف بمجموعة من الخصائص تميزها عن غيرها من الأنساق، كما تعبر المفاهيم الإسلامية عن الحقيقة التي تتناولها في شمولها واختلاف أبعادها ومستوياتها، كما تعطي تلك المفاهيم دلالات معينة عند كل مستوى للتحليل، أو عند كل بُعْد من أبعاد الظاهرة؛ ذلك أن الوعي بأهمية الكلمة ومسؤولياتها وفق البيان القرآني إنما يشكل الأساس في تحرير العقول.
وتهدف عملية استبطان المفاهيم الإسلامية ـ أساسًا ـ إلى عدة أمور، من أهمها:
ـ تحقيق الهوية والاختصاص والتمايز لمنظومة المفاهيم إسلامية الطابع والمصدر والوسائل والغايات؛ فالمصطلحات وإن كانت (حمّالة) لرسائل فكرية موجهة، فهي أيضًا (أدوات للتواصل والتعبير) عمّا نحمله من مفاهيم يتصورها الإنسان عن الخالق والكون والحياة.
ـ التعامل مع الإنسان المسلم بوحدات من المفاهيم قادرة على أن تمس حقيقة تكوينه؛ حيث تستطيع هذه المفاهيم أن تفجر الطاقة الكامنة من خلال التعامل بمفاهيم الإيمان (الفرض ـ الحلال والحرام ـ رقابة الله) بما يحقق أقصى درجات الفاعلية (1) .
ـ نقض دعوى عالمية المفاهيم الغربية باعتبارها مجمع تراث الإنسانية، ذلك أن مصطلح (العالمية) متصل بتحديد الأنا والذات، وبالمواقف من الآخر، وبالدوائر الحضارية، وبتفاعل الحضارات، كما يقول الدكتور (أحمد صدقي الدجاني) ؛ حيث يلاحظ احتكار الغرب لصفة (العالمية) ، بحيث أصبح المصطلح ينصرف إليه، فكل ما هو غربي عالمي في نظره، فكأن العالم مقتصر عليه (2) .
أهم مصطلحات وثائق مؤتمر الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والمجال الاجتماعي:
حفلت وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والقضايا الاجتماعية بالعديد من المصطلحات المتميزة، والتي لا يمكن فهمها إلا باستيعاب دلالات نصها في لغتها الأصلية الإنجليزية ومن وجهة نظر قانونية غربية بحتة.
ولعل مصطلح الجندر (Gende صلى الله عليه وسلم ) هو المصطلح ـ المنظومة الذي يمثل (قطب الرَّحَى) وتدور حوله معظم مصطلحات الأمم المتحدة، شرحًا على متنه أو تفسيرًا لغامضه، وإن زاده غموضًا؛ فهو مفهوم ومصطح مراوغ وملتبس وموهم، وغير دال، وإن شئنا الدقّة لقلنا: إنه مضلِّل. وقد ظهر لأول مرة في وثيقة مؤتمر القاهرة في (51) موضعًا، منها ما جاء في الفقرة التاسعة عشرة من المادة الرابعة من نص الإعلان الذي يدعو إلى تحطيم كل التفرقة (الجندرية) . إلى هذا الحد لم يثر المصطلح أي نزاع بسبب ترجمته بما يفيد نوع الجنس (ذكر/أنثى) ومن ثم لم يُنتبه إليه، ومراعاةً لخطة التهيئة والتدرج في فرض المفهوم تمّت إثارته مرة ثانية ـ ولكن بشكل أوضح ـ في مؤتمر بكين للمرأة (عام 1995م) ؛ إذ ظهر مصطلح (الجندر) 233 مرة في وثيقة المؤتمر، وكان لا بد لمعرفته، والوقوف على معناه من معرفة أصله في لغته التي صُكَّ فيها، والتعرف على ظروف نشأته وتطوره الدلالي كما سبق بيانه، وكان لجهود بعض المعارضين لأهداف المؤتمر من النصارى الغربيين دور كبير في كشف النقاب عن مخبآت هذا المصطلح.
تقول الموسوعة البريطانية في تعريف ما يسمى بالهوية الجندرية Gende صلى الله عليه وسلم Identity: «إن الهوية الجندرية هي شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى، وفي الأعم الأغلب فإن الهوية الجندرية والخصائص العضوية تكون على اتفاق (أو تكون واحدة) ، ولكن هناك حالات لا يرتبط فيها شعور الإنسان بخصائصه العضوية، ولا يكون هناك توافق بين الصفات العضوية وهويته الجندرية (أي شعوره الشخصي بالذكورة أو الأنوثة) ، ومثال ذلك الحالات التي يريد فيها الإنسان تغيير خصائصه العضوية على الرغم من أن خصائصه العضوية الأصلية (الطبيعية) واضحة وغير مبهمة، ولكن الشخص المصاب يعتقد أنه يجب أن يكون من أصحاب الجنس الآخر» .
«لذلك فإن الهوية الجندرية ليست ثابتة بالولادة، بل تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهوية الجندرية وهي تتغير وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية كلما نما الطفل» .
«كما أن من الممكن أن تتكون هوية جندرية لاحقة أو ثانوية لتتطور وتطغى على الهوية الجندرية الأساسية؛ حيث يتم اكتساب أنماط من السلوك الجنسي في وقت لاحق من الحياة؛ إذ إن أنماط السلوك الجنسي وغير النمطية منها (بين الجنس الواحد) أيضًا تتطور لاحقًا» .
أما تعريف منظمة الصحة العالمية فهو أدهى من تعريف الموسوعة البريطانية للهوية الجندرية؛ إذ تعرّف المنظمة مصطلح (الجندر) أنه: (المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية، لا علاقة لها بالاختلافات العضوية) .