فهرس الكتاب

الصفحة 2226 من 2255

فإن الأستاذ مالك ابن نبي يرفع الرداء عن طبيعة المُركِّب الحضاري هذا- العقيدة الدينية- فيشدد على تقسيم العقيدة الدينية إلى قسمين: قسم هو روح الدين، وقسم هو حرفية الدين. أما ما يكون القوة الماسكة للعوامل الثلاثة، الإنسان، التراب، الوقت ويجعل الامتزاج امتزاجا له فعالية فهو فقط روح الدين وفي هذا الصدد يوضح مالك ابن نبي"ومن المعلوم أن جزيرة العرب مثلا لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي يعيش في صحراء مجدبة يذهب وقته هباء لا ينتفع به، لذلك فقد كانت العوامل الثلاثة: الإنسان، التراب، والوقت راكدة خامدة، وبعبارة أصح مكدسة لا تؤدي دورا ما في التاريخ، حتى إذا ما تجلت الروح بغار حراء - كما تجلت من قبل بالوادي المقدس، أو بمياه الأردن- نشأت من بين هذه العناصر الثلاثة المكدسة حضارة جديدة، فكأنما ولدتها كلمة"اقرأ"التي أدهشت النبي الأمي وأثارت معه العالم."

فمن تلك اللحظة وثبت القبائل العربية على مسرح التاريخ، حيث ظلت قرونا طوالا تحمل للعالم حضارة جديدة، وتقوده إلى التمدن والرقي ومما هو جدير بالاعتبار أن هذه الوثبة لم تكن من صنع السياسيين ولا العلماء الفطاحل، بل كانت بين أناس يتسمون بالبساطة، ورجال لا يزالون في بداوتهم، غير أن أنظارهم توجهت في تلك اللحظات إلى ما وراء أفق الأرض أو إلى ما وراء الأفق القريب، فتجلت لهم آيات في أنفسهم وتراءت لهم أنوارها في الأفاق.

نعم إنه لمن الغريب أن يتحول هؤلاء البسطاء ذوو الحياة الراكدة، عندما مستهم شرارة الروح، إلى دعاة إسلاميين، تتمثل فيهم خلاصة الحضارة الجديدة وأن يدفعوا بروحها وثبة واحدة، إلى تلك القمة الخلقية الرفيعة التي انتشرت منها حياة فكرية واسعة متجددة نقلت من علوم الأولين ما نقلت، وأدخلت علوما جديدة، حتى إذا بلغت درجة معينة، انحدرت القيم الفكرية التي أنتجتها دمشق وبغداد وقرطبة وسمرقند"."

أما المقصود بحرفية الدين هو ما يعني الشكل دون المضمون.. أي الإطار الخارجي للدين وما يتراءى للناس وطبيعي جدا أن نجد المسلمين نقلوا الحضارة الإسلامية* بفضل روح الدين الإسلامي لا بحرفيته ولقد ضاعت الأندلس؛ لأن حرفية العقيدة الإسلامية حلت محل روحها.. فأصبح الدين الإسلامي شكلا دون المضمون، وقد ضرب مالك ابن نبي مثلا بما جرى في عهد الخليفة الثاني الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة. لقد عطل حد السرقة على ما نادى به آخرون؛ لأن عمر ابن الخطاب كان يتعامل بروح الدين لا بحرفيته والأمة كانت في مجاعة.. ومنه فحد السرقة غير مستوفي الشروط.

إن مالك ابن نبي وعى جيدا الملابسات التي تحوم حول تأخر المسلمين وهي التعامل مع العناصر الثلاثة: الإنسان، التراب، الوقت.. التي هي موجودة عند كل المجتمعات بمنطق البناء الحقيقي لكل حضارة خصوصا لو كانت هذه الحضارة عالمية تختزن في جوفها رسالة هي للعالمين..وتعجبني معادلة جبرية صاغها الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - تكملة لما جاء به مالك ابن نبي..أن العرب لا يساوون شيئا من دون الإسلام الحقيقي - روح العقيدة الإسلامية-.. هذه المعادلة متمثلة في:العرب - الإسلام=صفر.

الاستعمار الفرنسي.. رسالة حضاريّة!!

نايف ذوابه - عمان

20 -7 - 2005 م

فيما تستعد العاصمة الفرنسية لاستقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون بعد عشرة أيام تقدمت الحكومة الفرنسية باعتذار جديد لليهود (عربون استقبال وترحيب) عما قام به الفرنسيون قبل ثلاثة وستين عامًا؛ لأنهم سلموا ثلاثة آلاف يهودي فرنسي لألمانيا النازية، وفرنسا أصدرت عام 2001 قانونًا ينصّ على جريمة التحريض على التمييز العنصري (المبني على المنشأ أو السلالة أو الدين) أو الكراهية أو العنف، إثر تزايد مشاعر العداء لليهود في فرنسا من خلال نبش المقابر اليهودية، والاعتداء على المعابد والكنس اليهودية، وقد سبق لشارون أن دعا اليهود الفرنسيين إلى الهجرة إلى إسرائيل ( فلسطين المحتلة) احتجاجًا على موجة اللاسامية والعداء لليهود في فرنسا بوصف فرنسا أصبحت بلدًا غير مرحّب باليهود فيه!!

وقد قصر معجم روبير الفرنسي مصطلح معاداة السامية على معاداة اليهود، مع أن مصطلح السامية أوسع من ذلك بكثير، ويشمل العرب إلى جانب اليهود بوصفهم أبناء سام بن نوح!!، ورغم أن بريطانيا عُرفت بالراعي التاريخي لليهود، وهي التي أوجدت الوعد الذي أسست له الكنيسة الإنجيلية، ثم ثبّته بلفور من خلال وعده الشهير المشؤوم؛ إلا أن فرنسا شاركت بفعالية في حماية ورعاية اليهود، والمساهمة في بناء إسرائيل دولة لهم، وقد صدر عام 1990 قانون استثنائي ( فابيو - جيسو) يقتضي بمعاقبة كل من ينكر محرقة النازيين لليهود في غرف الغاز فيما عُرف بِ ( الهولوكوست) ، أو يشكّك في عددهم، ولهذا حاكموا المفكر الفرنسي روجيه جارودي الذي شكك بغرف الغاز، وبعدد ضحايا النازية من اليهود الذين يدّعون أنهم ستة ملايين يهودي، فيما يشير غارودي إلى أن ضحايا النازية لا يتجاوزون تسعمائة ألف إلى مليون يهودي.

انظر إلى النفاق الفرنسي، هنا فرنسا تعتذر وتبالغ في الاعتذار عن ماضيها، وتتملق اليهود، بينما تتفاخر بماضيها الاستعماري بفظاظة ووقاحة، دون أن يرف لها جفن، أو تحسب حسابًا لأصدقائها العرب!!، والحقيقة أن مصانعة فرنسا لليهود ليست بجديدة ولا مستغربة للذين يعرفون تاريخ فرنسا الحقيقي في المنطقة بعيدًا عن التضليل السياسي الذي رسم صورة مخادعة لفرنسا لدى العرب، ونقصد حكومات الدول العربية التي ضلّلت شعوبها، وسوّقت فرنسا كصديق للعرب، ونصير للقضايا العربية، لكن التاريخ السري للعلاقات الفرنسية الإسرائيلية يكشف حقيقة العداء الفرنسي التاريخي للمنطقة وأهلها؛ ففرنسا - للذين يجهلون أو يتجاهلون تاريخها المخزي - هي أمّ المشروع النووي الإسرائيلي؛ فهي التي بنت أول مفاعل نووي إسرائيلي، وهي التي درّبت الخبراء والعلماء الإسرائيليين ومكنتهم من أسرار السلاح النووي، وهربت اليورانيوم لإسرائيل، وفرنسا هي التي وضعت اللبنات الأولى لسلاح البحرية الإسرائيلي، وزوّدته بالسفن والصواريخ، وفرنسا ساهمت في بناء سلاح الطيران الإسرائيلي، وكانت طائرات الميراج الفرنسية هي العمود الفقري لسلاح الجو الإسرائيلي في حرب حزيران 1967، ونذكّر أيضًا بأن فرنسا شاركت في العدوان الثلاثي على مصر مع بريطانيا وإسرائيل ردًا على تأميم قناة السويس، ومحاولة لإسقاط عبد الناصر الذي كان يشوّش عليها من خلال دعم الثورة الجزائرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت