فهرس الكتاب
5-الإختلافات الوهمية: نحن قوم لا تنقصنا إختلافات حقيقية حتى نضيف لها اختلافات وهمية تزيدنا تفرقا وعداء وتشاؤما وضعفا، وتستنزف طاقات وجهود نحن بحاجة ماسة لها حتى نتقدم خطوات، فكثير ما نتصور أن عند الآخرين إنحراف عقائدي، أو خيانة الوطن أو تعصب عرقي، أو تطرف مذهبي، أو شبهات علمانية، وذلك بناء على مقال قرأناه أو قول سمعناه، أو إشاعة كاذبة، أو سوء فهم لحدث سياسي، أو لمصطلح لغوي، أو غير ذلك، والاختلافات الوهمية كثيرة جدًا، فالبيئة الأعلامية ملوثة، والحوارات ناقصة أو غير موجودة وكفاءة الاتصالات ضعيفة، وهناك رغبة في تصديق ونشر الإشاعات، وعدم التبصر والتأكد من صحتها، وكل هذا جعلنا نتصور أن المسافة بيننا وبين الآخرين هي أكبر فعلا مما هي عليه فحتى في مجال العقائد نصدق العقائد الأكثر تطرفا وانحرافا عند الآخرين، ولا نصدق الأكثر اعتدالا وصوابا، مع أنها موجودة وهي السائدة، ولنعلم أن الله سبحانه وتعالى هدانا بالإسلام إلى أحكام
وأخلاق تساهم في إلغاء موضوع الاختلاف الحقيقية والوهمية ولعل من أهمها الاحتكام للأسلام في موضوع الاختلاف وحسن الظن بالناس وأخذ أقوال
وأفعال الناس بنية حسنة وبمعاني طيبة والحرص على صحة المعلومات
والبحث عن الحقائق، وعدم الاستعجال، في التصديق أو في رد الفعل،
وعدم تصديق كل ما يقال، وعدم الحكم على الأفراد من خلال مقال أو كتاب أو قول والتنبه إلى أن هناك أعداء داخليون (متطرفون ومنافقون) وخارجيون يريدون لنا أن نتفرق ونتصارع، ونتنازع، فيشوهون الحكومات والقوى الشعبية، ولو فكرنا قليلا فيما يقال أو بحثنا عن المصدر لاكتشفنا أنه جزء من الحرب على الأمة والشعوب.
6-المثالية: أغلب الحكومات والأحزاب والجماعات والأفراد ليسوا ملائكة. وليسوا شياطين، وسعينا للالتزام بالمبادئ والقيم لا يجوز أن ينسينا أننا نتعامل مع بشر ليسوا مثاليين، والتقدم هو شئ نسبي، فإذا كان يومنا أفضل من أمسنا فقد تقدمنا ولن نصل أبدا إلى واقع مثالي، فالفرق سيبقى كبيرًا بين ما نريد وما نستطيع أن نصل إليه، خاصة في ظل واقعنا الحالي... والبعض يرفض أن يتعاون مع الآخرين لأن لهم آراء لا يتفق معها، أو مواقف يعارضها، وهذا السلوك أضاع فرصا كثيرة للتعاون في كثير من القضايا ليس حولها اختلاف أو يمكن الوصول إلى حلول وسط سواء بين القوى الشعبية، أو بينها وبين الحكومات. وصحيح أنه لا يجوز التساهل مع الانحرافات والسلبيات، ولكن الصحيح أيضا أننا بشر، والبشر لهم أخطأؤهم وانحرافاتهم، فلا بد من النظر في مصلحة الأمة، وتقديرها، واتخاذ القرار المناسب، ولنتذكر أن الله سبحانه وتعالى جعل باب التوبة مفتوحا. وعلينا أن نبقيه كذلك في تعاملنا مع الآخرين، وكثيرا ما تكون الخيارات المطروحة للسير في الواقع خيارين سيئًا أو أكثر سوءًا، قال عمرو بن العاص رضي الله عنه"ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر ولكن العاقل الذي يعرف خير الشرين". والبعد عن الواقعية جعلنا نرفض كثيرا من الحلول السياسية والإدارية لأن لبعضها سلبيات وننسى أن المقارنة الصحيحة بين الحلول
هي في أكبر عدد من الإيجابيات، وأقل عدد من السلبيات، فلا يوجد حل بلا سلبيات، فلا بد من القبول بها وإلا فإن هذا معناه أن تكبر المشاكل، وتبقى بدون حل، والتعاون مع الآخرين ليس معناه موافقتهم على أخطائهم، والسكوت عن
سلبياتهم، ولكنه تعاون على الخير ومصلحة الإسلام والوطن والأمة وهو طريق للتعرف على الآخرين وإصلاح مواقفهم وآرائهم، فالناس تتغير مع الزمن فكم من كافر أصبح مسلمًا وفاسق أصبح متدينا وضال أهتدى، ومن الخطأ أن يكون مصيرنا هو مصير الشاب الذي يريد أن يتزوج فتاة مثالية لأنه لن يجدها. والمثاليون يفعلون نفس الشئ، فلا بد أن يكونوا واقعيين حتى يعيشوا في دنيا البشر. وجعلت المثالية البعض يطالب المخلصين من السياسيين والأداريين بالاستقالة كرد فعل لقرارات أو مواقف خاطئة منهم، أو من حكوماتهم، أو أحزابهم، أو مؤسساتهم ولو استقالوا لتركوا الساحة للمنحرفين، ونقول: الواجب الشرعي أن يستمر المخلصون في أعمالهم، ويحاولوا تقليل السلبيات قدر الإمكان إلا إذا كانت المصالح الشرعية تتطلب استقالتهم وما دمنا بشرا فلا توجد حكومات ولا أحزاب ولا جماعات معصومة، وحتى لو أتيح لنا فرصة تكوين الجماعات والأحزاب والحكومات، وأخترنا لها أفضل الكفاءات علما واخلاصا، فستكون لها أخطاء وانحرافات، ولو نظرنا لإيجابيات الآخرين لوجدنا أن هذه الحكومة حققت نتائج إيجابية كثيرة، وتلك الجماعة ساهمت كثيرا في نشر الوعي الإسلامي الصحيح، وهذا المفكر ساهم في نشر الفكر الإسلامي المعاصر حتى لو كان عنده بعض الأخطاء والمثاليون أدوا إلى تدمير حاضرنا ومستقبلنا لأنهم يحاكمون العالم بمقاييس مثالية فيرسب الجميع بل دمروا حتى ما ضينا فلا يرون في تاريخنا غير الصفحات السوداء مع أن به صفحات كثيرة بيضاء.
وأخيرا المثاليون لا يجيدون غير الكلام وتشويه الآخرين والكسل، وهذه سلبيات كبيرة حتى لو ظنوا أنهم بلا سلبيات، أما إيجابياتهم فالمتوقع أن لا تكون موجودة، وإذا وجدت فهي صغيرة لأنهم يعيشون في الخيال ولا يؤثرون في الواقع ولنتذكر أن الالتزام بالمبادئ لا يتعارض مع القبول يحلول واقعية فيها سلبيات، وتعارض جزئيا مبادئنا لأن من القواعد الإسلامية ?فاتقوا الله ما استطعتم? و ?لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها? فهذا من الحكمة والبصيرة.
7-النظرة الجزئية: تعودنا على إتخاذ المواقف والآراء والأحكام والفتاوي ونحن لم نر إلا جزءا من الصورة، قال عمرو بن عبدالعزيز رضي الله عنه"إذا جاءك الرجل وقد فقئت عينه فلا تحكم له حتى يأتيك الآخر، فقد تكون عيناه قد فقئتا جميعا"والنظرة الجزئية مصيبة كبرى، وهي موجودة عند كثير من الحكومات والأحزاب والجماعات والأفراد، فأهل السياسة ينظرون عادة للأمور من ناحية سياسية وواقعية، في حين أنهم يتجاهلون أهمية المبادئ والقيم، في حين أن أهل المبادئ ينظرون للأمور في الغالب من ناحية المبادئ وبعيدة عن الخبرة بالواقع والحياة، وأهل الاقتصاد تجدهم يخططون للدولة من منظور اقتصادي أو شبه اقتصادي، ويتجاهلون أو يجهلون الجوانب الإدارية والعقائدية والتعليمية والسياسية، والثقافية، وينظرون لها فقط كأرقام، ولهذا تكون كثير من الخطط فاشلة أو ضعيفة التطبيق، وكذلك يفعل أهل العلم والتكنولوجيا أي يهتمون بالجانب الفني وينسون الجانب البشري والإداري والاقتصادي وأهميتهم في تحقيق إنجازات عملية والمطلوب هو أن نبتعد عن الحكم على قضايا كبيرة ومتشعبة من خلال نظرة سريعة وجزئية لها، وكثيرًا ما نجد أفرادا مسئولين يحكمون على واقع وزاراتهم ومؤسساتهم وشركاتهم بناء على نظرتهم الجزئية، فيظنون أنهم يعرفون كل مشاكلها بل وكل الحلول، وليسوا بحاجة إلى استشارة أحد وأن من يخالفهم. في الرأي أما يجهل بعض الحقائق وأما صاحب مصلحة شخصية أو غير شخصية أو غير ذلك، وهذه نوع من الغرور وللخروج من هذا المأزق لا بد من تكوين فرق ولجان ومؤسسات تدرس المواضيع بصورة شاملة من خلال فرق متعددة التخصصات وأن يكون داخل هذه التخصصات تنوع في الآراء والأفكار حتى يتم تسليط أكبر كمية من الأضواء، وبهذه الطريقة ستأتي الدراسات شاملة
وبها إحصائيات وأرقام تحدد الأعمال والصعوبات، وكيفية التغلب عليها، وبدون ذلك سنصطدم بالنظرة الجزئية وستفشل كثير من المحاولات الإصلاحية،