فهرس الكتاب

الصفحة 1438 من 2255

ويهمل دائرة الأفكار ، وأن السلفيين يهتمون بالحفظ ويهملون الفكر ، وأن من حفظ الكتب الستة فله شأن عندهم دون من تضلع في أصول الفقه . وأحسب أنه لا يخفى على الكاتب الفاضل أهمية حفظ نصوص الوحيين ، وأن ذلك مطلوب شرعًا ؛ فقد تواتر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: « نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها ؛ فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » [1] وهذا لفظ الترمذي من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - ، لا سيما أن العرب قد خُصوا بالحفظ ، وهذه الأمة موصوفة بأن إنجيلها في صدورها . وكما قال الخليل بن أحمد - رحمه الله -: ليس بعلم ما حوى القِمَطْرُ ما العلم إلا ما حواه الصدرولماذا يفترض الكاتب أن حفظ السلفيين للمعلومات كحفظ الحاسب ؟ وهذا قياس مع الفارق لمن له أدنى فكر وتأمل ! وها هو ابن عباس - رضي الله - عنهما وقد طُبع على الحفظ كان يكره كتابة العلم ، ومع ذلك فقد كان له من الإشراقات والفتوحات في التفسير ما لا يحصى ، كما كان صاحب مناظرات قوية مع الخوارج ونحوهم من أهل الأهواء ، فما كان هذا الحفظ إلا سبيلًا لنشر العلم و « المعلومات » الأصيلة ، وإفحام المخالفين ، وحل المعضلات . فلا إشكال في حفظ النصوص الشرعية ، لكن الإشكالية أن يقتصر على الحفظ مجردًا عن الفهم والفقه ، ولو أن الكاتب عني بهذه الإشكالية ، وطالب بإيجاد برامج عملية لاستنهاض الفهم وتنمية ملكات التفكير والتجديد والإبداع لكان أليق وأنسب . ولما هوّن الكاتب من شأن المعلومات هوّل من شأن الأفكار ، وأقول للكاتب: لماذا هذه التفرقة والانفصام بين المعلومات والأفكار ؟ وهل يمكن أن تتأتى الأفكار إلا بمعلومات ، ولا سيما أن كل إنسان حارث ومفكر ، كما قال صلى الله عليه وسلم: « أصدق الأسماء حارث و همام » ؟ [2] . ثم ألا ترى معي أن الأفكار المجردة عن المعلومات الراسخة تؤدي إلى الخلط والاضطراب ؟! فالمعلومات والأفكار متلازمة لا ينبغي الفصل بينها . فالمعلومات أساس الأفكار، والأفكار ثمرة المعلومات . ولعل مقصود الكاتب أن بعض السلفيين أهملوا كتب الفكر واشتغلوا بالكتب الشرعية ، وأحسب أن العناية بكتب الفكر كانت في مرحلة سابقة ، عندما كانت الاشتراكية والقومية ونحوها من المذاهب المادية التي تشكك في الإسلام وتطعن في الغيبيات رائجة في حقبة زمنية ماضية حيث ظهر - ولله الحمد - من كتابات المفكرين الإسلاميين من يذبّ عن دين الإسلام ويفنّد شبهات الخصوم ، كما هو ظاهر في كتب سيد قطب و المودودي - رحمهما الله تعالى - و محمد قطب ونحوهم . فكانت كتب الفكر الإسلامي الأصيل ضرورية تجاه تلك الأفكار المنحرفة ، وكما فعل من قبل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عندما واجه تلك الأفكار الفلسفية والكلامية والصوفية باللغة والأسلوب الذي يفهمه أولئك ، فأظهر الحجة عليهم وكشف ضلالاتهم ، ومن المناسب أن نورد ما يقرر ذلك من كلامه - رحمه الله -: « ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات ، كالسلاح في المحاربات ، فإذا كان عدو المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس و الروم ، كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع ، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة ... إلخ » [3] . وأحسب أن هذه الصحوة المباركة قد ارتقت - نضجًا وعلمًا - بدءًا من الكتب

الفكرية الأصيلة في تقرير الثقة بالإسلام والرد على أعداء الإسلام إلى الاشتغال بالعلوم الشرعية في تقرير منهج السلف الصالح والرد على المبتدعة إلى غير ذلك ؛ فما كان للسلفيين أن يحقروا الكتب الفكرية الإسلامية الأصيلة وهم يقررون قبول الحق من كل شخص ولو كان كافرًا ، وها هو العلاَّمة ابن باز - رحمه الله يقرأ

كتاب ( النظرية السياسية ) للمودودي رحمه الله مقررًا له [4] ، وها هو العلاَّمة الألباني - رحمه الله - يورد كلامًا طويلًا لسيد قطب - رحمه الله - في مقدمة كتابه ( مختصر العلو ) للذهبي .

رابعًا: ادعى الكاتب أن السلفيين لا يعرفون جملة من المذاهب الفكرية

كالقومية العربية والماركسية والبعث العربي .. وأما آخر النظريات الفكرية فإن غالب النخب السلفية لم يسمعوا بأسمائها فضلًا عن دراستها ، هكذا قال الكاتب -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت