فهرس الكتاب
ولقد أشار جودت سعيد في كتابه"حتى يغيروا ما بأنفسهم"إلى هذا الصنف من الناس. فيقول:".. والمصدر الأساسي للعطالة العقلية هي العقيدة العبثية في الكون. اعتقاد العبث واللعب في الوجود. يقول تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين9 ، ويقول: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا} 10. إن العقيدة العبثية في الكون هي عدم رؤية النظام، وعدم رؤية السنن وعلاقة الطاقة المفكرة الإنسانية بسنن الكون. هذا هو ظن العبثية في الوجود.. هذه الآفة ولدت بعد ذلك أجنتها التي نمت وترعرعت وصار لها أحفاد وذرية. إذ ما دام الأمر يسير على غير سنن نتبعها فلا جدوى من إعمال الفكر لكشف حل أو تغيير الواقع. والقرآن الكريم يطلب منا علمًا خارج القرآن، وذلك بالسير والنظر في الأرض إلى آيات الله المودعة في الآفاق والأنفس. فآيات الآفاق والأنفس في القرآن، ولكن"
مكان طلبها ليس في القرآن إنما في الكون. ومن فقد ملكة العلم لا يعود يستفيد من ملكة الكتاب وإن كانت واضحة بينة. ولكن نحن لم نعد نتعامل مع آيات الكتاب المسطور - أي القرآن - ولا مع آيات الآفاق التي هي الكتاب المنشور إنما نتعامل مع إنتاج المرعوبين الذين تدور أعينهم خوفًا من التبصر. وبدون التبصر تفقد الحياة التي أرادها الله للبشر قيمتها {قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله علي بصيرة أنا ومن اتبعني} 11"انتهى كلام جودت سعيد."
مما سبق يتبين لنا أهمية التعرف على قوانين النهضة، وأنها ليست من نافلة القول، أو من الترف الفكري.
إن الحاجة قد باتت ملحة لتأمل التجربة التاريخية البشرية لنستقي منها العبرة. ومن خلال هذه الدراسة التاريخية تم استخلاص هذه القوانين المركزة، والغرض منها تنظيم الخارطة الذهنية لقادة النهضة والعاملين فيها.
وقد تم اختيار هذه القوانين لأن الأمة اليوم في أمس الحاجة إليها. فهناك قصور ملحوظ في مفهوم الأفكار المركزية ودورها، وطبيعة الفكرة المركزية ودورها. وهناك قصور في معرفة دور المحور النفسي. وهناك تشوه في فهم الدور الوظيفي لشرائح إنجاح الفكرة. وهناك أفكار معيقة في التربية. وهناك غياب لمفهوم المؤشرات الحساسة. وهناك صورة ونظرة ضيقة لمفاهيم التدافع والتداول والفرصة التاريخية. ثم هناك ارتباك لأوضاع مرحلة ما بعد التمكين واحتياجاتها. وهذه القوانين تشكل بعض ملامح الإجابة على هذه الاختلالات.
إن القائد العامل في مجال النهضة والتمكين لا غنى له عن فهم هذه القوانين واستيعابها، فهي ليست كتابة إنشلئية بلاغية؛ بل هي أدوات عمل وتحرك نهضوي. كما أن الفرد العامل المفكر الجريء المنتج حريٌّ به قراءتها وتدبرها حتى يُقَوِّم ما يطرح عليه من مقولات وما يطلب منه من مسارات عمل فينتقي لنفسه ويقدر دوره.
والتعامل مع هذه القوانين يتم على مستويين:
فعلى مستوى الفرد يتم تصحيح خارطته المفاهيمية والتصورية، فيحسن التلقي والعمل.
وعلى مستوى القادة والحركات النهضوية يُعلم متطلبات إنجاز مثل هذا العمل وشروط تحققه، فلا تدور عجلة العمل بالسير في المكان وإجهاد الجسد من غير تقدم للأمام.
لقد راعينا في هذه القوانين التبسيط لضمان وصولها لأكثر الشرائح ولأوسع قاعدة من المستفيدين. وتسعة من هذه القوانين تتحدث عن مرحلة ما قبل الدولة، بينما يتحدث القانون العاشر عن مستلزمات النجاح في حالة ما بعد الدولة والتمكين، وذلك حتى تتكامل الصورة في ذهن العاملين عن مستلزمات النجاح.
ونحب أن نوضح أننا لن نتناول القوانين كلها بالذكر؛ بل سنتناول بعضها، ونتعلم كيف يتم التعامل معها. وعلى قائد النهضة أن يُعمِل عقله وفكره لاستخلاص القوانين الأخرى من الكون ومن التجارب التاريخية. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
إنها فرصة لتفعيل عبادة التفكر. سواءً كانت تفكرًا في القرآن وتجارب السابقين، أو في التجارب التاريخية، أو في الكون المنظور والواقع القريب. وكذلك فرصة لتفعيل عبادة الصلاة، وتلاوة
القرآن من خلال التدبر فيهما لاستخلاص القوانين التي جاءت في معرض ذكر تعامل الله مع الأمم السابقة، أو في بعض الآيات التي أجملت بعض القوانين إجمالًا.
القانون الأول
الفكرة المركزية
منطوق القانون
"لكل نهضة فكرة مركزية وفكرة محفزة"
مفردات القانون
الفكرة المركزية: هي عبارة عن مجموعة المبادئ العامة التي تعتمدها أي دعوة أو حركة أو تجمع. أو المبدأ الذي تعتنقه الدولة، وتنظم حياتها تبعًا لتعاليمه.
وإذا تبنت حركة ما أو دولة ما فكرة مركزية بعينها، يصبح دور الفكرة هو صياغة كل مظاهر الحياة وفقها، وتصبح هي محور حركة الدولة.
الأفكار المحفزة هي التي تخاطب فينا البواعث الداخلية النفسية الدفينة، كالعزة الدينية, والانتصار لمبادئ الإله، أو العزة القومية التي تخاطب المجد والسؤدد، وكالمثالية التي تريد حث الفقراء لمدافعة الظلم وتحقيق المساواة. وبذلك تصبح الفكرة المحفزة هي المحور الذي يتم استقطاب الناس من خلاله. وهي كذلك بالضرورة تعالج مشكلة محسوسة بشكل مباشر للمخاطبين بالفعل.
أهمية القانون
هو أول قانون يجب دراسته دراسة جيدة حيث أن تحديد مفرداته يعني:
1.تحديد ضوابط ومنطلقات العمل النهضوي.
2.تحديد شكل النهضة المنشودة.
3.تحديد خطاب وفكرة الحشد الجماهيري.
ونحسب أن كثيرًا من العاملين في مجال النهضة اليوم لا يوجد لديهم تصور واضح للفكرة المركزية وأثرها على التدافع القائم، ولم يضعوا أيديهم على الفكرة المحفزة التي تلمس أوتار قلوب وعقول المخاطبين، وتدفعهم للمشاركة وبذل الجهد، فظلت الحركات والأحزاب والحكومات عاجزة عن تفعيل طاقة الجماهير في المشاركة الفاعلة في التغيير والتنمية.
الفكرة المركزية
ما المقصود بالفكرة المركزية في النهضة ؟
إذا نظرنا إلى الحراك الضخم الذي أحدثه الإسلام في الجزيرة العربية - ابتداءً، ثم في بقية أنحاء العالم؛ لوجدنا أن قلب هذا الحراك ومحركه الأساسي هو الإسلام. وإذا نظرنا إلى الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية والدول التي دارت في فلكها، لوجدنا أن محركًا كبيرًا مثَّل قلب تلك الحركة، هذا المحرك هو الفكرة الشيوعية.ثم إذا نظرنا إلى حركة المنظومة الغربية سنجد في قلبها الفكرة الليبرالية.
مواصفات الفكرة المركزية
1.تتجسد في أيديولوجيا قادرة على صبغ كل مجالات الدولة بها.
2.قادرة على التعامل مع المتغيرات المستمرة.
3.مركبة بحيث لا يفهمها بدقائقها عامة الناس بسهولة. فلا يلم بها إلمامًا جيدًا إلا المثقفين وقادة الرأي.
مواصفات الفكرة المركزية
أيديولوجيا تصبغ كل مجالات الدولة
قادرة على التعامل مع المتغيرات
مركبة لا يفهمها عامة الناس
فالفكرة المركزية هي في جوهرها مجموعة من المسلمات والعقائد التي يبنى عليها نظام القيم، ويصطبغ بها نظام المجتمع الأساسي ونظمه.
مكونات الفكرة المركزية
تتكون الفكرة المركزية من جزأين:
1.جزء صلب وهو الذي يعطي الوصف للفكرة.
2.جزء مرن وهو الذي يستجيب لاحتياجات كل مجتمع وخصوصياته.
1.جزأ صلب:
ويتمثل - في الفكرة المركزية الإسلامية - في العقيدة بأركانها الستة على وجه الإجمال. وفي العبادة بالصلاة والزكاة والصيام والحج. وفي العموم كل مستلزمات الشهادتين من فرائض وغيرها. ويدخل في هذا الجزء المعلوم من الدين بالضرورة. وعليه يترتب الولاء والبراء وهو الذي يشكل المرجعية الأساسية.
2.جزأ مرن:
تركه الشارع، وهو على نوعين: