فهرس الكتاب

الصفحة 2093 من 2255

ومن أكثر المصطلحات إثارة للجدل داخل مؤتمر القاهرة للسكان، هو مصطلح (المتحدين والمتعايشين) إذ ذكر إعلان حقوق (التحدين والمتعايشين ـ (Unions and Couples بعيدًا عن ذكر الأسرة بوصفها الأساس الطبيعي والوحيد لأي مجتمع بشري، وهو الأمر الذي تكرر في إسطنبول ولاهاي، وهو يعني السعي الدؤوب لتقنين الشذوذ الذي بات معترفًا به من جانب بعض الكنائس والدول الغربية، وهذا ليس بمستغرب؛ إذ التقت المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة(ماري روبنسون) رئيسة جمهورية إيرلندا سابقًا في نهاية عام 1998م بالحلف الدولي للشذوذ، وتعهدت خلاله بإعطاء كل تأييدها ودعمها لجهود هذا الحلف، وأعلنت عزمها على تعيين مراقب خاص لمتابعة حقوق الشواذ» (2) .

ومنها بالطبع حق زواج الجنس الواحد، ومكافحة القوانين المضادة للشذوذ الجنسي، على أن كل تفرقة على أساس السلوك الجنسي غير قانونية من وجهة نظرها.

ولعل ذلك يحيلنا إلى مفهوم مصطلح (الأسرة) ؛ فبينما تروِّج وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة لتعدد أنماط الأسرة، حاولت كثير من بلدان العالم والدول العربية والإسلامية والفاتيكان وبعض دول أمريكا اللاتينية والصين التأكيد على أن الزواج هو العقد المبرم بين الرجل والمرأة، والذي تكون الأسرة ـ كجهاز اجتماعي ـ مسؤولة عن إنجاب وتربية الأطفال، وتجدَّد الصراع مرة أخرى في مؤتمر بكين عندما أكدت وثيقته أن للأسرة أنواعًا وأنماطًا تختلف حسب المجتمع، وحاولت الدول المعارضة لهذا التعريف ـ عبثًا ـ إضافة وصف (التقليدية) في وصف الأسرة وأنماطها، ولم تصمد أمام موقف الدول الغربية الرافضة لإدخال كلمة (التقليدية) كوصف للأسرة وأنماطها.

لقد قدمت وثائق الأمم المتحدة مفهومًا للأسرة غير الذي تعارفت عليها الرسالات جميعها ـ وهو مفهوم الأسرة القائمة على الزواج الشرعي بين ذكر وأنثى ـ فهي تتحدث عن (اقتران) لا يقوم على الزواج ـ وهو ما يشيع في العلاقات المحرمة دينيًا بين لعشيق والعشيقة، أو بين رجلين أو امرأتين ـ عند الشواذ (1) .

ونجد وثيقة برنامج عمل مؤتمر القاهرة للسكان لا تقف عند إباحة هذه الأشكال من (الأسرة) وإنما ترتب لها (حقوقًا) وتدعو إلى إزالة كل عقبات وألوان التمييز بين هذه العلاقات والاقترانات الشاذة والمحرمة وبين الأسرة القائمة على الزواج، فتقول: «وينبغي القضاء على أشكال التمييز في السياسات المتعلقة بالزواج وأشكال الاقتران الأخرى» . واستخدمت الوثيقة لذلك مصطلحًا هو (The Family - in - all - its Fo صلى الله عليه وسلم ms) وجعل المؤتمر من أهدافه: وضع سياسات وقوانين تقدم دعمًا أفضل للأسرة، وتسهم في استقرارها وتأخذ في الاعتبار تعددية أشكالها.

ثم جاء بعد ذلك في الوثيقة ما يفسر هذه التعددية يمثل زواج الجنس الواحد والمعاشرة بدون زواج والكل في الحقوق متساوٍ (2) .

وهكذا نجد أنفسنا أمام مفاهيم عن العلاقات والممارسات الجنسية ومفاهيم عن الأسرة والاقتران تجعل الجنس القائم على التراضي والمأمون من أن يؤدي إلى الأمراض الفتاكة حقًا لكل جسد، مثله مثل الغذاء، لا تضبطه ضوابط الزواج الشرعي بين الذكر والأنثى، وإنما هو مباح بين الذكور والإناث دون زواج وفي كل الأعمار، وبين المراهقين والمراهقات، أيضًا بين الأمثال من الشاذين والشاذات.

وفي مؤتمر إسطنبول للمستوطنات البشرية عام 1996م، تفجّر الصراع مرة أخرى حول تعريف الأسرة بشكل يثبت إصرار الجهات المنظمة والداعمة لهذه المؤتمرات على نشر الإباحية الجنسية، من خلال تفتيت الأسرة وتحريف مفهومها؛ إذ استمر الصراع أيامًا عديدة حول: (هل الأسرة خلية اجتماعية يجب تدعيمها؟) ، أو هي (الخلية الاجتماعية الأساسية التي يجب تدعيمها؟) ، أي حول إضافة (ال) التعريف مع إضافة كلمة (الأساسية) ، وكالعادة وقفت الدول الغربية ضد هذه الإضافة تمامًا، وكذلك لم ينتهِ الصراع حول مفهوم الأسرة عند حدِّ الصراع اللغوي، بل امتد مرة أخرى إلى إثارة (هل للأسرة أنماط مختلفة؟) لينتهي الأمر أمام إصرار كندا ودول الاتحاد الأوروبي إلى وجود أنماط للأسرة.

وفي هذه النوعية من المؤتمرات (الدولية) للمرأة تظهر محاولة الاستغناء عن الأسرة في المصطلحات المستخدمة في الإشارة إلى الطفل الذي ولد خارج نطاق الزواج والأسرة؛ فهو لم يعد طفلًا غير شرعي (Illegitimate) كما كان في الماضي؛ فقد أصبح طفلًا مولودًا خارج الزواج (Out of wedlock) ، ثم يتطور الأمر لصبح طفلًا طبيعيًا (Natu صلى الله عليه وسلم al beby) ، وأخيرًا يصبح طفل الحب والجنس (Love Baby) والبقية تأتي (3) .

أما مصطلح (حرية الحياة غير النمطية ـ (Sexual O صلى الله عليه وسلم ientation F صلى الله عليه وسلم eedom الذي ظهر لأول مرة في مؤتمر بكين فإنه دعا إعلان المؤتمر في نص المادة رقم(266) من الوثيقة إلى حرية الحياة غير النمطية كحق من حقوق الإنسان، مما استدعى طلب الكثير من الدول المشاركة لتعريفه أو حذفه، في حين أكدت ـ كالعادة ـ الدول الغربية وعلى رأسها الدول الإسكندنافية وكندا وأمريكا ودول الاتحاد الأوروبي أن العبارة لا تضيف حقًا جديدًا من حقوق الإنسان وحرياته، وعلى الرغم من حذف هذه العبارة من نص الإعلان إلا أن المحاولة تكررت في مؤتمر الشباب في براغ في البرتغال عام 1998م؛ حيث حاولت المنظمات التحريرية (الليبرالية) والشاذة إدخال المصطلح مرة أخرى، ولكنها لم تنجح نظرًا للمعارضة الشديدة التي لقيتها، ومع ذلك نجحت تلك المنظمات في نحت وإضافة مصطلح جديد يؤدي إلى المعنى نفسه ولكن بشكل آخر (مرض الخوف من الحياة غير النمطية) ، أي من الشذوذ الجنسي، ودعا في نص إعلان الشباب في براغ إلى (مكافحة التفرقة العنصرية والعرقية ومرض الخوف من الشذوذ الجنسي) .

وفي مؤتمر لاهاي للشباب والمنظمات غير الحكومية عام 1999م عاد المصطلح ـ حرية الحياة غير النمطية ـ من جديد ليفرض نفسه بكل قوة على نص الإعلان، وهو أنه يجب أن يكون التعليم الجنسي الشامل إلزاميًا على جميع المراحل، ويجب أن تُعطى المتعة الجنسية والثقة، والحرية عن التعبير الجنسي والسلوك الجنسي غير النمطي، كما يدعو الإعلان حكومات العالم إلى (عدم التفرقة بين الشباب على أساس من العرق أو الدين أو الحضارة أو الجنس أو التوجيه الجنسي ـ الحياة غير النمطية ـ أو السلوك والنشاط الجنسي) ، وهو الأمر الذي يمثِّل انتصارًا جديدًا لجماعات الشواذ.

لاحظ أن المفهوم تم الإيحاء به في مؤتمر السكان في القاهرة عام 1994م، ثم بدأ التدرج في فرض المفهوم ـ ومن ثم المصطلح ـ في مؤتمر براغ عام 1998م ولاهاي عام 1999م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت