فهرس الكتاب

الصفحة 1674 من 2255

أفغير المسلمين يقوم بمثل هذا؟ آلغرب يقدم لنا مثل هذه النماذج؟

الجواب ما تراه وتسمعه؛ فمن أين خرج هتلر، وموسوليني، ولينين، وستالين، ومجرمو الصرب؟ أليست أوربا هي التي أخرجت هؤلاء الطواغيت الشياطين الذين قتلوا الملايين من البشر، والذين لاقت البشرية منهم الويلات إثر الويلات؟ ألا يعد أولئك هم طلائع حضارة أوربا؟ فمن الهمج العتاة القساة الأجلاف إذًا؟

ثم من الذي صنع القنابل النووية والجرثومية، وأسلحة الدمار الشامل؟ ومن الذين لوثوا الهواء بالعوادم، والأنهار بالمبيدات؟ ومن الذي يدعم اليهود وهم في قمة الإرهاب والتسلط والظلم؟

وماذا صنعت أو تصنعه أمريكا من التسلط، والصلف، وهي التي تدعي أنها حاملة لواء السلام؟

فماذا صنعت بأطفال أفغانستان وشعبه البائس، وماذا ستفعله في العراق وغيره.

أما آن لكثير من مثقفينا أن يصحوا من رقدتهم؟ وألا ينظروا إلى الغرب بعين عوراء متغافلين عن ظلمه، وإفلاسه الروحي؟

هذه هي حال كثير من مثقفينا، ومع ذلك تجدهم يتصدرون وسائل الإعلام، ويتطرقون لقضايا الأمة.

ولو صُرف النظر عن ناحيتهم، وترك حبلُهم على غاربهم- لهبطوا بكثير من شبابنا في خسار يهتز له قلب عدوهم شماتةً وفرحًا.

والنفوس التي تتزحزح عن الإيمان قيد شعرة تبتعد عن مراقي الفلاح سبعين خريفًا.

فلا بد- إذًا- من أن نكون على مرقبة من دعايتهم، وننفق ساعات في التنبيه على أغلاطهم؛ لعلهم ينصاعون إلى رشدهم، أو لعل الأمة تحذر عاقبة هذا الذي يبدو على أفواههم.

فحقيق على هؤلاء أن يؤوبوا إلى رشدهم، وأن يقدموا لأمتهم ما يرفع عنها الذلة والتبعية، وأن يبحثوا في سبل رقيها وفلاحها.

وإن من أعظم ما يعينهم على ذلك أن يدرسوا الإسلام دراسة واعية متأنية من مصادره الأصيلة، وأن يكون لديهم من الشجاعة الأدبية والأمانة العلمية- ما يبعثهم إلى الرجوع إلى الحق والاعتزاز به.

أما السير في ركاب الغرب، والأخذ بكل ما يصدر منه دونما تمحيص - فذلك محض الهوان، وعنوان التخلي عن العزة والكرامة؛ فالأمة العزيزة هي التي تعرف مقدار ما تعطي، ومقدار ما تأخذ، ونوع ما تعطي ونوع ماتأخذ، وهي التي تعد نفسها بكل ما أوتيت من قوة؛ حتى تحمي رأيها فيما تأخذ وما تدع، وما تعطي وما تمنع.

ورحم الله الشيخ محمد الخضر حسين إذ يقول:

كنا بدورَ هداية ما من سَنَىً ... ...

إلا ومن أنوارها يستوقد

كنا بحورَ معارف ما من حُلىً ... ...

إلا ومن أغوارها يتصيد

كنا جلاءًا للصدور من القذى ... ...

ولواؤنا بيد السعادة يعقد

ما صافحت راحاتنا دوحًا ذوى ... ...

إلا وأينع منه غصن أغيد

ومن احتمى بطرانا السامي الذُّرا ... ...

آوى إلى الحرم الي لا يضهد

لا يمْتري أهْلُ التمدن أنهم ... ...

لو لم يسيروا إثرنا لم يصعدوا

فَسلوا متى شئتم سَراتَهُمُ فما ... ...

من أمة إلا لنا فيها يد

لا فخر في الدنيا بغير مجادة ... ...

تعنو لها الأمم العظام وتسجد

لكننا لم نرعَ فيها حُرْمةً ... ...

بذمامها من الرقاب تقلد

أخذت مطيَّات الهوى تحدو بنا ... ...

في كل لاغية كساعة نولد

حتى انزوى من ظلها الممدود ما ... ...

فيه مقام يستطاب ومقعد

أبناءَ هذا العصر هل من نهضة ... ...

تشفي غليلا حره يتصعد

ورحم الله الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي إذ يقول:

وأين الذي شيَّدته القُضُبْ ... ...

فأين الذي رفعته الرماح

تكاد تمس ذراها السحب ... ...

وأين شواهقُ عزٍّ لنا

وما زال يَضْؤُلُ حتى غرب ... ...

لقد أشرق العلم من شرقنا

فأصبح صاعدنا في صبب ... ...

وكنا صعدنا مراقي المعالي

سمت بهم لمعالي الرتب ... ...

وكم كان منا ذوو همة

بوادره إن ونى أو وثب ... ...

وكم من هِزَبْرٍ تهز البرايا

لما كف أربابها عن أرب ... ...

وأقْسِمُ لولا اغترار العقول

لمااستصعبو في العلا ما صعب ... ...

ولولا الذي دَبَّ ما بينهم

-التوبة الإعلامية: فالإعلام في كثير من بلاد المسلمين يروِّج للرذيلة، ويزري بالعفة والفضيلة، فتراه يصب في قالب العشق والصبابة، والترف والهزل، ويسعى لتضليل الأمة عن رسالتها الخالدة.

فجدير بإعلام المسلمين أن تكون له شخصيته المتميزة، وأن يكون داعية إلى كل خير وفلاح.

وواجب على كل إعلامي مسلم أن يتضلع بمسؤوليته، وأن يدرك حجم الأمانة الملقاة على عاتقه، فهو يرسل الكلمة فتسير بها الركبان؛ فله غنمها، وعليه غرمها.

4-التوبة من التفرق والتدابر: فالناظر في أحوال الأمة يرى عجباُ؛ فأعداؤها يحيطون بها من كل جانب، ويكيدون لها ويتربصون بها الدوائر.

ومع ذلك ترى الفرقة، والتدابر، والتنافر؛ فالعقوق، والقطيعة، وإساءة الظن، وقلة المراعاة لحقوق الأخوة في الله- تشيع في أوساط المسلمين.

ولا ريب أن ذلك مما يسخط الله -عز وجل- ومما يفرح الأعداء، ويذهب الريح، ويورث الفشل.

فواجب على الأمة أن تجمع كلمتها على الحق، وأن ينبري أهل العلم والفضل والإصلاح لرأب الصدع، ونبذ الفرقة.

قال ربنا -تبارك وتعالى-: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[102] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [103] آل عمران.

5-التوبة من التبرج: تلك السنة الإبليسية الجاهلية التي فتحت على المسلمين باب شر مستطير.

ففي أكثر بلدان المسلمين تخلت النساء عن الحجاب، وأخذن بالتبرج، والتهتك، والتبذل، والسفور على تفاوت فيما بين البلدان.

وهذا الصنيع نذير شر وشؤم، ومؤذن لعنة وعذاب؛ ذلك أن التبرج موجب لفساد الأخلاق، وضيعة الآداب، وشيوع الجرائم والفواحش، وانعدام الغيرة، واضمحلال الحياء.

وبسببه تتحطم الروابط الأسرية، وتنعدم الثقة بين أفرادها.

وهذا التبرج لم يكن معروفًا عند المسلمين، وإنما هو سنة جاهلية انقطعت بالإسلام.

قال- تعالى- مخاطبًا نساء المسلمين [وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى] الأحزاب: 33.

وفي العصور المتأخرة دخل التبرج على المسلمين بسبب الإعراض عن هداية الدين، وبسبب الحملات الضارية على المرأة المسلمة؛ كي تتخلى عن وقارها وحيائها وحشمتها ودينها.

كما دخل على المسلمين من باب التقليد الأعمى للغرب ومحاولة اللحاق بركابه؛ لئلا يقال: متخلفون رجعيون!

وإذا أنكر منكر على أولئك الذين يدعون إلى التبرج والسفور وصموة بالتخلف والرجعية؛ فهل تقليد الغرب في مستهجن عاداته إلا التخلف بعينه؟ أو ليس هذا التقليد مما يزيد الشعوب المقلدة وهنًا على وهن؟ !

وإذا أردت الدليل على أن التبرج تخلف عن ركب الحضارة فانظر إلى انحطاط خصائص الجنس البشري في الهمج من العراة الذين لا يزالون يعيشون في المتاهات والأدغال على حال تقرب من البهيمية؛ فإنهم لا يأخذون طريقهم في مدارج الحضارة إلا بعد أن يكتسوا.

ويستطيع المراقب لحالهم في تطورهم أن يلاحظ أنهم كلما تقدموا في الحضارة زادت نسبة المساحة الكاسية من أجسادهم.

كما يلاحظ أن الحضارة الغربية في انتكاسها تعود في هذا الطريق القهقرى درجة بعد درجة حتى ينتهي الأمر إلى العري الكامل في مدن العراة التي أخذت في الانتشار بعد الحرب العالمية الأولى، ثم استفحل داؤها في السنوات الأخيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت