فهرس الكتاب

الصفحة 1520 من 2255

يخرج الشابُ من بيئته المحافظة، ومجتمعهِ الطاهرِ العفيف، فيرى هناك التقدمَ الصناعيَ، والتفوقَ العلميَ، فيصاب بالانبهار بالحضارة الغربية التي هي كسراب بقيعة، فيعتقد أن ما نحن عليه من ضعف صناعي، وتخلف تقني، هو بسبب ما نتمسك به من دين وعقيدة، وقيم وأخلاق، فإذا به يستحي أن ينتمي إلى هذا الدين، وتزداد قناعتُه بما عليه الغربُ الكافرُ من تفسخ وانحلال، وضياع واضمحلال، وأنه الحقُ الذي لا مرية فيه، والصوابُ الذي لا شك فيه، فيبدأ بالتخلي عن مبادئه وقناعاته السابقة، يتخلى عن مبادئ الإسلام العظام، ومبانيه العظام، فيصبح كما أصبح هذا الشابُ المسكينُ، الذي نسأل الله تعالى أن يردَه إلى الحق ردًا جميلًا وسائر المسلمين يا رب العالمين.

ومن أجل هذا حرص الغربُ الكافرُ على قضية البعثات العلمية، والدعايات السياحية، والتي من خلالها، يتم غسلُ أدمغةِ كثير من أبناء المسلمين، وقلب المفاهيم لديهم، وتغير الحقائق في أذهانهم، إلى مفاهيم منكوسةٍ، ومعاييرَ مقلوبة، فيخرج جيلٌ لا يعرف من الإسلام إلا اسمهُ، ولا من القرآن إلا رسمهُ، فيعمل هؤلاء في بلدهم ما عجز الأعداء عن تنفيذه وعمله.

أيها الأخوة في الله:

وإذا انتقلنا من القرن الخامس عشر لنقف على القرن الأول الهجري، قرنِ الجيلِ الفريد، أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلّم، لنرى صورةً مشابهةً لهذه الصورة، ونعلمَ أن الفتنةَ لا تؤمن على الحي ولو كان أتقى الناس، فـ"القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء". (1) كما قال عليه الصلاة والسلام.

فعندما اشتد آذى كفارِ قريش للفئة المؤمنة في مكة، وضاقت بهم الأرض، أمر النبي صلى الله عليه وسلّم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وذكر عليه الصلاة والسلام أن فيها ملكًا لا يظلم، فانتقل إليها كوكبةٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليعبدوا الله تعالى دون أن يمسَهم أذى أو يصيبَهم مكروه، وكان من ضمن هؤلاء الذين هاجروا عبيدُ الله بنُ جحش الأسدي مع زوجِته أمِ حبيبة بنتِ أبي سفيان رضي الله عنها، فلما وصل هناك ورأى أهلَ الحبشةِ وما هم عليه من دين، وكانوا على دين النصرانية، تأثر بهم، فكان يفكّر دائمًا، وبعد فترة من الزمن قرر الدخولَ في النصرانية، وبالفعل أخبر زوجتَه أمَ حبيبة أنه ترك الإسلامَ ودخلَ النصرانيةَ! نسأل الله تعالى حسن الخاتمة.

تأمل معي أخي الكريم هذه الحادثةَ العجيبةَ، رجل أسلم قديمًا، فكان من أوائلِ من أسلم، وهاجر من أجل الدين، ترك أرضَه وأهلَه ومالَه من أجل الدين، وهو من القرن الأول، وممن شاهد التنزيلَ، ورأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم، وما أيده به الله تعالى من معجزات، وهجرتُه كانت لضرورة ولم تكن من أجل السياحة والنزهة، أو قضاءِ الوقت للتعرف على معالم تلك البلاد! ومع ذلك؛ حدث له هذا الحادثُ العظيم، الذي خسر به الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران العظيم.

فماذا نقول إذن لمن هم أقلُ من هذا بكثير؟!. ماذا نقول لمن ينتقلون إلى تلك الديارِ البائسةِ من أجل السياحة ويصطحبون معهم فلذاتِ الأكباد، ومهجَ النفوس؟! حتى بلغ عددُ الذين يسافرون لتلك الديار البائسة أكثرَ من أربعةِ ملايين سائح.

وقد أكدت الدراساتُ أن أربعةً وعشرين بالمائة من الأسر السعودية تتجه نحو السياحةِ الداخلية، بينما يتجه سبعةٌ وأربعون بالمائة إلى دول غربية، والنسبة الأخرى متجهةًَ إلى الدول العربية!.

وبلغت نسبةُ المصروفاتِ الخارجيةِ حوالي خمسةٍ وأربعين مليار ريال سعودي. (2)

فلا حول ولا قوة إلا بالله.

فإلى الذين يردّدون صباح مساء: لا إله إلا الله، وهم يعلمون أنهم يعلنون بهذا، ولاءهم الكاملَ لله ورسوله، ويسلمون له قيادَهم.

إلى المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، وعلى ربهم يتوكلون.

إلى هؤلاء نسوق حكمَ اللهِ ورسولهِ صلى الله عليه وسلّم في هذا المنكر، الذي أصبح اليومَ معروفا، يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) . [سورة النساء، الآيات: 97-99] .

قال ابن ُكثير رحمه الله:"هذه الآيةُ الكريمةُ عامةٌ في كلِ من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادرٌ على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامةِ الدين، فهو ظالمٌ لنفسه، مرتكبٌ حرامًا بالإجماع، وبنصِ هذه الآية" (3) .

ويقول صلى الله عليه وسلّم:"من جامعَ المشركَ وسكنَ معَه فإنه مثلُه" (4) . وقوله صلى الله عليه وسلّم:"ولا تستضيئوا بنار المشركين" (5) . وفي حديث بهز بن حكيم:"أن تفر من شاهق إلى شاهق بدينك".

قال ابنُ كثير:"معناه لا تقاربوهم في المنازل، بحيث تكونوا معهم في بلادهم، بل تباعدوهم، وتهاجروا من بلادهم"، ولهذا روى أبو داود فقال:"لا تراءى ناراهما" (6) . وفي قصةِ إسلامِ جرير، لما قال: يا رسول الله! بايعني واشترط، فقال:"أن تعبدَ الله ولا تشركَ به شيئًا، وتقيمَ الصلاة، وتؤتَي الزكاة، وتناصحَ المسلمين، وتفارقَ المشركين" (7)

وقد أدرك علماءُ السلفِ رضي الله عنهم من هذه النصوصِ وغيرِها، تحريمَ السفرِ لبلادِ الكفار لغير عذر شرعي، فعن عبدِالله بنِ عمرو رضي الله عنهما أنه قال:"من بنى بأرض المشركين، فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة" (8) .

وقال الحسنُ بنُ صالح رحمه الله:"من أقام في أرض العدو وإن انتحل الإسلامَ وهو يقدر على التحويل إلى المسلمين فأحكامهُ أحكامُ المشركين" (9) .

وقال الشيخُ عبدُاللطيفِ بنُ حسنِ آل الشيخ رحمه الله:"إن الإقامةَ ببلد يعلو فيها الشركُ والكفرُ، ويظهر فيها دينُ الإفرنج والروافض، ونحوهِم من المعطلة للربوبية والألوهية، وترفع فيها شعائُرهم، ويهدم الإسلامُ والتوحيدُ، ويعطل التسبيحُ والتكبيرُ والتحميدُ، وتقلع قواعدُ الملةِ والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، فالإقامة بين ظهرانيهم - والحالة هذه - لا تصدر عن قلب باشره حقيقةُ الإسلامِ والإيمانِ والدينِ، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين، بل لا يصدر عن قلب رضي الله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، فإن الرضا بهذه الأصولِ الثلاثةِ، قطبُ رحى الدين، وعليه تدور حقائُق العلمِ واليقينِ، وذلك يتضمن من محبة الله وإيثار مرضاتِه، والغيرةِ لدينه والانحيازِ إلى أوليائه، ما يوجب البراءَة كلَ البراءِة، والتباعدَ كلَ التباعدِ، عمن تلك نحلتُه وذلك دينُه، بل نفسُ الإيمانِ المطلقِ في الكتاب والسنة، لا يجامعُ هذه المنكرات" (10) .

ويقول العلامةُ ابنُ باز رحمه الله تعالى:"السفر إلى البلاد التي فيها الكفرُ والضلالُ والحريةُ وانتشارُ الفسادِ من الزنى وشرب الخمر وأنواع الكفر والضلال فيه خطر عظيم على الرجل والمرأة، وكم من صالح سافر ورجع فاسدًا، وكم من مسلم رجع كافرًا، فخطرُ السفرِ عظيم والواجب الحذر من السفر لبلادهم، لا في شهر العسل ولا في غيره" (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت