فهرس الكتاب

الصفحة 1694 من 2255

وقبل أن نقف أمام تفاصيل المشهد الحالي ، وتياراته ومناهجه ، يكون من الضروري رصد تطورات الحالة الفكرية الإسلامية في العصر الحديث ، منذ بدايات ما يسمى بالنهضة الحديثة وحتى اليوم ، لأن الكثير من التفاصيل إنما تعود إلى جذور بعيدة في شجرة الفكر الإسلامي المعاصر ، يصعب إدراك الصورة العامة الحالة دون العودة إليها والنظر في تياراتها . عندما انكشف العالم الإسلامي أمام التحولات الحضارية الغربية الكبيرة ، وعندما تحول التحدي الحضاري إلى تحد عسكري مباشر ، من خلال قيام الجيوش الأوربية باستباحة أراضي العالم الإسلامي ـ إلا قليلا ـ حيث ذهب كل مستعمر بجزء من"الكعكة"الإسلامية ، أكبرها لبريطانيا ، وبعدها فرنسا ثم إسبانيا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا ، وجد المسلمون أنفسهم أمام صدمة حضارية قاسية ومريرة ، وبدا العقل الإسلامي يطرح السؤال الذي طالما تأخر طرحه ، وهو السؤال الذي جسدته رسالة مسلمي جزيرة"جاوه"ـ إندونيسيا حاليا ـ إلى السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار: لماذا تخلف المسلمون ولماذا تقدمت أوربا ، وهو السؤال الذي عرضه رشيد رضا على الأمير شكيب أرسلان الذي أجاب عليه تفصيليا ثم نشرت الرسالة والجواب عليها في كتاب بعد ذلك يحمل نفس الاسم ، في تلك الفترة كانت الصدمة هي شعار المرحلة ، والصدمة بطبيعة الحال لا تدع مجالا للفكر أن يقيم لوحة الواقع تقييما متكاملا وعقلانيا وراشدا ، لأن الصدمة تولد حالة الذهول ، وفي هذه الحالة يكون الإنسان أكثر احتياجا إلى المحافظة على موطئ قدمه ، ومكانه ، حتى لا تزل قدمه فيما هو هلاك له ولا يدري ، أو أن تزداد خسارته إذا ترك مكانه الذي هو فيه إلى تراجع أكثر وأخطر وأفدح وهو غير مدرك لاتجاهات الفعل الحضاري وريح التقدم ، وهكذا كان العالم الإسلامي في تلك المرحلة ، مرحلة الحفاظ على الذات والهوية والدين واللغة من الاستباحة والانمحاق أمام تيارات الفكر والتحضر الغربية البالغة الحيوية والعميقة النفاذ والتأثير ، ولذلك شهدت هذه المرحلة المبكرة العديد من المعارك التي تمثل"معركة دفاعية"إن صح التعبير ، هدفها الدفاع عن الأصالة ضد موجات التغريب التي تتسلل من خلال مستشرقين أو تلاميذهم أو بعض الشباب الجديد المتهور المنبهر بأوربا وحضارتها وأخلاقها وفكرها ، فكانت هناك معركة مثل معركة العلماء والمحافظين مع قاسم أمين وكتابيه"تحرير المرأة"ثم"المرأة الجديدة"وشنوا فيها حربا شعواء عليه ، وللحقيقة أن جمهور الأمة كان مع العلماء في هذه المعركة ، والقلة المتغربة هي التي ناضلت مع قاسم ، لأن عموم الناس كانت تستشعر القلق ، وإن كانت عاجزة عن طرح بدائل أو حتى تصورها ، ثم كانت معركة على المنوال نفسه مع علي عبد الرازق وكتابه"الإسلام وأصول الحكم"حيث حاول الرجل إهدار الشريعة الإسلامية جملة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقانون بأفرعه كافة ، بل أهدر وجود شيء اسمه الخلافة أو الدولة في الإسلام ، والحقيقة أن من يقرأ كتاب علي عبد الرازق يهاله مبلغ الضحالة الفكرية والمنهجية في هذا الكتاب ، فهو بالتعبير الدارج"تافه"ولا يتأسس على منطق سوي ولا حجة بليغة ولا عقلانية مفهومة ، ويصعب تصور أن من كتبه قد مر يوما على الدراسات الشرعية أو التاريخية في الإسلام ، ولكن القلق الذي سببه الكتاب كان كبيرا ، وذلك أن العالم الإسلام كان قلقا من حالات الانهيار المتلاحقة ، وكان آ خرها انهيار دولة الخلافة العثمانية ، التي وإن كانت طللا هشا وشكليا وقتها بفعل الدمار والتخريب الذي فعلته جماعة"الاتحاد والترقي"والمؤامرات المتعددة من الدول الأوربية ، إلا أنها كانت تمثل ـ حتى ذلك الحين ـ رمزا في الوجدان الإسلامي على عالمية الأمة المسلمة وهيبتها التاريخية ، وأيضا شاهدا حيا على تواصل حضور القوة السياسية الإسلامية ـ من خلال دولة الخلافة ـ منذ الخلافة الراشدة وحتى نهاية الدولة العثمانية بلا انقطاع ، ولم يكن العقل والضمير الإسلاميان يستوعبان كيف يمكن تصور حياة الأمة من غير سياج الخلافة ، ولعل من أبرز ما يدلنا على هذا القلق والحيرة ، أن علماء الأزهر ، وأغلبهم حنفية ، ظلوا يصلون الظهر جماعة يوم الجمعة عقب صلاة الجمعة ، عقب إعلان الكماليين إسقاط الخلافة ، وذلك لأن فقه الأحناف يربط إقامة الجمعة بنصب الإمام أو الخليفة ، وظل هذا الحال عدة سنوات في مصر قبل أن يستوعب الناس صدمة موات دولة الخلافة .

في أعقاب هذه المرحلة ، مرحلة الصدمة ، بدأت الأمة تعاني من اختراق فكري وعقيدي وأخلاقي واسع النطاق ، من خلال ظهور تيارات سياسية وافدة مثل الحركات القومية العلمانية ، والحركات الشيوعية ،وتيارات الإلحاد الديني ، وهي تيارات كانت تستلهم مددها وحيويتها من مجمل الأوضاع المحيطة بها في العالم الإسلامي ، أكثر مما تملكه من فكر أو رأي أو مصداقية ، فقد استمدت الحركات الشيوعية قوتها من مظاهر البؤس الاجتماعي التي كانت تعيشها جماهير الأمة ، وكذلك الظلم السياسي ونحو ذلك ، في الوقت الذي لم يتقدم الفكر الإسلامي بطرح بديل يواكب هذه التحديات الجديدة ، والوعي بها في المجتمع الإسلامي ، وكان من أسوأ المواقف التي وجد الفكر الإسلامي نفسه فيها أن يكون موقفه هو الموقف الدفاعي ضد الشيوعية كعقيدة ملحدة ومخربة للقيم الاجتماعية والأخلاقية ، وهي كانت بالفعل كذلك ، ولكنها كانت أيضا مشروعا للتحرر الاجتماعي والعدالة ونحو ذلك ، وكان من المفترض أن يتقدم الفكر الإسلامي بطرح بديل يقطع الطريق على متاجرة هذا التيار الإلحادي بالقضية الاجتماعية ، وهو ما لم يحدث إلا في فترات متأخرة ، في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين ، عندما كتب سيد قطب ـ على سبيل المثال ـ العدالة الاجتماعية في الإسلام ، وكتب الغزالي ومصطفى السباعي وغيرهم ، وهو ما سوف نعود إليه . وكذلك كانت تيارات المد القومي الجديدة ، والتي نبتت أساسا بالشام ، فالتحمت ـ بحكم المولد والمخاض ـ بالخلفية الطائفية ، حيث برزت الحركة القومية على يد عناصر مسيحية ، كان لها بالضرورة حساسية خاصة مع الإسلام والفكر الإسلامي ، وبالتالي ، ولدت فكرة القومية متباعدة عن الإسلام ومفارقة له ، وبمرور الوقت والتقارب بين التيار القومي والتيارات اليسارية ، حملت الحركة القومية بأبعاد معادية للدين وكارهة لأي دور له سياسيا أو اجتماعيا أو تشريعيا ، ومرة أخرى لم يملك الفكر الإسلامي طرحا بديلا ، يملك الحيوية والجرأة وروح التقدم ، لقطع الطريق على هذا الانحراف بالوعي القومي، وقد كان الأمر ميسورا تماما ، لاحتواء الروح القومية التي تنامت في أعقاب تولي الكماليين للسلطة في تركيا ، ولكن الفكر الإسلامي كان ما زال في أجواء الصدمة ، والرغبة على الحفاظ على الأصالة والهوية ، دون بذل جهد جاد وحقيقي لدعم هذه الهوية في عالم جديد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت