فهرس الكتاب

الصفحة 1334 من 2255

والسؤال الذي يطرح نفسه: لو أن الثروة النفطية العراقية تتركز في إقليم الوسط وحول بغداد حيث تتركز غالبية السنة العرب، كانت سوف تظهر مثل هذه المطالب الانفصالية لأكراد الشمال وشيعة الجنوب؟!

الأمر المؤكد هو أن الإجابة ستكون بالنفي، بل على العكس من ذلك ربما رأينا أهل الشمال والجنوب يزايدون على أهل الوسط من السنة العرب في التمسك بوحدة الدولة العراقية.

أما السبب الآخر المرجح لانفجار هذه المطالب الانفصالية المتدثرة بعباءة الفيدرالية (في الشمال والجنوب) فيمكن القول انه ناجم عن تأثير القوى الإقليمية وفي مقدمتها"إسرائيل".

فـ"اسرائيل"تطمح إلى إضعاف العراق وتفتيته لأسباب تاريخية وسيكولوجية تتعلق بمخاوف الصهاينة المتجددة من عقدة تدمير"الدولة العبرية"عن طريق غزو قادم من المشرق العربي، وبالتحديد من العراق على غرار محنة السبي البابلي لليهود في التاريخ القديم عندما أطاح البابليون العراقيون بمملكة"اسرائيل"القديمة وجروا الأسرى اليهود في سلاسل إلى العراق القديم ، ولكن هذه المرة تحت ظلال الإسلام والجهاد .

ومازال شبح الهجوم العراقي الزاحف من الشرق لتدمير"اسرائيل"من جديد يشكل هاجسا قائما في الوعي واللاوعي السياسي لقادة"اسرائيل".

ولذلك فمن هذا المنظور التاريخي يعتبر الصهاينة أي تفتيت أو تمزيق أو إضعاف للعراق بمثابة إبعاد لشبح تهديد مصير"الدولة العبرية"عبر غزو عراقي (بابلي) جديد.

ومن المنظور الاسترايتيجي العسكري المعاصر، فقد ظلت"اسرائيل"تخشى دوما من توحيد الجبهة العسكرية العربية والتي قاعدتها (التحالف أو الوحدة بين سوريا والعراق) ، واعتبرت ذلك دوما يشكل خطرا جسيما على مصير"اسرائيل".

وقد كانت"اسرائيل"في غاية السعادة عندما استفحل واحتدم الصراع بين جناحي حزب البعث في دمشق وبغداد أبان حكم كل من الرئيسين حافظ الأسد وصدام حسين، وقد أدى ذلك إلى فشل محاولات توحيد القوة العسكرية العراقية والسورية في مواجهة"اسرائيل".

ولهذا ترغب"اسرائيل"في ألا تقوم للعراق قائمة مرة أخرى بحيث يظل احتمال التقارب العسكري السوري - العراقي أمرا غير ممكن، وليس بعيدا عن هذا التفكير الاستراتيجي الصهيوني قيام بول بريمر الحاكم الأميركي السابق للعراق بعد احتلاله بحل الجيش العسكري العراقي ، فقد جاء هذا القرار الأميركي من جانب بريمر (بالحل المفاجيء) للجيش بمثابة خدمة مباشرة للمخططات الصهيونية تجاه العراق.

والإصرار الكردي، الآن، على بلورة كيان قابل للانفصال في أية لحظة في شمال العراق وإعلان قيام دولة أو دويلة كردية هناك، لا يمكن وضعه فقط في سياق الطموحات القومية الكردية التاريخية المعروفة، التي قوبلت دوما بحسابات المناوأة من قبل المحيط الإقليمي، حيث لا تقبل أية دولة من الدول التي يوجد بها كثافة سكانية كردية بفكرة قيام دولة مستقلة للأكراد في أي منها خشية أن تؤدي إلى انفصال الأقاليم الكردية في تلك الدول وهي: (تركيا، إيران وسوريا وبالإضافة إلى العراق) .

وفي خضم تداعيات المشهد السياسي في العراق منذ الغزو الأميركي للعراق، هددت تركيا بوضوح بأنه لو قامت دولة كردية مستقلة في شمال العراق، فإن تركيا سوف تقوم باجتياح الشمال العراقي لإجهاض هذا التهديد للأمن القومي التركي.

لكن الأمر المؤكد أن الأكراد في شمال العراق يحظون بتأييد غير محدود من جانب"اسرائيل"، التي تدعم فكرة قيام كيان كردي مستقل في شمال العراق يكون حليفا للدولة العبرية ويتناغم معها في مناهضة أحلام القومية العربية في المنطقة أو الأصولية الجهادية المتنامية .

والوثائق تشير إلى صلات تاريخية وثيقة بين الأكراد و"اسرائيل"منذ الستينيات حيث لعبت"اسرائيل"دورًا أساسيًا في دعم التمرد الكردستاني في شمال العراق وإمداده بالأسلحة منذ عهد الزعيم التاريخي للأكراد الملا مصطفى البارزاني والد مسعود البارزاني أحد القطبين الكبيرين في زعامة الأكراد في الوقت الراهن بالإضافة إلى جلال الطالباني.

وقد أدت هذه التطلعات"الاسرائيلية"إلى اقامة كيان كردي حليف في شمال العراق إلى الاصطدام مع السياسة التركية وإضعاف علاقات التعاون الاستراتيجي بين تركيا و"اسرائيل"منذ الغزو الأميركي للعراق.

وقد كانت الدوائر الاستراتيجية التركية أول من تحدثت عن تغلغل"اسرائيلي"واسع النطاق في كردستان في أعقاب الغزو الأميركي للعراق، وهو الأمر الذي أماط عنه اللثام بشكل سافر الكاتب الصحفي الأميركي الشهير سيمور هيرش بعد ذلك في مجلة (النيويوركر) .

وفي تقديرنا أن الدعم الاستراتيجي اللامحدود الذي تقدمه"اسرائيل"لفكرة انفصال كردستان العراق وإقامة كيان كردي مستقل في شمال العراق بحيث لا يعود العراق دولة إقليمية كبيرة ذات وزن وثقل استراتيجي، هو أحد الأسباب القوية وراء إصرار الأكراد على أن يتضمن الدستور العراقي الجديد فكرة إعطاء الأكراد حق تقرير المصير بعد ست أو ثماني سنوات (على غرار نموذج جنوب السودان أو استلهاما منه) .

فالأكراد يشعرون أن"اسرائيل"ستقف بقوة إلى جانب قيام دولة كردية في شمال العراق، وستعمل على توفير الدعم الأميركي لهذه الدويلة الجديدة رغم المعارضة التركية الجلية لها.

وفي تقديرنا، أن الأكراد بإصرارهم على الانفصال وتكريس فكرة الحق في تقرير المصير عبر الفيدرالية، والمطالبة بإجراء استفتاء على ذلك بعد عدة سنوات وهم واثقون من الانفصال بدليل أن استفتاءًا نظم في كردستان إبان الانتخابات الأخيرة أظهر فيه نحو 98% من الأكراد رغبتهم في الاستقلال والانفصال عن العراق، وهم إنما يرتكبون خطيئة تاريخية ويراهنون مرة أخرى الرهان الخطأ عبر توهم أن"اسرائيل"ستكفل لهم الحماية عندما تتحول دويلة كردستان في شمال العراق إلى كيان خاضع للحماية أو الوصاية الصهيونية.

إن الأكراد مطالبون بإعادة التفكير جيدا في قراءة الخريطة (الجغرا سياسية) الإقليمية، ومعرفة أن إقامة دولة كردية سيفتح عليها نيرانا إقليمية لا تنتهي وستجد تحالفًا ايرانيًا سوريًا تركيًا عراقيًا ضد هذه الدولة مما سيدخلها في دوامات صراع لا تنتهي.

كما أن على الأكراد استشفاف الدروس المستفادة من الغزو الأميركي للعراق، فأميركا بعد أن تدبر سيناريو خروج غير مهين من العراق، لن تفكر في العودة إليه ثانية، فلا يتوهم الأكراد أن قوات أميركية سوف تهبط في جبال كردستان مرة أخرى من أجل حماية الدولة الكردية المستقلة.

إن الرهان الحقيقي والخيار الاستراتيجي التاريخي لأكراد العراق هو في الحفاظ على روح التلاحم والأخوة الكردية ـ العربية في إطار أخوة الإسلام العظيم فهو الرابطة العظيمة التي ستبقى فوق كل حسابات سياسية مؤقتة أو أطماع ومطامح اقتصادية زائلة، وعليهم الاستفادة من حقيقة أن العراق هو أكثر دولة منحت الأكراد حقوقا ثقافية وسياسية وقومية في كل المحيط الإقليمي واعترف لهم بالحكم الذاتي الواسع الصلاحيات، وهو ما يمكن ترسيخه عبر تأكيد ذلك في دستور يحفظ وحدة العراق ولا يقود إلى تفكيكه أو تقسيمه، كما كشفت عن ذلك المداولات بشأن الفيدرالية في إطار الدستور الجديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت