فهرس الكتاب

الصفحة 2227 من 2255

أما السابقة الخطيرة والغريبة في التصعيد الفرنسي ضد الشرق الإسلامي عامة والشمال الإفريقي خاصة - والتي تكشف حقيقة المشاعر الفرنسية نحونا كمسلمين - فهو القانون الذي صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية عليه، وكانت قد سنّته الحكومة الفرنسية في الخامس والعشرين من شباط الماضي 2005، ويتعلّق القانون بالحقبة الاستعمارية الفرنسية في شمال إفريقية؛ إذ يمجّد القانون تلك المرحلة التاريخيّة، ويعدّها جزءًا من التاريخ الحضاري لفرنسا، وذكرى تاريخية عن مهمات فرنسا الحضارية في مستعمراتها السابقة، ويمنح الجنود الفرنسيين الذين قُتلوا في المغرب والجزائر صفة الأبطال، والأدهى من ذلك أن القانون يقترح القيام بمراجعة شاملة للمقررات التعليميّة الفرنسيّة من أجل تخصيص حيّز كافٍ فيها للإشادة بتلك الحقبة الاستعمارية، والاعتراف بتاريخ وتضحيات المقاتلين الفرنسيين!!، هناك فرنسا تعتذر لليهود بينما هنا تتبجّح في تحدٍ صارخ ليس لمشاعر الجزائريين وحدهم بل لمشاعر مليار مسلم؛ لأن الجزائر عُرفت ببلد المليون شهيد، وعُرف المقاتلون الجزائريون بالمجاهدين، ولم يصل التبجّح بأي حكومة فرنسية سابقة إلى هذا الحد الذي تمجّد فيه حكومة شيراك (الصديقة للدول العربية) بوقاحة سافرة"الاستعمار"و"القتل"و"النهب"و"التعذيب"باسم الرسالة الحضارية، بدل أن تعتذر عن هذا الماضي المشين، ومما زاد الطين بلة أن هذا الإعلان قد تصادف مع الذكرى الخمسين لمجزرة مدينة سطيف الجزائرية التي ارتكبها الجيش الفرنسي في أيار 1945، وذهب ضحيتها (45) ألف جزائري!!

هذا هو وجه فرنسا الحقيقي الذي ينبغي أن يتذكرها به المسلمون، وهو وجه قبيح في غاية القبح، ومما يزيده قبحًا ذاك النفاق الذي صبغ العلاقات الفرنسية، وادّعاء نصرتها للقضايا العربية بينما هي تمكر وتغدر وتؤلب على الإسلام والمسلمين، وما قانون حظر الحجاب عنا ببعيد الذي أصرت الحكومة الفرنسية على سنه في اعتداء صارخ على الحرية الشخصية والحرية الدينية لنحو خمسة ملايين مسلم فرنسي، على الرغم من كل المناشدات من مختلف الشخصيات الفكرية والسياسية والحزبية في أنحاء العالم الإسلامي، وهناك وفود ذكّرت فرنسا بالجميل الذي أسداه لها المسلمون بإطلاق سراح ملكها لويس التاسع الذي أسره المسلمون في معركة دمياط، وسجنوه في دار ابن لقمان، ولم تصغ فرنسا لغير صوت الحقد والكراهية (( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) )، وكل ذلك نكاية بالإسلام، وحسدًا من أخلاق العفة والطهر الإسلامية التي تعدّ المرأة المسلمة عرضًا يجب أن يُصان، وتأكيدًا للعهر الذي عُرف به الفرنسيون، والذي جعلهم صيدًا سهلًا للألمان في حربين عالميتين!!

ولنذكر الغرب الحاقد الذي أبى أن يكفّر عن حقده الأعمى، وعن مجازره التي ارتكبها بحق الآمنين المسلمين، ونسوق هذه العبارات المضيئة التي سجلها غوستاف لوبون المستشرق الفرنسي يتحدث فيها عن أخلاق العرب الفاتحين مقارنة بأخلاق الأوروبيين الهمج المستعمرين، وعلى رأي الرئيس الجزائري بوتفليقة المستدمرين، على أساس أن الاستعمار كان استدمارًا فعليًا للشعوب!، يقول غوستاف لوبون:"لم يكن الصراع الذي كان يتمخّض عنه العالم غير نزاع عظيم بين أقوام من الهمج، وحضارة تُعدّ من أرقى الحضارات التي عرفها التاريخ"، ويتحدث غوستاف لوبون عن نُبل صلاح الدين الذي تسامح مع نصارى القدس فلم يمسهم بسوء ولا أذى، وتمنّى العلامة لوبون أن يكون العرب قد استولوا على العالم ومنه أوروبا، ويذكر أن موسى بن نصير فكّر في ذلك، وأنه لم يعقه عن هذا العمل العظيم سوى أمر الخليفة إياه بأن يعود إلى دمشق، فلو وُفّق موسى بن نصير لذلك لجعل أوروبا مسلمة، ولحقّق للأمم المتمدّنة وحدتها الدينية، ولأنقذ أوروبا على ما يُحتمل من دور القرون الوسطى الذي لم تعرفه إسبانيا بفضل العرب!!

المصدر: http://www.alas صلى الله عليه وسلم .ws/index.cfm?method=home.con&ContentId=6862

الانحراف الأخلاقي وأثره في الانحسار الحضاري

د. رقية طه جابر العلواني

تلعب الأمراض الاجتماعية والآفات الأخلاقية دورًا بارزًا في تقويض عرى الحضارات الإنسانية المختلفة؛ فقد أقامت العديد من الأمم السابقة آيات من البناء المادي، وشيدت منجزات حضارية هائلة سرعان ما بادت وانحسرت بتمحورها حول القطب المادي وإغفالها للقيم الروحية والمثل الأخلاقية ودورهما الهام في عملية البناء الحضاري.

فلم يشهد التاريخ مصرع حضارة فتية المثل والقيم، سليمة من الآفات والعلل الاجتماعية والأخلاقية، ولكنه شهد عددًا من مصارع حضارات وأقوام أفلست أخلاقيًا واجتماعيًا ودينيًا، فحق عليها قول التدمير وكلمة الفناء الأزلي، ولم تغن عنها محصلاتها المادية.

فالقوى المادية ـ وإن كانت تعد من أسباب التحضر والتقدم ـ إلا أنها قد تكون كذلك من عوامل التخلف والشقاء إذا ما قامت الأمم والشعوب بتحويلها إلى أسباب غرور وتفاخر وتسلط وظلم لمن حولها، وتهميش كل ما وراء ذلك.

فالفساد والانحراف لا بد أن تجنيه الأمم ترديًا وأفولًا وانحسارًا في حضارتها، وتلك سنة الله في الأمم؛ ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

والانحراف الأخلاقي من أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحول عافيته وفجاءة نقمته؛ فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب. قال ـ تعالى ـ: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} . [الشورى: 30] .

فتغير أحوال الأمم والحضارات من الصعود والرقي إلى التدهور والانحسار لا يكون إلا بتغيرهم وتوجههم نحو المعاصي وارتكاسهم في الانحراف والابتعاد عن منهج الله وفطرته. قال ـ تعالى ـ: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] . فقد أخبر الله ـ تعالى ـ أنه لا يغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فإذا غير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، كان الهبوط والتردي جزاءً وفاقًا. قال ـ تعالى ـ: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } [الرعد: 11] .

بل إن الانحراف الأخلاقي ليقطع على الأمم طريق النهوض والإقالة من العثرات كذلك؛ فإن نعم الله لا تستجلب إلا بطاعته، كما أن النقم تستجلب بمعصيته والانتكاس عن طريقه؛ فالخالق ـ سبحانه ـ اختط للأمم سننًا في النهوض والبقاء كما وضع لها سننًا وقوانين أخرى في الهبوط والزوال؛ فإذا وظفت الأمم نعم الله عليها من تقدم وتطور في ميادين الحياة المختلفة في معصيته والانحراف عن هديه انقلبت تلك النعم إلى آفات تبطل أعمالها، وتحطم منجزاتها، بل وتكون سائقها إلى سبيل الأفول والانحسار.

فاستعمال النعم في معصية الخالق ـ جل وعلا ـ من أهم أسباب زوالها وتحولها. يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ:"إذا أراد الله حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها. ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماعًا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم"ا.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت