فهرس الكتاب
وحركاته ، و كل شيء يكون بالحياة . يفقد ذلك كله بأهون الأسباب بمجرد ضربة ، أو لسعة ، أو خنقه ، ثم لا يمكن إعادة هذه الأشياء ولا بعضها إلى هذا الحي الذي فقدها ، إن شأن فوق شأن الماديات . فلا بد أن يكون في هذا الجسم الذي نقول عليه"مات"شيء يفارقه . فإذا فارقه قلنا: إنه مات ، وإذا سكن فيه قلنا: إنه حي .
وبالجملة فالبراهين على العالم الروحاني لا يحصرها حاصر
وإذا عرف الإنسان هذا العالم الروحاني الذي هو فوق الحواس ووراء المادة سهل عليه الجواب عن الإشكالات على عذاب القبر ونعيمه ، وعلم أن موت هذا الجسم الترابي ليس بمانع أن تعذب الروح، وأن تنعم، وأن تسعد و تشقى، و إن لم ير ذلك ، كما لا يرى الروح نفسها ، وأنه إذا لم يبصر هذا العذاب والنعيم لم يكن دليلًا على فقدهما في الواقع . كما انه لا يرى الأرواح ذاتها، ولم يكن ذلك دليلًا على عدمها . وكما لم يعد عدم رؤيته لعقله وفهمه ، وشعوره وإدراكه، ورضاه وغضبه، وسائر إنفعالاته دليلًا على فقدان هذه الأمور في نفسها . ومن حسب عدم إحساس الأمر برهانًا على عدم الأمر نفسه قال: إن هذه غير موجودة لأنها غير محسة . وهذا خلاف إجماع العقلاء .
وشيء آخر . و هو أنه ليس كل ما لا يحس بأحد الحواس فهو مفقود ، غير موجود . فقد مضت قرون وقرون والناس لا يحسون هذه المخلوقات الحية الحيوانية التي تقضي على حياة الأحياء التي نسميها"ميكروبات"حتى خلق الله"الميكروسكوب"فأحسوها وعلموها، وما كانت قبل أن يخلق هذا"الميكروسكوب"فتبصر و تحس مفقودة في الواقع ، ولا كان جهلهم إياها برهانًا على فقدها. ولن تكون غير موجودة الآن لو لم يوجد"الميكروسكوب". والعلماء اليوم يقررون أن من هذه"الميكروبات"ما هو فوق"الميكروسكوب"وفوق الإحساس والإبصار ، ولكنهم لا يرتابون في وجودها ، مستدلين بآثارها ، وبفتكها بالأحياء ، وما نفوها إذ لم يحسوها و يبصروها . إذًا من الموجودات المادية ما لا يحس ولا يبصر . وإذًا لا يصح لنا أن نكذب أخبار الصادقين إذا ما حدثونا بأمور هي فوق إحساسنا البشري ، وإذًا لا غرابة ولا محال من عذاب القبر
وإن لم نره .
وشيء آخر ، وهو أن علما العصر يقررون أن النطفة المنوية مملوءة الحيوانات الحية المتحركة ، ونحن لا نحس ذلك ولا نبصره ، ويقررون أن هذه الحيوانات المنوية تعذب وتنعم ، وتموت ، وتقتل، وتمشي ، وتروح ، وتجيء ، ولا نرى من ذلك شيئًا . وقد كان هذا باطلا ومحالا من أن يخرج"الميكرسكوب". إذا لا يجوز تكذيب الأمر اعتمادًا على عدم إحساسه ، ومن فعل ذلك كان غالطا ، كما كان غالطا من كذب بهذه الحيوانات المنوية، لأنه لم ينظر بالميكرسكوب ، أو لأن الله تعالى لم يخلق الميكرسكوب .
وشيء آخر . وهو أن علماء النبات حققوا أن للنبات شعورًا بالآلام وبالموت ، وحققوا أن له تنفسًا ونفسًا ، فما لنا ننكر مثله للأموات أو للأرواح التي انتقلت من دار إلى دار ؟ هذا عين الغبن في التفكير . إن النائم الذاهب في النوم إلى حد الهمود قد يكون في جسمه وفي لحمه ودمه من الحيوانات والأمراض ما يمزق لحمه ، ويمتص دمه ، وينخر عظامه، وما يتقاتل على ما فيه من إذا ، وهو خامد هامد أمامنا، لا نشعر بشيء من ذلك، ولا نرى شيئًا منه . وما قلنا: إن هذا باطل لأننا لا نحسه ولا نراه . وإن النائم أيضًا قد يجد أشد الآلام ، ويعاني العذاب النكر ، وهو نائم ساكن لا حركة ولا تألم ، ونحن لم نر من ذلك شيئًا . و قد يرى أنه يضرب و يعذب ، فيقوم فزعًا منفجعًا . و قد يجد في بدنه مواقع الإيلام والضرب . وما أنكرنا شيئًا منه لأننا لم نبصره . بل قد يكون الإنسان في أشد العذاب في نفسه وجسمه ، وهو جالس أمامنا كأنه ليس به شيء ، وكأنه لا يحس شيئًا .
إذًا الشبهة على عذاب القبر ـ وهي أننا لا نشاهد هذا العذاب ـ شبهة داحضة . وما قال عاقل إن الموجودات منحصرة كلها في المحسوسات وإن ما ليس محسوسا ليس موجودًا.
لنفرض أن الله لم يخلق للإنسان حاسة السمع فلم يسمع مسموعًا فهل يكون فقداننا للمسموعات دليلًا على عدمها ، وعلى أنها غير موجودة ؟! اللهم لا . وهل الأصم ـ وهو بيننا كثير ـ ينكر وجود الأصوات ؟! إن إنكار الأصم للأصوات لأنه لم يسمعها كإنكار هؤلاء عذاب القبر لأنهم لم يحسوه و لم يروه .. أو لنفرض أن النوع الإنساني خلق فاقد للحواس
الخمس . فلم يحس شيئًا من الموجودات لا سمعيًا ، ولا مرئيًا ، ولا مطعومًا ، ولا ملموسًا ، ولا مشمومًا ، فهل تكون هذه الأشياء غير موجودة لأنه لم يحسها بحواسه الخمس ؟! وهل يكون عدم إحساس هؤلاء لعذاب القبر دليلا على فقده في الواقع .
ليتريث هؤلاء المولعون بالإنكار والجحود ، وليصغوا إلى ما قدمنا فإن فيه ما يقنعهم . إننا لو قلنا قبل أن يخرج هذا الميكرسكوب: إن الجو والهواء مملوء بالنسمات الحية التي تحدث أنواع الأمراض ، والتي تفترس الأحياء إفتراسًا لما صدقنا أحد ، ولما أمكن أن يؤمن بذلك أحد .
والخلاصة أن القارئ إذا عرف أمرين ـ ولا بد له من معرفتهما ـ هانت عليه مشكلة عذاب القبر ونعيمه سواء أكان روحانيًا جسمانيًا أم روحانيًا فقط: إذا عرف العالم الروحاني ؛ واعترف به . وما قدمناه يكفيه بأن يعترف . ومن الأمور البديهية أن هذه الحركة في الكون، والنظام العجيب الذي هو دائب عليه ، لا بد أن مصدره أمرًا غير مادي . وعرف أنه ليس كل موجود فلا بد أن يحس ويرى . بل الوجود أوسع دائرة من الإحساس . وبهذا يصير عذاب القبر ونعيمه من المسائل الواضحة ومن القضايا التي لا بد من الإيمان بها .
لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال:"لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم ، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر"الإخناز هو التغيير والفساد . و يفسر هذا الحديث بعض الناس بأن اللحم كان قبل بني إسرائيل لا يخنز ولا يفسد ، وإن ترك أزمانًا، أي إن طبيعة اللحم كانت غير قابلة للفساد . ثم إن الله عاقب بني إسرائيل بذنوبهم وبطرهم حين ما كان ينزل عليهم المن والسلوى ، فتغيرت طبيعة اللحم وصارت إلى الفساد والإخناز إذا ما ترك اللحم وصارت إلى الفساد والإخناز إذا ما ترك اللحم . قالوا: والله يعاقب على المعاصي كثيرًا بالعقوبات الدنيوية ، والمصائب في الأموال والطعام والشراب . وكذا قالوا: إنه لولا حواء وعصيانها وأكلها من الشجرة المحرمة لما عصيت
امرأة ، ولما غررت بزوجها . والمراد بالخيانة هنا أنها سولت لآدم أن يأكل من الشجرة لا أنها خانت في عرضها . كلا . والمعنى على هذا أن الله عاقب النساء بعصيان أمهن حواء فجرين على آثارها ، وعصين كما عصت عقوبة وجزاء .
وهذا القول بعيد من الشرع بعيد من الصواب ، لا يجوز حمل الحديث عليه ، و لا يجوز الذهاب إليه . فإن هذا مثل أن يقال: إن النار كانت في زمن بني إسرائيل لا تحرق ، وإن الماء لا يروي ، والطعام لا يشبع . ومن يقبل هذا ؟! إذًا ما معنى هذا الحديث ، وما تأويله ؟
فأقول: القول الحق ، والرأي الصواب فيه ، هو ما بعث به إلينا حضرة عالم السنة، ومحي مذهب السلف في دمشق الشام ، الرقيق العلامة محمد بهجة البيطار. وقد سألناه عن
الحديث كتابة ، فأرسل إلينا الجواب كتابة .
جواب الأستاذ البيطار