فهرس الكتاب

الصفحة 1182 من 2255

ومنها قول الله عز وجل: )وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (( 3)

ومنها قول الله عز وجل: )قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين (( 4)

يقول ابن القيم - رحمه الله -"فلا يكون الرجل من أتباعه حقًا حتى يدعو إلى ما دعا إليه ويكون على بصيرة" (5) "

يقول الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -:"وإنما حازت الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبى قبله ولا رسول من الرسل فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه" (6)

أما الأدلة النبوية فهى أيضًا كثيرة ومنها:

حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما: أن النبى e قال:"بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (7)

قال الحافظ ابنُ حجر - رحمه الله تعالى -:"وقال في الحديث"ولو آية"أى واحدة ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآى ولو قل ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به e (1) هـ"

قلت: سبحان الله !

فكم من المسلمين يحفظ مئات الآيات وعشرات الأحاديث ولكنه مضيع لأمر رسوله الذى يدل على الوجوب حيث لم تأت قرينة تصرفه من الوجوب إلى غيره نسأل الله السلامة والعافية

ومنها حديث عبد الله بن مسعود tقال: سمعت رسول الله e يقول:"نضًّر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه فَرُبَّ مبلغ أحفظ من سامع" (26) وفى رواية:"فرب مبلغ أوعى من سامع"

وفى خطبته يوم النحر قال e:"ليبلغ الشاهد الغائب فإنَ الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعَى له منه" (27)

وهكذا تظل هذه القاعدة الجليلة باقية خالدة ترن في إذن الزمان والأيام ألا وهى ليبلغَ الشاهدَ الغائبَ

ومنها قول النبى e:"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا" (28)

ومنها قوله لعلى بن أبى طالب t:"فو الله لأن يهدى الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْم النَّعَم" (29)

سبحان الله ! يا له من فضل عظيم لا يتخلى عنه إلا عاجز محروم كل طاعة لله عز وجل يقوم بها هذا الذى هداه الله على يديك يثقل بها ميزانك من حيث لا تدرى في حياتك بل وبعد موتك ! هذا هو شرف الدعوة إلى الله عز وجل

وهكذا يتضح لنا من خلال الأدلة السابقة - الموجزة - حكم الدعوة إلى الله عز وجل

يقول شيخنا ابن باز - حفظه الله تعالى -:"والدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - على حالين:"

إحداهما: فرض عين

والثانية: فرض كفاية

فهى فرض عين عند عدم وجود من يقوم باللازم كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا كنت في بلد أو قبيلة أو منطقة من المناطق ليس فيها من يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأنت عندك علم فإنه يجب عليك عينًا أن تقوم بالدعوة وترشد الناس إلى حق الله وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر أما إذا وجد من يقوم بالدعوة ويبلغ الناس ويرشدهم فإنها تكون في حق الباقين العارفين بالشرع سُنة لا فرضًا" (30) "

ثم يبين الشيخ - حفظه الله - حكم الدعوة في عصرنا الراهن فيقول:"ونظرًا إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهَّدامة وإلى الإلحاد وإنكار رب العباد وإنكار الرسالات وإنكار الآخرة ، وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان وغير ذلك من الدعوات المضللة ، نظرًا إلى هذا فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت فرضًا عامًا وواجبًا على جميع العلماء وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام ، فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان بالكتابة والخطابة وبالإذاعة وبكل وسيلة استطاعوا وأن لا يتقاعسوا عن ذلك فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والإشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ، ذلك لأن أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة للصدَّ عن سبيل الله والتشكيك في دينه ودعوة الناس إلى ما يخرجهم من دين الله عز وجل فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط الملحد بنشاط إسلامى ودعوة إسلامية على شتى المستويات وبجميع الوسائل وبجميع الطرق الممكنة ، وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من الدعوة إلى سبيله" (31)

ومع كل هذا نرى سلبيةً قاتلة عند الكثيرين انطلاقًا من فهم مغلوط مقلوب لقول الله عز وجل: )يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم (( 32)

وقد خشى الصديقُ t - من قبل - هذه السلبية الناتجة عن هذا الفهم الخاطئ فقام في الناس خطيبًا ليوضح لهم المعنى الصحيح لهذه الآية الكريمة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: )يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ( وإنكم تضعونها في غير موضعها وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه"(33) وفى رواية صحيحة أخرى قال:"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه"

فالواجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر حسب استطاعته وقدرته فإن لم يستجب له الناس في هذه الحالة فلا ضير يلحقه من تقصير غيره - إن شاء الله- لأنه حينئذٍ يكون قد أدى الواجب الذى عليه

ويعلق شيخ الإسلام وحسنة الأيام - ابن تيمية - على هذه الآية السابقة ويقول:"والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضُلال وذلك يكون تارة بالقلب وتارة باللسان وتارة باليد فأما القلب فيجب بكل حال إذ لا ضرر في فعله ومن لم يفعله فليس بمؤمن كما قال النبى e:"وذلك أضعف الإيمان"وقال:"ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"وقيل لابن مسعود - t - مَنْ ميتُ الأحياء؟ فقال الذى لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا وهنا يغلط فريقان من الناس: فريق يترك ما يجب من الأمر والنهى تأويلًا لهذه الآية (*) والفريق الثانى ، من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقًا من غير فقه وحلم وصبر ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح وما يقدر عليه وما لا يقدر عليه فإن الأمر والنهى وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذى يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكر وسعيًا في معصية الله ورسوله" (35) اهـ

هذا - بإيجاز - هو حكم هذه التبعة الثقيلة وهذا الشرف الكبير في آن فلنكن أهلًا لهذه الأمانة الكبيرة ولنتحرك جميعًا كل بحسب طاقاته وقدراته فشتان شتان بين زهرة حية تنشر أريجها وتطيب المكان بريحها وعبيرها وبين زهرة صناعية لا تحمل من عالم الزهور إلاَّ اسمها !!

وكأنى انظر - الآن - إلى صديق الأمة أبى بكر tوهو يردد شهادة التوحيد بين يدى رسول الله e في هدوء ويقين دون تلعثم أو تردد

وكيف يتلعثم الصديق - صاحبُ القلب الحى الكبير أو يتردد وهو الذى ما فارق صاحبه الأمين سنواتٍ طوالًا فلم يره كذب مرة أو خان أمانة أو أخلف وعدًا أو غدر عهدًا قط !!

بل ‍لقد ملأ شبابه ربوع وأرجاء مكة المكرمة شرفًا وطهرًا وعفة وكرامة !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت