ويستنتج هنتنجتون مما سبق أن الغرب يشهد تناقصًا كميا وكيفيًا ويقول:"إذن من الناحية الكمية يشكل الغربيون أقلية تتناقص بثبات مقارنة ببقية سكان العالم، ومن الناحية الكيفية فالتوازن بين الغرب والسكان الآخرين آخذ في التغير؛ الشعوب غير الغربية يصبحون مع مرور الوقت أفضل صحة وأكثر تحوّلًا نحو حياة المدن وأكثر متعلمين وأفضل تعليمًا" (ص 84) ويستشهد على أهمية التحوّل في محو الأمية، والاتجاه نحو سكنى المدن، وأنه يجعل الشعوب أكثر قوة بما حصل في عام 1953 في إيران حينما أسقطت ثورة مصدق الشاه، ولكن لما كان المتعلمون أقل من 15% من الإيرانيين، وسكان المدن أقل من 17 % استطاع روزفلت وعدد محدود من المخابرات المركزية الأمريكية إخماد الصحوة وإعادة الشاه إلى عرشه. أما في عام 1979 عندما كان أكثر من 50% من الشعب متعلمين و47.9% من سكان المدن لم تستطع أي قوة عسكرية أمريكية ضمان استمرار الشاه على عرشه.
ومن الناحيتين الاقتصادية والتقنية فالغرب متفوق على غيره فيهما بمستوى رفيع، ولكن هنتنجتون يرى أن التقنية مهددة بالتسرب إلى العالم الإسلامي نتيجة للعولمة، ويقترح أن يمنع الغرب هذا التسرب من أجل الاحتفاظ بالتقنية، ولكن هل المنع ممكن؟! الذي يبدو مما ذكره هنتنجنتون أنه غير ممكن. ويخلص هنتنجتون إلى هذه النتيجة:"إن الصورة اللامعة التي سادت مائتي سنة عن التفوق الغربي على الاقتصاد العالمي سوف تنتهي".
لعل القضية الأخطر التي ناقشها هنتنجتون هي قضية هوية الحضارة الغربية فهو يرى أنها مهدّدة من الدعوة للتعدّدية الثقافية، ومن المهاجرين ولاسيما المهاجرين المسلمين الذين يرفضون الاحتواء، ويستمرون في الارتباط مع قيم مجتمعاتهم وثقافاتها وعاداتها، ويرى أن صراع الهوية هو أشد ما يُهدّ د الولايات المتحدة الأمريكية، التي يرى أن بقاءها وسلامتها ضمانة لاستمرار الحضارة الغربية وبقائها متماسكة. والولايات المتحدة الأمريكية مثلاّ ستصبح دولة متصدعة، وعرضة للحرب الأهلية والتشرذم إذا فشلت في معركة الهوية فعجزت عن احتواء الأقليات المهاجرة. أما هوية الحضارة الغربية فهي في نظره"مسيحية"، وهذه الحضارة يمكن أن تقوّض بإضعاف مكونها الرئيسي"المسيحية". وانتقد هنتنجتون أولئك المفكرين الأمريكان الذين يرفضون موروث بلادهم الثقافي، ويدعون إلى التعدّد الثقافي ويقول:"قيادات البلدان الأخرى كما رأينا في أوقات ما حاولوا التنصل من موروثهم الثقافي وغيّروا هوية بلدانهم من حضارة أخرى. ليس هناك حالة مؤرخة نجحت وبدلًا من ذلك خلقوا بلدًا ممزقة."
التاريخ أوضح بأنه ليس هناك دولة تستطيع الاستمرار كمجتمع متماسك ومتحدة وهي ذات ثقافات متعددة، (إنها) لن تكون الولايات المتحدة ولكن ستكون الأمم المتحدة"."
هينتنجتون مشغول بقضية الهوية، وأفول الغرب، وتصدّع الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل هذا ما دعاه إلى تقديم رؤية لمعالجة المشكلة في كتابه الأخير"من نحن؟"
حضارة الغرب عارية من الروح..وتقوم على الإرهاب
الاسلام اليوم - خاص 7/4/1423
محمد شهاب الدين الندوي أمين عام الأكاديمية الفرقانية ببنجلور بالهند.. أحد المثقفين المسلمين المهتمين بقضية النهضة العلمية والتكنولوجية المنتظرة في العالم الإسلامي. ولذلك جاءت كل إسهاماته الفكرية وكتبه لتدور في هذا الفلك فله من الكتب: بين علم آدم والعلم الحديث - الأدلة العلمية الحديثة على المعاد الجسدي - التجليات الربانية في عالم الطبيعة - نهضة العالم الإسلامي في ظلال القرآن - الاستنساخ الجيني يصدق المعاد الجسدي - أهمية علم الكيمياء والفيزياء - التقدم في العلم والتكنولوجيا - القرآن الكريم والكيمياء الحيوية - القرآن الحكيم ودنيا النبات.
وأثناء زيارته للقاهرة التقينا به وأجرينا معه هذا الحوار
سؤال:يعيش العالم الإسلامي منذ عدة قرون حالة من الانحطاط والتخلف. ..ما هو تفسيرك لهذه الحالة ؟ وما نتائجها على المسلمين؟ وكيف نستطيع تجاوزها ؟
جواب:العامل الرئيس في هذا الأمر هو هبوط الدول المسلمة في العصور الوسطى عسكريًا وسياسيًا ، فأدى ذلك إلى انقطاع الاتصال بينهم وبين العلوم الطبيعية؛ لأن التقدم فيها يحتاج إلى إشراف الحكومات إشرافًا كليًا ، وقد خسر الإسلام من هذه الظاهرة المريرة خسرانًا مبينًا ، وهذا التخلف والتقهقر لم يكن من الناحية العلمية والتقنية فقط بل كان تخلفًا من الوجهة الشرعية أيضًا. فأي أمة تقهقرت في العلوم المادية تأخرت في حقول المدنية والاجتماع والاقتصاد والعسكرية والسياسة ، لأن هذه العلوم أحاطت بعالم البشر بالكامل ، والأمم المتسلحة بهذه العلوم ترهب الأمم الضعيفة كل يوم وتهددها في كل آن.
وأما اعتبار التخلف العلمي تخلفًا شرعيًا أيضًا فإن الانفصال بين العلم والدين ينتهي إلى تضعيف الدين نفسه من عدة جهات. ...من جهة الانحلال الفكري , ومن جهة فشل الدين في مجال الحجة والاستدلال ومن جهة القنوط واليأس من التقدم حتى وإن كان مرتكزًا على الدين.. الخ.
والإسلام كما أنه دين كامل من الوجهة الشرعية والروحية فهو دين مكتمل أيضًا من الوجهة المدنية والحضارية يرشد في جميع القضايا التي يحتاجها البشر. لكن المسلمين رفضوا اليوم تعاليمه المدنية والحضارية معتنقين تعاليمه الفقهية بدون الاجتهاد في مدلولاتها العلمية والحضارية فانكمش الإسلام وانحصر في عبادات وطقوس وعادات.
وخلاصة القول أن من أسباب تخلف المسلمين أنهم نسوا بالجملة العلم الذي عليه مناط الخلافة الأرضية وهو علم الأشياء أو بالمصطلح القرآني"علم الأسماء"وهو الذي يحافظ على الدين والشريعة من زوايا كثيرة ويحفظ التوازن للمجتمع. ...فلا يستحكم الدين إلا بعد الحذق فيه ، وهذا هو السر الذي لأجله كرم الله آدم ، فأعطاه هذا العلم بعد خلقه على الفور (وعلم آدم الأسماء كلها) أي أطلعه على جميع الأشياء الكونية والمخلوقات الإلهية وأخبره بمسمياتها وخواصها وتأثيراتها ومنافعها الدينية والدنيوية ، وهذه الأشياء وخواصها هو موضوع العلم التجريبي الحديث.. وهكذا فلا فرق بين علم آدم والعلم الحديث لأن عليه مدار الخلافة في الأرض ، ولذلك قدم الله -تعالى- تعليم آدم على الملائكة.
"التيه في أودية الفكر الغربي"
سؤال:هل نفهم من ذلك أن من أسباب تخلفنا العلمي أننا فصلنا بين علوم الدين وعلوم الدنيا؟
جواب:نعم هذا واقع وحقيقي ، إن الإسلام لعب دورًا تاريخيًا باتخاذ الأيدلوجية الصحيحة التي تجمع بين الدين والدنيا… كما قام المسلمون ببطولة كبيرة في قرونهم الذهبية بأن استخدموا الناحيتين الدينية والدنيوية معا ، فأدى ذلك إلى المطابقة الكاملة بين الفطرة والشريعة ولم يعرف تاريخ الإسلام الصراع بين الدين والعلم مثلما كان الحال في تاريخ النصرانية، حيث كان الصراع مستفحلًا بينها وبين العلم مما أدى إلى نمو وازدهار الإلحاد واللادينية ، وللأسف وصلت هذه الظاهرة إلى حياة المسلمين بسبب تقصير علماء الدين، الذين انفصلوا عن العلوم الحديثة تمامًا ولم يعتبروا بتأثيراتها بل جحدوا أن يكون لها أي اتصال مع الدين، فكان لهذا الموقف تأثير كبير على شباب المسلمين فآمنوا بعلوم الغرب وشكوا في الإسلام.