أولا: مصطلح"الحرب المقدسة"مصطلح مسيحي أعلنته الكنيسة الكاثوليكية لتعبئة وتجنيد شعوب وممالك الدول المسيحية الغربية، في الحروب الصليبية الثمانية التي استمرت 195 سنة، ورسمت الصليب في راياتها رمزا لهذه"الحرب المقدسة"، هذا مع العلم بان الإسلام لا يعرف شيئا اسمه"الحرب المقدسة"، وحتى الحرب التي قام بها صلاح الدين ضد الصليبيين باسم"الجهاد"الإسلامي كانت مجرد"حرب دفاعية"لتحرير فلسطين، والقدس التي وصفها القرآن ب"الأرض المقدسة".
ومع ذلك فحروب"الجهاد"الإسلامي الشرعية، سواء كانت لتحرير فلسطين أو أفغانستان أو الشيشان أو أي بلد إسلامي آخر، هي حروب"دفاعية"واجبة إسلاميا على جميع المسلمين ضد أي عدوان أجنبي، ولم يصفها أحد من العلماء المسلمين أو المؤرخين بأنها"مقدسة"، وعلى عكس ذلك فالرئيس بوش هو الذي وصف حربه ضد ما سماه ب"الإرهاب الإسلامي"في أفغانستان وفلسطين والأقطار الإسلامية الأخرى ب"الحرب الصليبية"أي المقدسة ليعود بالتاريخ الصليبي وبالحضارة الإنسانية ألف عام إلى الوراء!!.
ثانيا: الإسلام على خلاف المسيحية لا يعرف شيئا اسمه"السلطة الدينية"مثلما هي للكنيسة، ولا"رئيسا دينيا اسمه البابا"ولا نظاما يقوم على أساس"الأكليروس والرهبنة، والاعتراف، والغفران، ورجال الدين، وعقيدة التثليث، والطقوس الدينية الأخرى، كما لا يعرف شيئا اسمه"الحروب الدينية"من نوع الحروب المسيحية التي قامت ـ ولا تزال ـ بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس. أما (المسجد) فهو مجرد بيت الله المخصص لعبادته بالعلم والمعرفة."
ثالثا: الإسلام ليس دينا رجعيا، ولا وثنيا، ولا فكرا فلسفيا أو إيديولوجيا، ولا مدينة فاضلة، ولا ثورة عمالية، ولا ليبرالية رأسمالية، وليس من صنع زعماء أو رؤساء دول، وعلى خلاف جميع هذه التصورات والمفاهيم الخاطئة عن الإسلام، تأتي الحضارة الإسلامية لتعرف الإنسان بأن الحياة الدنيا مجرد"وسيلة"زمنية محدودة للعبور إلى الدار الآخرة التي هي:"الغاية"، لأنها الحياة الأبدية الخالدة في الجنة أو في النار، وان الحياة الدنيا ليست ضربا من العبث كما يظن الكافرون، وهذا ما يؤكده القرآن بكل وضوح في الآيات التالية:
ـ"وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار" (ص27) .
ـ"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم" (المؤمنون 116) .
ولأن الحياة ليست عبثا، هناك إذن مسؤولية يتحملها الإنسان طيلة حياته للقيام بواجباته المفروضة عليه تجاه خالقه، وتجاه مجتمعه الإنساني والديني، تقرر مصيره الأبدي في الحياة الآخرة. رابعا: الإسلام دين تقدمي أخلاقي حضاري بأسمى ما تحمله هذه الكلمات من المعاني الإنسانية، لأنه حقق لأول وآخر مرة، في التاريخ البشري ـ دون منافس ولا منازع ـ"مبدأ الوحدة البشرية"الملتحمة عقيدة وإحساسا عاطفيا ب"الأخوة الدينية"والمتمثلة في مفهوم"الأمة الإسلامية العالمية"التي لا تميز بأي شكل من الأشكال بين الإنسان الأبيض والأسود من أي جنس، وأية لغة، مهما تباعدت أو اختلفت أوطانهم، حيث يعتبر"الحج"إلى مكة المكرمة ـ الركن الخامس من أركان الإسلام ـ واجبا على كل مسلم ومسلمة مرة واحدة في العمر، لحضور هذا المؤتمر الديني الاجتماعي ـ الثقافي ـ العالمي، الذي ينعقد سنويا وبدون انقطاع، منذ 1423 سنة هجرية، لتحقيق وإبراز معاني وقيم هذه"الوحدة البشرية الإسلامية العالمية"، وهذا ما عجزت عن تحقيقه الدول الغربية العنصرية، ولعله لأول مرة، يدعو النائب البريطاني سايمون هيوز - المتحدث باسم حزب الديمقراطيين الأحرار- المسيحيين البريطانيين إلى تغليب صفة"العالمية"على تفكيرهم وسلوكهم، كما يفعل مواطنوهم المسلمون (مليونا نسمة) ."6/11/2002 ش أ"
هذه إذن فروق جوهرية واضحة المعالم، ليست في حقيقة الأمر والواقع، بين دينين، بل بين حضارتين عالميتين متعاصرتين:
ـ"حضارة إسلامية"جميع قيمها ومبادئها الأخلاقية، وقوانين شريعتها وأحكامها الأساسية، تستمد شرعيتها من مصادر الإسلام الأربعة: القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإجماع علماء الشريعة، والقياس على الأحكام الثابتة المتفق عليها.
وعلى الدولة الإسلامية، وحكومتها، ورئيسها تطبيق مبادئ وأحكام الشريعة على جميع المواطنين المسلمين بمن فيهم أعضاء الحكومة ورئيس الدولة، على قدم المساواة الكاملة، وبدون أي تمييز عنصري أو جنسي أو لغوي، وطبق"نظام الشورى"الذي يتجاوز بديمقراطيته الحقيقة العادلة مغالطات وإغراءات الحملات الانتخابية الممولة والموجهة لمصلحة الأقلية المستغلة والمستبدة بالسلطة. هذا مع العلم بأن غير المسلمين لهم الحق في تطبيق أحكام شريعتهم، تبعا لقوله تعالى:
"لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي" (البقرة 256) .
ـ و"حضارة غربية لا دينية"من صنع قادتها وزعمائها ومفكريها، ورواسب إرثها الديني، واجتهاداتها العلمية والفكرية، ومصالحها المادية.
وهذا مع اعترافنا بأن"الحضارة الإسلامية"لا تنكر ما أنجزته"الحضارة الغربية"من اكتشافات علمية وصناعية وعمرانية وفضائية، لم يتقدم لها نظير في التاريخ، قدمت خدمات كبرى لصحة الإنسان ورفاهيته في شطر من سكان الأرض، كانت لها انعكاساتها السلبية والخطيرة، على الشطر الأعظم الآخر.
لكن أخطر هذه الانعكاسات على النظام الدولي: السياسي والأخلاقي العالمي، وعلى أمن الدول والشعوب، والحفاظ على قيمها الثقافية، وإبداعاتها الحضارية، يتمثل في صنع وامتلاك واحتكار"أسلحة الدمار الشامل"، واستعمالها في تدمير المدن، وقتل مئات الآلاف من سكانها، ليس فقط لإخضاع دولة كبيرة منافسة كاليابان، وتحطيم قيمها وثقافتها، ولكن لإرهاب وتهديد كل الدول والشعوب المعادية لها، أو المعارضة لمصالحها، التي لا تمتلك هذه الأسلحة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ذلك أن"منطق القوة"يدفع صاحبه تلقائيا وبقوة، نحو التوسع والتسلط، وفرض سياسة"العولمة"كنموذج"عولمة القيم الأمريكية"ومحاولة تطبيقها على جميع الناس؟!.
السؤال الثالث: ماذا عن الله؟
"منذ (11 شتنبر) سأل ملايين الأمريكيين أنفسهم، وبعضهم بعضا: ماذا عن الله؟، فإن أزمات من هذا الحجم الهائل، أجبرتنا على التفكير من جديد بالمبادئ الأولية، عندما نتأمل الرعب الذي حدث، والخطر الذي قد يأتي، يتساءل كثير منا:"
هل المعتقد الديني جزء من الحل، أو جزء من المشكلة؟". إن مجرد إلقاء هذا السؤال بهذه الصيغة، من طرف"المثقفين الأمريكيين"ـ فضلا عن مناقشة الجواب عنه في صفحتين ـ تدل على أنهم يفهمون الدين من خلال تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، والصراع بين الأديان المسيحية، كمشكلة ينبغي التخلص منها:"
ـ"نريد أن نعرف سبب ولادتنا وماذا سيحدث بعد الموت؟."
ـ هناك من يعتقد أن الإنسان كائن ديني بالطبع، جميع موقعي هذه الرسالة يعترفون بأن الإيمان الديني، والمؤسسات الدينية أسس مهمة للحياة المدنية في جميع أنحاء العالم. ـ ما افضل موقف للحكومات وقادة المجتمع من هذه الحقائق البشرية؟
ـ أحد المواقف التي يمكن أن يتخذوها هي أن يقمعوا أو يمنعوا الدين بالكلية، كما يمكن أن يعتنقوا العلمانية الإيديولوجية، وهي الشك القوي على مستوى المجتمع، أو العداوة للدين، وتقوم على أساس أن الدين بالذات، وأي مظاهر عامة للاعتقاد الديني يسبب المشاكل.