فهرس الكتاب

الصفحة 1645 من 2255

إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعتبر من هذه الناحية"الفرصة السانحة"للولايات المتحدة الأمريكية من أجل"استكمال"ما بدأته في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، و"إتمام"صرح النظام الدولي الجديد و"عولمة"النموذج الأمريكي. فزوال الاتحاد السوفياتي لم يكن كافيا ليطلق حرية واشنطن في تسيير شؤون العالم بالكيفية التي ترغب فيها، لأن زواله كشف عن طموح روسي للتوسع والهيمنة على شؤون المنطقة في آسيا الوسطى ومغالبة النفوذ الأمريكي، ومالت أوروبا الشرقية سابقا نحو أوروبا الأم الرأسمالية لتبرز هذه الأخيرة قطبا جديدا يبحث عن موقع في ساحة التنافس الدولي مع الولايات المتحدة الأمريكية، أما اليابان، فلا تبرز كخطر جدي بالنسبة لواشنطن أكثر من أنها منافس اقتصادي ضخم، لا يطرح تحديا عسكريا معقولا. ويبقى التنين الصيني، إد تحاول واشنطن التغلب على تململه بإدراجه ضمن مسار العولمة الغربية، وتشجيع نهج الإصلاح الليبرالي الاقتصادي والسياسي فيه، وفتح الطريق أمامه لدخول حيز منظمة"التجارة العالمية"، بهذه الطريقة تكون الصين تحت المراقبة، ولكن إلى حين.

لقد رأينا السرعة الكبيرة التي حدث بها التحول الأوروبي والروسي إلى جانب الرغبة الأمريكية في تشكيل تحالف دولي تحت مظلة واشنطن، حين التحقت أوروبا سريعا بأمريكا وقدم"حلف الناتو"جميع المساعدات المطلوبة، وتخلت روسيا عن مواقفها العدائية السابقة تجاه واشنطن لتنضم إلى التحالف راغبة في الحصول على تأييد أمريكي وغربي لسياستها في الشيشان وداغستان، وجميع النقاط الساخنة في القوقاز وآسيا الوسطى، وأصبح أمام واشنطن مجال واسع للتحرك دون رادع من قوة أو قطب دولي. وجاء التحول الأكبر مع القرار الذي تبناه مجلس الأمن الدولي بشأن مكافحة الإرهاب، والذي غلب الرؤية الأمريكية للإرهاب، ومنح صلاحيات واسعة للدول الخمس الدائمة العضوية ، والمالكة لحق"الفيتو"في مجلس الأمن لتطبيق ما تراه مناسبا من أجل القضاء على الإرهاب كما تفهمه وتحدد معاييره.

حقبة جديدة

هكذا بات العالم أمام تحول جديد يعطي للولايات المتحدة المبادرة الأولى والأخيرة في القضاء على"الإرهاب"، ويضع في يدها المبرر القانوني الدولي والشرعية الدولية والوسائل العسكرية الغربية للسير في نهجها الاستعماري الجديد، ويعلن (بوش) والمسؤولون الأمريكيون في البيت الأبيض والبنتاغون أن الحرب ضد الإرهاب لن تتوقف بعد أفغانستان، وأن هناك محطات أخرى ستلي هذا البلد، مما يعني أن المغامرة العسكرية الأمريكية لن تتوقف، وأن الجيش الأمريكي سيجوب العالم لضرب كل ما تراه أمريكا مرادفا للإرهاب، سواء بالضرب المباشر أو بتحريك جماعات من المرتزقة لنفس الغايات والأهداف. إن الأهداف المعلنة هي مكافحة الإرهاب، ولكن الهدف غير المعلن هو استئصال كل من يقف في طريق الهيمنة الأمريكية وزعامتها المطلقة على العالم، وما يضر بمصالحها ويشكل خطرا عليها حاضرا أو مستقبلا، أي أن الهدف الأخير هو"إرغام الآخرين"على دخول"بيت الطاعة الأمريكي"بتعبير المفكر واللساني الأمريكي (ناعوم تشومسكي) ، فالذين يعادون القيم الأمريكية، ويستهدفون مصالحها، وحتى أولئك الذين يريدون البحث عن استقرارهم الداخلي الوطني والحفاظ على المصالح العامة لمواطنيها، ولكن يمس ذلك بالمصالح الأمريكية بطريق غير مباشر، هؤلاء ستجري ملاحقتهم عسكريا وفرض الحلول الأمريكية عليهم من الأعلى، حتى لو كانت تلك الحلول ستجر الخراب والفوضى على بلدانهم!!

وهذا هو التصور الجديد للاستعمار الجديد أو حقبة ما بعد الاستعمار. لقد كان الاستعمار القديم يروج شعار"الحضارة"في مقابل"التخلف والبداوة"، لتبرير سياسات النهب والقتل والتدمير، أما الاستعمار الجديد فهو يرفع شعار"السلام الأمريكي"والقيم الغربية في مقابل"الإرهاب والعنف"، لتبرير نفس السياسات القديمة المتجددة. وسوف لن تكون هناك قوى دولية متعددة، ولكن قوة عالمية واحدة يحقق الآخرون مصالحهم بمقدار الإقتراب منها، لأن العالم سيكون أمامه خياران اثنان لا ثالث لهما، كما صرح بذلك (جورج بوش) أمام الكونغريس الأمريكي، وهما: خيار الاصطفاف وراء الولايات المتحدة، أو خيار الوقوف في الصف المقابل.

إن عنوان الحقبة الجديدة هو"الفوضى المتوحشة ، وقانون الغاب ، وسلطة الأقوى، والمزيد من التفتيت للكيانات الوطنية واصطناع التجزئة وضرب الدول الضعيفة ببعضها, وفرض قيم الغرب ، وعولمة الخيار العسكري الأمريكي"!!

العالم الإسلامي... محور الاستعمار الجديد

أما موقع العالم الإسلامي، ومنه العالم العربي، فسيكون في قلب هذا التحول العالمي الخطير. إن تصريح (بوش) الذي حدد فيه طبيعة الحرب ضد الإرهاب بأنها"حرب صليبية"لم يكن مجرد"زلة لسان"كما قيل، كما أن تصريحات الرئيس الإيطالي (بيرلوسكوني) حول الإسلام وحضارته لم تكن سهوًا أو خطأ ديبلوماسيًا. مثل هذه التصريحات ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد, وأن ينظر إليها كتعبير عن النوايا الدفينة لأصحابها. وتصريحات (بوش) المتكررة التي قال فيها بأن الإرهاب مصدره"الشر"الكامن في النفوس (لافي السياسات الدولية والعوامل الخارجية) هي تصريحات تشير إلى المضمون والأبعاد التي تعطى لمفهوم"الإرهاب"لدى الولايات المتحدة الأمريكية!!

إن هذا التحديد لمصدر الإرهاب يعني أن الإرهاب ليس نتاجا للظلم العالمي ، والاحتلال والعدوان العسكري ، والسياسات الأمريكية والغربية تجاه الدول والشعوب، بل نتاج الثقافات والعقليات والأفكار والقوالب الحضارية والهوية، لقد أصبح"الشر"يتجه إلى نفسيات الشعوب وأساليب التربية والتنشئة الاجتماعية والسلوك، في مقابل"الخير"الذي تعبر عنه الحضارة الغربية بثقافتها وأساليبها التربوية والعقليات والأفكار الغربية والأمريكية.

يلتقي هذا المفهوم العنصري البغيض تماما مع مضمون نظرية"صدام الحضارات"، وفي جذور هذه النظرية وغيرها من نظريات الاستشراق الغربي ينبغي إيجاد تفسير ل"زلة لسان"الرئيس الأمريكي وتصريحات الرئيس الإيطالي، لا في شيء آخر خارجها. أما ذلك التمييز التكتيكي الذي حاول الزعماء الأوروبيون والأمريكيون وضعه بين الإسلام والإرهاب فليس سوى طريقة للخداع، وما يؤكد ذلك هذه الحملات"المسعورة"ضد الجمعيات والمنظمات الإسلامية الخيرية والفكرية والثقافية عبر مجموع دول العالم الغربي، والدعوات والمطالب الموجهة إلى الدول العربية والإسلامية بمحاربة الجمعيات الإسلامية الخيرية والدعوية وتجفيف منابعها، فهذا يؤكد أن الغرب لا يضع فرقا بين ما يسمى إرهابا، وبين الإسلام في تعبيراته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة، وأن الإسلام هو المستهدف أولا وآخرًا. وأن اللوائح التي وضعتها واشنطن بأسماء المنظمات والجمعيات المتهمة بالإرهاب لا تترك مجالا للشك حول النوايا"الصليبية"والاستعمارية للولايات المتحدة والغرب من ورائها، فما يجمع بين أسماء هذه المنظمات كونها لا تحظى برضا واشنطن، ولا نستغرب بعد هذا إذا وضعت أمريكا حركة حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله في إحدى هذه اللوائح، لأن منطق الاستعمار الجديد لا يفرق بين"الإرهاب"وبين"المقاومة المشروعة"، ولأنه أيضا منطق مقلوب، يتعامل مع الاحتلال باعتباره واقعًا تاريخيًا وسياسيًا وجغرافيًا ثابتًا ، ومع المقاومة ضده باعتبارها خرقًا للاستقرار !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت