فهرس الكتاب
( أولا: إن أهم قضية في هذا المجال هي الإجابة على السؤال التالي: كيف يستطيع الطالب المسلم الحياة والدراسة في بلاد الغرب مع تجنب الآثار السلبية الناتجة عن ذلك؟
والإجابة على هذا السؤال تجعلنا أمام قضية جوهرية، وهي أن الطالب المسلم الدارس في بلاد الغرب فرد ينتمي إلى عقيدة تختلف بمصادرها وأسسها وقيمها ومظاهر سلوكها الاجتماعي عن الحضارة الغربية، ولكي يتجنب الآثار السلبية الناتجة عن الحياة في بلاد الغرب، عليه أن يلتزم بإسلامه، ويعتز بانتمائه الحضاري، ويبحث عن السبل التي تكفل له هذا الالتزام، وتدعم في شخصيته الانتماء المذكور.
ولا شك أن الطلبة المسلمين يختلفون في الاستجابة لضغوط الحياة في الثقافة الأمريكية ويتأثرون بها بطرق مختلفة، ولكن العنصر الأساس في هذه المعادلة هو مستوى التحصين العقائدي والفكري لدى الطالب المسلم، فكلما ارتفع هذا المستوى من التحصين، كلما كان التأثير إيجابيًا وموجهًا نحو الوجهة السليمة، وكلما قل هذا المستوى من التحصين، كلما كان التأثر سلبيًا ونحو الوجهة الخاطئة، بمعنى أن الطالب المسلم الذي يفد إلى الغرب للدراسة وهو مزود بالتحصين المناسب أو توفرت له الفرصة للحصول على هذا التحصين في بلاد الغربة يستفيد أكثر من غيره من هذه التجربة الحضارية بأبعادها العلمية والإنسانية.
فمن ناحية علمية، تكون حوافزه للتعلم أقوى، وإنجازه أفضل، لشعوره بالمسئولية تجاه وطنه وأمته الإسلامية، ومن ناحية إنسانية، يتعامل تعاملًا مباشرًا مع الحضارة الغربية، ويتعرف عن كثب على مشكلاتها وانحرافاتها، ويستفيد من بعض جوانبها الإيجابية التي وفرت التميز والريادة للمجتمعات الغربية، ومن أجل ذلك، نستطيع القول بأن مثل هذا الطالب قد استثمر هذه التجربة الحضارية"الدراسة والحياة في الغرب"استثمارًا علميًا واعيًا على مستوى شخصه ومستوى الأمة التي ينتمي إليها.
وعلى النقيض من ذلك، الطالب الذي لا يتوفر لديه التحصين العقائدي والفكري المناسب، أو كان متوفرًا لديه ولكنه لم يستطع المحافظة عليه في فترة الاغتراب تحت تأثير الاحتكاك المباشر مع المجتمع الغربي، أو لأي سبب من الأسباب، فإن مثل هذا الطالب تسيطر على عقليته مظاهر الانبهار والتقليد والتأثر سلبًا بفكر وسلوك المجتمع الغربي، وعند الرجوع إلى أرض الوطن يكون مثل هذا الطالب سفيرًا لتوجهات فكرية وسلوكية تنتمي إلى حضارة أجنبية، الأمر الذي يدعم توجهات التبعية والاتكالية الحضارية ويطيل أمد الضياع والتخبط في متاهات الاغتراب الحضاري.
ثانيًا: يجب أن تتحمل المؤسسات والأجهزة الحكومية المسئولة عن الابتعاث في الدول الإسلامية مسئولية كبيرة في دراسة الابتعاث للخارج وآثاره الفكرية والسلوكية، والنظر إليه على اعتبار أنه اتصال حضاري بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وليس فقط رحلة لطلب العلم، ومن ثم وضع العامل الحضاري في الاعتبار عند وضع خطط الابتعاث واختيار التخصصات واختيار المبتعثين، وعند ابتعاث الطالب للخارج يجب الاهتمام اهتمامًا مستمرًا بمتابعته وتوفير الحلول لمشكلاته في بلاد الغربة، ومن جوانب هذا الاهتمام، اختيار الجامعة المناسبة والمشهورة بمستواها العلمي الرفيع، وتشجيع الطالب على الدراسة في الجامعات التي تضم أعدادًا من الطلبة العرب والمسلمين، بحيث يرتبط اغترابه الحضاري مع وجود من يشترك معه في القيم، وبحيث لا يواجه ضغوط الحضارة الغربية معزولًا بمفرده، ومن جوانب هذا الاهتمام أيضًا، تدعيم انتماء المبتعث لدينه وأمته وذلك عن طريق تشجيع الأنشطة التي تخدم هذا الغرض في بلاد الغربة من محاضرات وندوات ومخيمات ومؤتمرات.
ثالثًا: يجب على الجامعات والمؤسسات التعليمية والثقافية العليا في الدول الإسلامية أن تسهم إسهامًا فعالًا في ترشيد الابتعاث خارج البلاد الإسلامية، وجعله في أضيق الحدود، بل والعمل تدريجيًا على إلغاء مبرراته، ولا شك أن هناك أساليب كثيرة لتحقيق هذه الأهداف، منها على سبيل المثال: توفير التخصصات اللازمة ودعم البحث العلمي وتوثيق العلاقات الأكاديمية والعلمية وتنشيطها بين جامعات الدول الإسلامية وتسهيل الابتعاث والفرص التعليمية بين الجامعات المعنية.
رابعًا: طالما أن الابتعاث للخارج لا يزال يجد بعض المبررات فإن على الجامعات على وجه الخصوص مسئولية عمل دورات وبرامج توجيهيه للمبتعثين للخارج، يتم فيها تعريف المبتعث على الأنظمة والتقاليد الجامعية والثقافية الغربية وأنماط السلوك التي قد يواجهها، ويتم عن طريق هذه البرامج تحصين الطلبة فكريًا وجعل البديل الحضاري الإسلامي واضح أمام الجميع، وقد خطت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض خطوات مباركة في هذا السبيل، ونظمت برنامجًا توجيهيًا منذ عدة سنوات ينضم إليه كل مبتعث من المملكة العربية السعودية، ويعتبر برنامجًا رائدًا في مجاله.
خامسًا: يوصي الطالب المبتعث، على اعتبار أنه المسئول أولًا وأخيرًا عن أسلوب التكيف الذي يختاره لنفسه ويعيش به في بلاد الغربة، أن يحاول ما استطاع فهم الأبعاد النفسية والثقافية للابتعاث للخارج، ويتعرف على مدى أهمية مثل هذه الأبعاد في صياغة أنماط فكرية وسلوكية في شخصيته، وأثر ذلك عليه شخصيًا وعلى الأمة التي ينتمي إليها، وفي ضوء هذه الرؤية، عليه أن يتعامل مع البيئة الثقافية الاجتماعية الجديدة بطريقة تضمن له الاحتفاظ بتميزه الفكري والسلوكي الإسلامي وفي الوقت نفسه تمكنه من معرفة أصول ومظاهر الثقافة الغربية بأفكارها ومسلماتها واتجاهاتها، وهذا ما أشرنا إليه في دراستنا بالتكيف الراشد والذي يعتبر الموقف الفكري والسلوكي الوسطي في المعادلة الحضارية بين الاندماج والرفض.
سادسًا: يوصي المبتعث بألا يخلد -بفعل العادة والألفة- إلى الاستسلام للأفكار والمسلمات والاتجاهات الغربية في الفكر والسلوك، بل يكون دائم التقويم لها وتطوير الحس المقارن بينها وبين الإسلام، بحيث لا تسيطر عليه مظاهر الانبهار والإعجاب بها.
سابعًا: يوصي المبتعث ببذل الجهود في السنة الأولى من الابتعاث في تعلم اللغة، بسبب ما تفرضه مرحلتا الصدمة الثقافية والتكيف الجزئي من ضغوط للتعلم اللغوي، والتي يكون الطالب فيها -عادة- مهيأ نفسيًا لاكتساب المهارات اللغوية، وخاصة مهارة الحديث، وذلك لأنه بانتهاء مرحلة التكيف الجزئي تبدأ الضغوط بالزوال ومن ثم تبدأ حوافز التعلم اللغوي بفقدان قوتها وتأثيرها، وهذا بالطبع لا يعني أن يتخلى المبتعث عن التعلم اللغوي بعد السنة الأولى، بل يجب استثمار كل سنوات الابتعاث في التعلم اللغوي وتدعيمه لإتقان اللغة الأجنبية قدر المستطاع، ولكن أهمية السنة الأولى يجب ألا تغفل عن البال لما لها من تأثير قوي في تهيئة الظروف النفسية للتعلم اللغوي، فمستقبل الطالب من الناحية الأكاديمية، وفهمه للثقافة الغربية، بل وصحته النفسية أيضًا، تعتمد اعتمادًا كبيرًا، كما أوضحنا في دراستنا، على ما يبذله المبتعث من جهود في تعلم اللغة في السنة الأولى من ابتعاثه للخارج.