فهرس الكتاب
فإن وقع الداعية أو طالب العلم في زلة ناشئة عن الغفلات التى لا ينجو منها البشر فلا ينبغى أن تكون سببًا ليتخلى عن دعوته كلا ، فالكمال لله وحده والعصمة لأنبيائه ورسله بل يجب أن يعتصم بالله جل وعلا وأن يحدث توبة الله تعالى وأن يكثر من الاستغفار والعمل الصالح امتثالًا لأمر رسول الله لمعاذ t"وأتبع السيئة الحسنة تمحها" (245)
وبعد فإن وفقنا الله تعالى لتحصيل هذا الزاد المبارك - علم وفهم وعمل - فهيا لنسابق الزمن ، لدعوة الناس جميعًا إلى الله عز وجل ولتكن دعوتنا - أيها الأحبة - بحكمةٍ ورحمةٍ وتواضع وهذا هو زادنا في الخاطرة المقبلة
الخاطرة التاسعة
وزادنا الثالث حكمة ورحمة وتواضع
إن الدعاة إلى الله جل وعلا لا يعيشون لأنفسهم لأن الذى يعيش لنفسه - فقط- من أجل شهواته ورغباته وأهوائه قد يعيش مستريحًا وربما يكون سعيدًا ولكنه يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا !!
أما الدعاة الصادقون فإنهم يعيشون لدعوتهم هى هَمُهم بالليل والنهار هى فكرهم في النوم واليقظة هى شغلهم في السر والعلن يؤثرون من أجلها التعب والنصب ويضحون في سبيلها بالوقت والجهد والمال بل والمُهَجِ والأرواح ويستعذبون في سبيل نشرها وإبلاغها البلاء والعذاب والفتن ويخوضون بها معركة تلو المعركة معركة مع الكفر وأعوانه ومع الباطل وأنصاره ومعركة مع الشهوات والشبهات ولا يعرف حجم هذه المعارك الضخمة - التى يخوضها دعاة الحق بدعوتهم -إلا من عرف حجم الباطل وشراسة الكفر من ناحية وحجم التواءات النفس البشرية التى تدنسها الشهوات وتنهكها الشبهات في ناحية أخرى لاسيما إذا طال عليها الأمد فلم تُذكرَّ ولم ترُغب ولم ترُهب !! ومن ثم كان لابد للدعاة لخوض هذه المعارك بسلاح الدعوة !! من حكمة ورحمة وتواضع
خاصة وأننا - نحن الدعاة - لا نتعامل مع ملائكة بررة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا نتعامل أيضًا مع أحجار صلدة لا تحس ولا تشعر ولا تفرح ولا تحزن كلا ، بل إننا نتعامل مع نفوس بشرية فيها الإقبال والإحجام فيها الخير والشر فيها الحلو والمر فيها التقوى والفجور فيها الطاعة والمعصية كما قال خالق هذه النفس البشرية سبحانه وتعالى: )ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها (( 246)
فإذا جهلنا مداخل هذه النفس البشرية وطبيعتها فقد لا تؤتى دعوتنا ثمارها المرتجاة ومن رحمة الله بنا وحتى لا نضل الطريق أو ينحرف بنا المسار حدد لنا خالق هذه النفس - جلا وعلا - الطريق الصحيح والمنهج المتكامل للدعوة الصحيحة الراشدة في آية واحدة من كتاب الله سبحانه وتعالى فقال عز وجل: مخاطبًا سيد الدعاة وإمام الأنبياء محمدًا e بقوله: )ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (( 247)
وهنا نلحظ أن الله تعالى قد أطلق لفظ الحكمة فلم يقيدها بوصف الحسنة لأن الحكمة كلها حسنة ووصف الحسن لها ذاتي !!
وأما الموعظة فقد قيدها - تبارك وتعالى - بالإحسان ، إذ ليس كل موعظة حسنة!!
وكذلك الجدال ينبغى أن يكون بالتى هى أحسن سواء مع المجادل نفسه أو لما يجادل به من أدلة وحجج وكلمات وأداء يوضح المقصود ويوصل إلى المطلوب !! دون تعنيف أو توبيخ أو تحقير أو ازدراء لا لشخص المجادل ولا لفكره لاسيما إن كان لا يدرى ويدرى أنه يدرى !!
فالدعوة أولًا لله جل وعلا )ادع إلى سبيل ربك ( لا لشخص الداعية ولا لقومه ولا لجماعته ولا لكرسيه الزائل ومنصبه الفانى !! أجل فليس للداعى من دعوته إلا أن يؤدى واجبه خالصًا لله جل وعلا وألا تحدثه نفسه البتة بفضل ما !! لا على الدعوة ولا على من يديهم الله جل وعلا على يديه فالفضل لله وحده الذى من عليه وشرفه بالدعوة وأعانه ووفقه لتحمل تبعاتها ) بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنت صادقين (( 248)
والدعوة ثانيًا يجب أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن فما هى الحكمة ؟ لأنها زادنا الذى نريد تحصيله
الحكمة: هِبَةُ وفضل من الله جل وعلا لمن شاء من عباده كما قال عز وجل: )يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتى خيرًا كثيرًا (( 249)
وقد حدَّها الإمام ابن القيم في المدارج حَّدا جامعًا فقال (250) :"الحكمة هى فعل ما ينبغى على الوجه الذى ينبغى في الوقت الذى ينبغى"
ومنهم من عرفها بقوله:"الحكمة هى الإصابة في الأقوال والأفعال ووضع كل شئ في موضعه" (251)
"وللحكمة ثلاثة أركان هى (252) :"
العلمُ والحلم والأناة
وآفاتها وأضدادها ومعاول هدمها: الجهل والطيش والعجلة ، فلا حكمة لجاهلٍ وطائشٍ وعجول""
* فالداعية الحكيم هو الذى ينظر بوعى ثاقب وبصيرة مشرقة إلى واقع أمته الجريحة ليتعرف على أسباب ذلها وضعفها وغياب هويتها من ناحية وإلى حجم المؤامرات التى تحاك لها في الليل والنهار من ناحية أخرى ليشخص الداء بدقة قبل أن يحدد الدواء !! فلا يكون بدعوته في وادٍ وأمته الجريحة في وادٍ أخر فيعلم الذى ينبغى أن يقال في الوقت الذى يجب فيه أن يقال
* الداعية الحكيم هو الذى يبذل عرقه وجهده وفكره وروحه لتهيئة النفوس الشاردة والعقول المشوشة لتقبل الحق وذلك بالتلطف والتدرج والفهم العميق لحجم شرود هذه النفس وقدر التشويش عند هذا العقل وذلك لإعداد الحجة والبلاغ الذى يتناسب مع حال المدعوين من حيث انتهى إليه فهمهم لا من حيث انتهى إليه فهم الداعى !! فالناس يختلفون في عقولهم وفهمهم وطبائعهم وأخلاقهم ومستواهم الفكرى والاجتماعى ومن ثم تختلف الطرق والوسائل التى يجب على الداعية أن يسكلها وما أجمل قول على بن أبى طالب t:"حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله" (253)
ومثله قول ابن مسعود tفى صحيح مسلم:"ما أنت محدثًا قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (254) ومثله قول عائشة رضى الله عنها:"أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم" (255) فلا يكفى أن تعلم فقط ولكن أيضًا أن تعرف متى وأين وكيفُ يبلِّغ ما تعلم !!
* الداعية الحكيم هو الذى يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا كما فهمه سلف الأمة ثم ينطلق لدعوة الناس إلى الإسلام بشموله لنقلهم من صورة الإسلام إلى حقيقة الإسلام وذلك بدعوتهم إلى الأصول قبل الفروع وإلى الكليات قبل الجزئيات وانتبهوا جيدًا - أحبتى - فإنى لا أقول يدعو الناس إلى الأصول ويهزأ بالفروع أو يدعوهم إلى الكليات ويسخر بالجزئيات فهذه شنشنة خطيرة ومزلة كبيرة وقع فيها بعض العلماء والدعاة فالدين كلُ لا يتجزأ، بأصوله وفروعه ، وكلياته وجزئياته وفرق كبيرُ جدًا - في مراحل الدعوة- بين فقه الأولويات وبين السخرية وتحقير الفرعيات والجزئيات!!
* الداعية الحكيم هو الذى ينظر بوعى ثاقب وبصيرة نيرة إلى مآلات الأقوال والأفعال من مصالح ومفساد لأن الحماس قد يدفعنا أحيانًا إلى العجلة وعدم التأنى والصبر ولكن يجب أن تكون الأقوال والأفعال ، بل والاجتهادات الحركية المتجددة بتغير الظروف وتجدد الأحداث ، يجب أن تكون - جميعها - منبثقة من خلال منهج مضبوط وفق الأصول الشرعية والحق أن غياب هذا الأصل العظيم يُرْبكُ الحركة الإسلامية بشتى فصائلها من حين لآخر وقد يعطل مسيرها أحيانًا