أما في بكين فقد أسفر بحث الوفود في المعنى الحقيقي للمصطلح إلى صراع استمر أيامًا، وأدَّى إلى إنشاء لجنة خاصة لتقوم بتعريفه، وبيت القصيد هنا أن الدول الغربية رفضت تعريف الجندر بالذكر والأنثى، ولم تنجح اللجنة في تعريف الجندر، بل خرجت متفقة على عدم تعريفه، وهذا ما يثبت سوء النية وبُعْدَ المرمى والإصرار الكامل على فرض مفهوم حرية الحياة غير النمطية كسلوك اجتماعي؛ فلو أن الجندر لا يتضمن الحياة غير النمطية كسلوك اجتماعي، فلِمَ الاعتراض على تعريفه بالذكر والأنثى فقط؟
ومن ثم استمر الصراع أيامًا في البحث عن المعنى الحقيقي للمصطلح، مما أدّى إلى إنشاء لجنة خاصة تقوم بتعريفه، ومع ذلك باءت بالإخفاق أيضًا؛ إذ أصرت الدول الغربية على وضع تعريف يشمل الحياة غير النمطية كسلوك اجتماعي، ورفضت الدول الأخرى أية محاولة من هذا النوع، فكانت النتيجة أن عرفت اللجنة المصطلح بعد تعريفه:
وتكشف وثائق مؤتمر روما لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية المنعقدة في روما (6/14 ـ 6/18 عام 1998م) عن محاولة لتجريم القوانين التي تعاقب على الشذوذ الجنسي؛ إذ أوردت الدول الغربية أن كل تفرقة أو عقاب على أساس (الجندر) يشكل جريمة ضد الإنسانية، وكان إدخال كلمة (Gende صلى الله عليه وسلم ) في تعريف الجرائم بالإنجليزية أمرًا غريبًا في حد ذاته؛ إذ إن النَّصَّيْن العربي والفرنسي استعملا كلمة (الجنس) ولم يستعملا كلمة (الجندر) ؛ إذ ليس له تعريف واضح ومدلول محدد، وهذا الأمر دفع الوفود العربية والإسلامية ـ بقيادة المملكة العربية السعودية وقطر وسورية ـ إلى اعتماد كلمة الجنس بدلًا من كلمة الجندر، واستمر الخلاف أيامًا كالعادة، وفيه قال أحد المفاوضين العرب: «إن كنتم تقصدون أن هذه ترادفُ هذه؛ فلماذا الإصرار؟ وإن كانت تختلف في المعنى فأفهمونا الخلاف باعتبارها لغتكم، لنستطيع أن نرى انسجامها مع القانون أو لا!» . وهذا الخلاف الشديد دعاهم لأن يعترفوا أنها تعني (عدم الحياة النمطية للنوع الواحد) ، بمعنى أنه إذا مارس أحدهم الشذوذ الجنسي فعوقب بناء على القانون الداخلي للدولة كان القاضي مجرمًا بحق الإنسانية.
وعلى الرغم من المعارضة الشديدة من الدول العربية والإسلامية لم تنجح تلك الدول في حذف كلمة (الجندر) من النص الإنجليزي، ولكن توصلوا إلى حل وسط، حيث عُرِّف (الجندر) بأنه يعني الذكر والأنثى في نطاق المجتمع، وهو الأمر الذي رفضه وفد المملكة العربية السعودية؛ لأن هذه الإضافة ـ في نطاق المجتمع ـ إنما يراد بها أن الفروق بين الذكر والأنثى ليست عضوية وإنما هي اجتماعية، وهذا ـ بعينه ـ هو مصطلح (الجندر) . والأخطر من ذلك هو نجاح الدول الغربية في تعريف كلمة (الجنس) التي كانت تعني الذكر والأنثى إلى تعريف يقربه من مفهوم (الجندر) إذ عرَّفته ـ أي الجنس ـ بأنه يعني الذكر والأنثى في نطاق المجتمع.
وإتمامًا لهذه المسيرة الطويلة لفرض هذا المفهوم دعا إعلان مؤتمر (لاهاي) للشباب عام 1999م إلى إنشاء جهاز خاص في كل مدرسة (لتحطيم الصورة التقليدية والسلبية للهوية الجندرية، للعمل على تعليم الطلبة حقوقهم الجنسية والإنجابية بهدف خلق هوية إيجابية للفتيات ـ النساء، وللفتيان ـ الرجال) .
كما يدعو الإعلان ـ بوقاحة مطلقة ـ الحكومات إلى إعادة النظر وتقديم قوانين جديدة تتناسب مع حقوق المراهقين والشباب للاستمتاع (بالصحة الجنسية) والصحة الإنجابية بدون التفرقة على أساس (الجندر) (1) .
مصطلح التمكين: من المصطلحات ذائعة الصيت في جميع وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة وبقدر ذيوعه بقدر غموضه؛ ففي جدول الأعمال المؤقت للجنة مركز المرأة، الدورة الرابعة والأربعين (متابعة المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة استعراض إدماج قضايا المرأة في الأنشطة الرئيسية لمؤسسات منظومة الأمم المتحدة؛ جاء: تركز عمل منظومة الأمم المتحدة في مجال المرأة والفقر على أهمية تمكين المرأة) ولكل مجال من المجالات هناك ثابت أساسي وهو عنصر التمكين (الاقتصادي ـ السياسي ـ الاجتماعي) للمرأة.
وفي كتاب تمكين المرأة (2) ، (Women Empowe صلى الله عليه وسلم ment) لم يكن هناك تعريف محدد لمصطلح التمكين وإن جاء فيه: في إحدى ورش العمل (Wo صلى الله عليه وسلم k shop) للمرأة في الباسيفيك؛ بعنوان المرأة والتنمية والتمكين قالت فانيسا جريفين (Vanessa G صلى الله عليه وسلم iffen) عمّا يعنيه التمكين بالنسبة لها: «إنه ببساطة يعني مزيدًا من قوة المرأة، والقوة بالنسبة لها هي: مستوى عالٍ من التحكم ومزيد من التحكم؛ وإمكانية التعبير والسماع لها، والقدرة على التعريف والابتكار من منظور المرأة، والقدرة على الاختيارات الاجتماعية المؤثرة والتأثير في كل القرارات المجتمعة، وليس فقط في المناطق الاجتماعية المقبولة كما كان للمرأة، واعتراف واحترام كمواطن متساوٍ وكيان إنساني مع الآخرين، والقوة تعني مقدرة على المساهمة والمشاركة في كل المستويات الاجتماعية، وليست في مجرد المنزل، والقوة تعني أيضًا مشاركة المرأة مشاركة معترفًا بها وذات قيمة» .
ربما كانت هذه الترجمة حرفية لما قيل، لكن لعل تلك الإطالة مما يزيد المفهوم غموضًا، فالمصطلح الذي يفسر كل شيء لا يفسر أي شيء على الإطلاق، ويظل مصطلحًا غامضًا يفسر حسب مقتضيات الموقف.
وجاء في إعلان مؤتمر بكين في الفقرة (12) تمكين المرأة من كل القيود، بما في ذلك الروحية والأخلاقية والفكرية، وأن تمارس تلك الحرية وحدها أو بالاشتراك مع غيرها تمهيدًا لسيادة أنماط السلوك الغربي.
ومن أخطر المصطلحات التي وردت في وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة هو مصطلح (الصحة التناسلية ـ (Rep صلى الله عليه وسلم od صلى الله عليه وسلم ctive Health و (الصحة الجنسية (Sexual Health واعتبارها حقوقًا إنسانية عامة غير مقصورة على المتزوجين زواجًا شرعيًا؛ إذ اعتبرتها حاجات طبيعية كالغذاء، وحقوقًا لكل الأفراد من كل الأعمار دون ضوابط من أي شرع أو أي دين.
وهذه المصطلحات تعني في وثيقة (برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي انعقد في القاهرة من 5 ـ 13 سبتمبر سنة 1994م) بـ: المتعة الجنسية المأمونة والقائمة على التراضي باعتبارها حقًا للجميع كالغذاء، وليست حقًا خاصًا بالأزواج زواجًا شرعيًا دون سواهم، وأنها ـ في رؤية الوثيقة ـ حق للإنسان يقتضيه الجسد ولا تضبطه حقوق الله ـ الذي لم يَرِدْ ذكر اسمه ولو مرة واحدة في مشروع البرنامج ـ ولا يحدد نطاقها دين؛ أيُّ دينٍ ـ والذي لا وجود لإشارة إليه في كل فصول وفقرات المشروع ـ الذي جاء في حجم كتاب غير صغير (1) .
أما مصطلح الصحة الإنجابية أو التناسلية، فهو وإن كان يحمل معنى إيجابيًا بتحسين الصحة الإنجابية للرجل والمرأة من خلال إقامة علاقات سوية باتباع تعليمات وإرشادات صحية، غير أن سياق استعماله وإدخاله ضمن برامج تنظيم الأسرة مع مصطلح (تنظيم الخصوبة) ـ والذي يعني تحديد نسبة التوالد في بلد معين ـ يجعل المصطلح يدور حول معنى محدد، وهو توفير المزيد من وسائل خدمات الرعاية التناسلية والجنسية، ومنها موانع الحمل بأن تكون في متناول الجميع دون اشتراط.