ففي"مجتمع الأسرة"يعتمد الاسلام الشورى فلسفة للتراضي والمشاركة في تدبير شئون الاسرة، لتتأسس عليها المودة والتراضي والانتظام والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس الا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أراد فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن اردتم ان كسترضعو اولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف، واتقوا الله واعلموا ان الله بما تعملون بصير (4) .
وفي شئون الدولة يفرض الاسلام ويوجب ان تكون الشورى شورى الجماعه ، هى الفلسفة والآلية لترتيب الآمور... سواء أكان ذالك في داخل مؤسسات الدولة، أو في العلاقة بين هذه المؤسسات وبين جمهور الآمة ،، ففى ادارة مؤسسات الدولة لشئونها يلفت القرأن الكريم انظارنا الى معنى عظيم عندما لايرد فيه- القرآن-مصطلح"ولى الآمر"بصيغة المفرد التى تدل على"الانفراد والاستفراد"وإنما يرد فيه هذا المصطلح، فقط، بصيغة"الجمع"- {ولى الآمر} - الى الجماعية"وتزكية للمشاركة والشورى"يا أيها الذين آمنوا وأطيعوا الله والرسول وأولى الآمر منكم -النساء59 .. {واذاجاءهم امر من الآمن أوالخوف أذاعوا به ولو ردوه الى الرسول أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} -النسأء:83-كما يحرص القرآن الكريم على التنبيه على ان يكون {أولو الأمر} من الأمة"حتى تكون السلطة نابعة من الأمة وليست مفروضة عليها من خارج .. حتى لكأنه يشير الى مبدأ"السيادة الوطنيه.. والقوميه.. والحضاريه"للأمم والشعوب والمجتمعات؟؟"
اما في العلآقه بين الدوله"وبين جمهور"الأمه"فان القرآن يجعل الشورى والمشاركه في صنع القرار"فريضة إلهية"حتى ولو كانت"الدولة"يقودها رسول الله صلى الله عليه وسلم {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين } -آل عمران:159-..فالعزم"اى تنفيذ القرار"هو ثمرة للشورى اى المرحله التاليه لاشتراك الناس في انضاج الرأي وصناعه القرار.هذا القرار الشوري الذي يضعه ولاة الامربالعزم في الممارسه والتنفيذ.وهذا المعني هو الذي جعل مفسري القرآن الكريم يقولون في تفسيرهم لهذه الآيه نقلا عن المفسر الكبير"ابن عطية" (481 - 542 - 1088 - 1148 م) *:"إن الشوري من قواعدالشريعه وعزائم الاحكام ومن لا يستشير اهل العلم والدين فعزله واجب.وهذا مما لاخلاف فيه"فالشورى من قواعد الشريعه ومن عزائم الاحكام.اما اهلها فالامه لانها فريضه علي الامه ينهض بها كفريضه كفائيه_اهل الكفاءة بحسب موضوعاتها وميادينها لذلك جاء في عبارة المفسرين لايآتها الاشارة لاهل"العلم"واهل"الدين"وليس فقط اهل"الدين"وايضا ليس فقط اهل"العلم"دون اهل"الدين"."
وكون النهوض بفريضة الشورى من الفرائض الكفائيه التي اذا قام بها البعض سقطت عن الباقين يجعلها اهم وآكد من الفرائض الفردية لأن الاثم في التخلف عن آداء الفريضة الفردية يقف عند الفرد وحده بينما الإثم في التخلف عن اقامة الفريضه الكفائية يلحق الامة باسرها.
ويؤكد هذه الحقيقة حقيقة توجه التكليف الاسلامي بالشورى الي الامه جميعا انها قد جاءت _اي الشورى _في القرآن الكريم صفة من صفات الأمة المؤمنة وليست وقفا علي فريق دون فريق (والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) _الشورى:38... فهي ليست امتيازا"للاحرار ..الاشراف..الملاك..الفرسان"كما كان حال"الديمقراطيه"عند الاغريق والرومان وهي ليست مجرد"حق"من حقوق الانسان حتي يجوز له التنازل عنه بالرضا والاختيار ..وانما هي فريضة الهية وتكليف سماوي علي الكافة ..وضرورة من ضرورات الاجتماع الانساني صغيرة او كبيرة دائرة هذا الاجتماع .بل لقد بلغ الاسلام في تزكيه الشورى الي الحد الذي جعل"العصمه"للامة ومن ثم للرأي والقرار المؤسس علي شوراها فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم"إن أمتي لا تجتمع علي ضلالة".رواه ابن ماجه.وذلك لتطمئن القلوب الي حكمه الرأي وصواب القرار اذا كانا مؤسسين علي شوري الامة في امورها بواسطة اهل العلم والدين من ابنائها ..
ولقد جاءت السنة النبوية العملية والقولية البيان النبوى للبلاغ القرآني في الشورى ..وكانت السابقة الدستورية التي تمثل النوذج والاسوة للنظام الاسلامي في المشاركه بصنع القرار ..فحتي المعصوم صلي الله عليه وسلم كان التزامه بالشوري علي النحو الذي يروى ابو هريرة فيقول:"ما رأيت أحدًا اكثر مشورة لاصحابه من رسول الله ..."_رواه الترمذي_.. وكان صحابته رضوان الله عليهم حريصين في زمن البعثة علي التمييز بين منطقه"السيادة الالهية وفيها السمع والطاعة و إسلام الوجه لله"وبين منطقة السلطه البشريه"ليمارسوا فيها الشورى المؤسسة والمثمرة لصنع القرار فكانوا يسالون رسول الله صلي الله عليه وسلم في المواطن التي لا تتمايز فيها هاتان المنطقتان بذاتهما فيقولون:يا رسول الله اهو الوحي ؟ ام الرأي و (المشورة ) ."
فاذا كان المقام من مقامات الرأي والمشورة"السلطه البشريه"شاركوا في انضاج الرأي وصناعة القرار والتزموا به عند العزم علي وضعه في الممارسة والتطبيق , حدث ذلك في مواطن كثيرة من اشهرها تحديد المكان الذي ينزل به جيش المسلمين في موقعة بدر والموقف من مصالحة بعض المشركين في موقعه"الخندق"بل ان الاتزام بثمرات الشوري وقرارتها لم يكن وقفا علي الصحابه وحدهم, وانماشمل رسول الله صلي الله عليه وسلم ايضالانه في غير التبليغ عن الله سبحانه وتعالي"مجتهد"والاجتهاد ابداع بشرى غير معصوم ومن ثم فهو من مواطن الشوري بل هو واحد من مستوياتها العليا ..وفي هذا المعني وعلي ضوء هذه الحقيقة نقرأ حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي يقول فيه لابي بكر الصديق (51 ق هـ، 13 هـ 573-634 م) ولعمر بن الخطاب (40 ق هـ-23هـ584-644م) رضي الله عنهما:"لو إجتمعتما في مشورة ما خلفتكما"- رواه الإمام احمد - ... وفيه تشريع لقاعدة الأكثرية والإقلية في القرارت الشورية، واعتماد رأي الأغلبية عند اتخاذ القرار، حتى ولو كانت الأقلية فيها رئيس الدولة، رسول الله صلى الله عليه وسلم!... ونقرأ -كذلك- حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يقول فيه"لو كنتُ مُؤمَّرًا احجًا دون مشورة المؤمنين لأمَّرتُ ابن أم عبد" { عبدالله بن مسعود} - رواه الترمذي وابن ماجة والامام احمد ... فتعيين أمير للجيش، هو اجتهاد في الشئون السياسة والعسكرية، ولذلك كانت الشورى هي السبيل لاتخاذ القرار فيه، ولا يجوز لرئيس الدولة الإنفراد بتعيين امراء الجيوش دون مشورة أهل الشورى، حتى ولوكان رئيس الدولة هو رسول الله صلى الله عليه وسلمَ...