فهرس الكتاب
هذا السلوك الجديد الذي نشأ عن تغير أفكار الناس ومشاعرهم، نتج عنه تغير سلوكي في عمليات البحث والتقنين والاختيارات وما إلى ذلك. وبالتالي بدأت النتائج الخارجية تتغير لهذه المجتمعات، وبدأت تثمر في ميادين الثقافة والفكر والعلوم التطبيقية والفتوحات والهيمنة والسيطرة على المجتمعات الأخرى.
فالله تبارك وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي حتى تتغير لديهم هذه المنظومات العقلية المقيدة، وتولد عندهم الفكرة المحفزة والروح التي تدفعهم لتحويل هذه الأفكار إلى واقع في حياتهم وذلك عبر التحولات والتغيرات السلوكية الإيجابية.
إذن لدينا قضية كبيرة في عالم الأفكار الداخلي، فالناس لديها عقائد وتطبيقات، ولديها مسلمات مختزنة في عقلها، وهذه إما أن تكون من النوع الحي المحرك الذي يفتح الآفاق، أو النوع المغلق الذي يغلق كل الآفاق.
المطلوب ثلاثة أنواع من التغيير:
1.تغير إيجابي في عالم الأفكار. وهو الجزء الذي يغذيه العلم والخبرة، بشتى أنواعها.
2.تغير إيجابي في عالم المشاعر من السلبية والإحساس باليأس إلى التفاؤل والإنجاز، والشعور المتجدد بالحياة. قال تعالى مبشرًا عباده المؤمنين بالنصر: {وكان حقًا علينا نصر المؤمنين} 41، ودعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسن الظن بالله فقال ناقلًا عن رب العزة في الحديث القدسي {أنا عند ظن عبدي بي} 42.
3.تغير إيجابي في عالم السلوك والممارسة.43
وهكذا فإن اختيار الفكرة المركزية، واستخدام الفكرة المحفزة، ثم اجتثاث الأفكار المعطلة والقاتلة التي تعيق حركة الإحياء الإسلامي، وتعيق تقدم المسلمين، كل ذلك من متطلبات العصر، ويجب أن تتحمله الأمة الإسلامية وهي تنطلق إلى مستقبلها الواعد إن شاء الله عز وجل. فإذا تمكنت الأمة بعد هذه المعالجات العقلية من أن تبعث عالم المشاعر والأحاسيس، وتزرع المكنة النفسية والقوة الدافعة في المجتمعات العربية والإسلامية، فستنطلق هذه المجتمعات نحو التغيير والنهوض عبر التغير الحادث في عالم السلوك والممارسة.
مراحل وأسس التغيير
وتمر عملية التغيير - سواءً كانت في الأفراد أو المنظمات والهيئات أو الدول - بأربعة مراحل كبرى:
1.مرحلة الإنكار: وفيها يسود الاعتقاد بهدوء وسكون الأوضاع. وتواجه أي صيحة تبشر بالتغيير بالدهشة وعدم التصديق.
2.مرحلة المقاومة: وفيها تبدأ تباشير التغيير بالظهور، فتتعرض العملية التغييرية للمقاومة من قِبَل الجاهلين بها، والمستفيدين من ثبات الأوضاع. فتُوضع العراقيل، ويشتد الغضب على القائمين على العملية التغييرية، وتُكال لهم التهم والنعوت حتى ينفض الناس عنهم.
3.مرحلة الاكتشاف: حيث يشتد عود العملية التغييرية بعد عبورها للمرحلتين السابقتين، فيُقبل الناس على دراسة هذا الأمر الجديد والتعرف عليه. وتثار تساؤلات كثيرة، مثل ما الذي سيحدث لنا في حالة كذا؟ وكيف سنواجه تلك المعضلة؟ وكيف سنفعل كذا؟ وغيرها من التساؤلات حول الفكرة وطبيعتها.
4.مرحلة الالتزام: وفيها يتساءل الناس عن أدوارهم في هذه العملية التغييرية بعد أن تعرفوا عليها واكتشفوها واقتنعوا بجدواها وأهميتها.
مراحل التغيير
مرحلة الالتزام
مرحلة الاكتشاف
مرحلة المقاومة
مرحلة الإنكار
وهنا يثار تساؤل هام حول أسس العملية التغييرية. سواءً كانت للأفراد أو الحركات أو الدول والمجتمعات.
إن لعملية التغيير ثلاثة أسس كبرى:
1.تعلم التعلم: فأول ما يجب غرسه في الأفراد أو المجتمعات التي تتعرض لعملية التغيير هو تعلم كيفية تحصيل المعرفة والعلم. وقديمًا قال الفيلسوف الصيني كونفوشيوس:"لا تعطني سمكة كل يوم ولكن علمني كيف أصطاد السمك".
2.كسر الأماني والعادات: فعملية التغيير غالبًا ما تكون مصحوبة بالآلام والجراح والصعوبات، ولا تتم بسهولة وسلاسة ويسر. لذا فكسر العادات التي تأسر المرء وتتحكم فيه وتمنعه من التضحية
والبذل من أهم أسس التغيير.
3.تغيير السلوك: فعملية التغيير في جوهرها هي الانتقال من حال لآخر. تغيير كامل وشامل في الأفكار والعلاقات والسلوك؛ بل والأشياء. فتغيير السلوك بما يناسب الحالة الجديدة المطلوب تحقيقها أمر بالغ الأهمية.
أسس التغيير
تغيير السلوك
كسر الأماني والعادات
تعلم التعلم
مستلزمات القانون:
1-المعرفة:
فمعرفة القانون هو أول ما يجب على قادة وطلاب النهضة. وتشمل معرفة القانون القدرة على الإجابة على الأسئلة التالية:
* من المطلوب تغييرهم؟
* وتغييرهم إلى ماذا؟
* وهل المطلوب تغييرهم في جانب واحد أم في جميع الجوانب؟
* ومن الذي سيقوم بالتغيير؟
* وكيف؟
* وإذا كان آخرون قد تغيروا فكيف حدث لهم ذلك التغيير؟
* وما مقاييس أو معايير التغيير؟
* وما المؤشرات الدالة على نجاح عملية التغيير أو فشلها؟
* ما عناصر مقاومة التغيير؟
* وما الجهات التي تقاوم التغيير؟
* وما المدى الزمني للتغيير؟
* وما أهمية أدوات الدولة في التغيير؟
* وأخيرًا أين نقرأ عن التغيير؟44
وليس لهذه الأسئلة إجابة واحدة؛ بل إن الإجابة عليها تختلف باختلاف الزمان والمكان والظرف. لذا لا يستطيع طلاب النهضة وقادتها في بقعة ما أن يقولوا بمعرفتهم بهذا القانون قبل أن يجيبوا إجابات قاطعة على التساؤلات السابقة.
وهكذا نلمس أهمية هذا القانون، وأنه يكاد أن يكون خطة عمل كاملة لتغيير المجتمعات والنهوض بها.
2-الاستخدام:
فالقانون إن تمت المعرفة به وجب استخدامه في التغيير استخدامًا محنكًا، وذلك من خلال إيجاد الكتلة الحرجة النوعية التي تستطيع قيادة العملية التغييرية.
3-عدم المصادمة:
وتتم مصادمة القانون والحصول على نتائج عكسية إذا لم يتم الإجابة على التساؤلات الخاصة بالعملية التغييرية.
كما تتم مصادمة القانون إذا تم التعامل مع هذا القانون بشيء من السذاجة والعفوية.، كالانشغال بإصلاح جانب دون آخر.
مستلزمات القانون
المعرفة
الاستخدام
عدم المصادمة
الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالتغيير
إيجاد الكتلة الحرجة
الإجابة على التساؤلات
عدم تغيير جانب دون آخر
معادلات القانون
وتوضح هذه المعادلة مدى الترابط والتلازم بين هذه القوانين الثلاثة الأولى من قوانين النهضة. ويمكن توضيح هذا التلازم والتفاعل من خلال الشكل التالي:
1)الفكرة المركزية تخاطب العقل
2)تلامس القلب فتكون
القوة الدافعة
3)تحولات سلوكية تؤدي إلى التغيير في الواقع الخارجي
اختيار الفكرة المركزية + استخدام الفكرة المحفزة + بعث عالم المشاعر والأحاسيس= تغير في عالم السلوك والممارسة
القانون الأول الفكرة المركزية
القانون الثاني
المكنة النفسية
القانون الثالث التغير الذاتي
الخلاصة
وهكذا يتبين لنا مما سبق، أن هذه القوانين الثلاثة السابقة تمثل منظومة ثلاثية واحدة. تخاطب العقل من خلال الفكرتين المركزية والمحفزة. وتخاطب القلب والروح من خلال المكنة النفسية أو القوة الدافعة. وأخيرًا تقود إلى التغيير من خلال التحولات السلوكية الناجمة عن الاقتناع بالفكرة وملامستها للقلب.
وخلاصة القول أن قيام الأمم والحضارات ونهوضها يعتمد بالضرورة على وجود فكرة صلبة تقتنع بها الأمة. لتولد هذه الفكرة قوة دافعة هائلة تبعث الأمة من رقادها وسباتها، وتكون بمثابة البعث النفسي لها. وأخيرًا تأتي التحولات السلوكية الناتجة عن ذلك البعث النفسي لتكون أولى خطوات الأمم نحو التغيير والنهوض.