والدولة الدينية في أوروبا دولة سيئة السمعة ارتبطت في تاريخها بالاستبداد والتسلط وظلم الناس. بينما الدولة في الإسلام بخلاف ذلك، هي دولة يأمن فيها الخائف وينتصف فيها المظلوم ويُقام فيها العدل.
ومن وصف الدولة الإسلامية بأنها دولة مدنية وقع في خطأ لايقل عن الخطأ الأول، ذلك أن الدولة المدنية الحديثة تنكر حق الله في التشريع، وتجعله حقًا مختصًا بالناس، وهذا بخلاف الدولة الإسلامية، بل إن هذا يخرجها عن كونها إسلامية، ويُسمّى هذا النوع من الحكم في الإسلام بحكم الطاغوت. وكل حكم سوى حكم الله هو طاغوت.
إن تحرير المصطلحات ومراعاة مرجعياتها المعرفية ضرورة يقتضيها استقلال المرجعيات المعرفية عن بعضها البعض.
وربما اشتبهت الدولة المدنية في ذهن البعض بالمجتمع المدني، فظن أنه يصحّ استخدام مصطلح الدولة المدنية في وصف الدولة الإسلامية. وفي الحقيقة بينهما فرق جوهري. الدولة المدنية -كما قلت- إنما نشأت في مقابل الدولة الدينية، أما المجتمع المدني فنشأ في مقابل المجتمع الذي تديره الحكومة الشمولية من خلال مؤسساتها. فهو مجتمع ينشئه المواطنون أو الأهالي ويرعى قطاعات لاترعاها الحكومة، كروابط المدرسين ونقابات العمال وأصحاب المهن، والمؤسسات الخيرية. هذا المجتمع يرعاه الأهالي، وينفق عليه الأهالي، ويديره الأهالي، وليس للحكومة علاقة به سوى علاقة الإشراف العام المتمثلة في وضع النظم واللوائح ومراقبة تنفيذها. والمجتمع المدني هو أقرب المجتمعات إلى المجتمع في العصر النبوي والخلافة الراشدة. فالحكومة في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي الخلافة الراشدة لم تكن شمولية تسيطر على كل جزئية في المجتمع، وإنما تركت الكثير من شؤون الناس لهم ليديروها حسبما يرون وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية. بل إن التاريخ الإسلامي لم يكن يعرف الدولة الشمولية هذه التي نشأت في أوروبا، وكان الكثير من شؤون الناس ومصالحهم يديرونها هم من غير تدخل من الحكومة. وعلى هذا فالمجتمع المدني هو أحد الخيارات المتاحة أمام المجتمع ولا غضاضة في الأخذ به. وصفة المدنية لاتعني إلغاء حاكميّة الشريعة، كما هو الشأن في الدولة المدنية، وإنما تعني طريقة المجتمع في إدارة شؤونه من غير تدخّل من الحكومة.
تتميز التصورات الكلية في الإسلام بكمالها وشمولها واستغنائها عن سواها من النظم الأخرى. ومن ذلك النظام السياسي الذي تشترط فيه الشريعة الإسلامية أن يقوم على أسس محددة، ومن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) . [الحج:41] . ومنها قوله تعالى واصفا للمؤمنين: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى: من الآية38] . وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) . [النساء: من الآية58] .
وخلط أي نظام في الإسلام مع نظام آخر من غيره هو إخراج له عن حقيقته الإسلامية، أما تطوير التفاصيل والصيغ العملية مع المحافظة على روح النظام ومقاصده فلا شيء فيه، بل هو مما تركته الشريعة للناس ليجتهدوا فيه حسب معطيات عصرهم، فهو من مواطن الاجتهاد التي يُحمد لهم أن يجتهدوا فيها ويُغفر لهم ما أخطؤوا فيه.
الأمة الإسلاميّة والتحدي الكبير
د. علي بن عمر بادحدح * 9/4/1427
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإننا اليوم في عالم القرية الصغيرة التي يعلم الجميع ما يجري في أي جزء من
أجزائها في لحظة وقوع الحدث؛ لأن وسائل الإعلام والاتصال كسرتْ القيد،
وقرّبتْ البعيد، ويُضاف إلى ذلك أن أصحاب القوة في عالم اليوم - وبالذات بعد أحداث سبتمبر - أصبحوا أكثر وضوحًا في مواقفهم، وأكبر جرأة في ممارستهم، وإن شئت فإنهم أكثر صَلَفًا في عدوانهم، وأشد قبحًا في بغيهم، وإن أبرز مواطن إجرامهم، وأوسع ميادين ظلمهم أرض الإسراء فلسطين الحبيبة، فمنذ وعد بلفور- الذي مُنح به مَن لا يملك ما لا يستحق- إلى مساعدة العصابات الصهيونية القتالية المجرمة، ومرورًا بدعم وتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، إضافة إلى الإعتراف بالدولة المحتلة المعتدية، وانتهاء بالدعم اللا محدود سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في تحالف معلن يُوجه السياسة، ويُسخّر الاقتصاد، ويُوفر الإمداد، وفي مقدمة الدول المتولية كِبْرَ ذلك كله أمريكا وبريطانيا ويجرّان خلفهما الدول المؤثرة من الدول الأوروبية.
وإن قضية فلسطين كانت ولا تزال وستظل قضية المسلمين الأولى لا لكونها قضية وطن مُغْتصب، أو شعب مُضْطهد بل لأنها -مع ذلك بل قَبْله- قضية إسلام وإيمان؛ فهي تُمثّل بؤرة الصراع العقديّ، وميدان المواجهة الحضارية بين الإسلام وأعدائه في أوضح وأقسى صورها؛ فالمسجد الأقصى أول مسجد بُني بعد البيت الحرام، وكان قبلة المسلمين الأولى، وأُسري بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إليه، ومنه عرج به إلى السماء، وخُصَّ مع الحرمين الشريفين بشدّ الرحال، ومضاعفة أجور العبادة، وبشّر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بفتحه بعد موته، وغير ذلك مما ثبت لبيت المقدس من الفضائل والخصائص التي وردت في آيات القران وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم .
والآن يظهر التحدي الكبير بين أمة الإسلام وأعدائها الألدّاء المتمثلين في الصهاينة المعتدين وحلفائهم من الصليبين الإنجيليين المتطرفين، وتتلخص حلقات الجريمة الكبرى فيما يلي:
1-أمريكا وأوروبا أزعجت العالم كله والعالم الثالث على وجه الخصوص بالمطالبة بالديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، والتأكيد على حق الشعوب في اختيار حكامهم، وعندما فازت في الانتخابات التشريعية الفلسطينية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قلبوا ظهر المِجَن، وانقلبوا على ديموقراطيتهم
المزعومة، وصادروا حق الشعب الفلسطيني في اختياره، وأعلنوا بكل صفاقة وبجاحة معارضتهم لتولي (حماس) السلطة، وأخيرًا أعلنوا قطع المساعدات الدولية من أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي في حصار جائر يُذكر بفعل أسلافٍ لهم مثلهم من
كفار قريش في حصار النبي -صلى الله عليه وسلم- وبني هاشم في الشِّعْب بمكة، ويجدّدون أهداف أعداء الدعوة الإسلامية في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم
(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) . [المنافقون:7] . 2- تنادي أمريكا وأوروبا بالحرية وحماية حقوق الإنسان، ثم تُعلن مصادرة حرية
الشعب الفلسطيني بالمقاطعة والحصار الاقتصادي، وتتعدى على حق الإنسان
الفلسطيني في الحياة الكريمة، وذلك بسياسة التجويع والإفقار؛ إذ أمهلت
الحكومة الأمريكية مواطنيها وشركاتها مدة شهر واحد فقط لإيقاف جميع تعاملاتهم التجارية مع فلسطين بشكل عام، وعلى الرغم من ادعاءات الإنسانية والمناداة بمساعدة الشعوب المحتاجة ومحاربة الفقر وغير ذلك من الشعارات إلا أن الموقف في فلسطين يدلُّ وبوضوح على عكس ذلك، فقد تعرّت الحضارة الغربية، ونُزعت ورقة التوت، وكشفت تلك الحكومات عن مكنونات حقدها، وحقيقة خوفها وعدائها للإسلام والمسلمين.