لكن نعود مرة أخرى لمفهوم الوحدة الوطنية، بمعنى نزع الطابع الديني عنه، وأن يكون الدين لله والوطن للجميع، أو بمعنى فصل الدين عن الدولة على نسق الخبرة الغربية، لابد من الإشارة هنا إلى الخبث العلماني في نسخته العربية البائسة، فالعلمانية كما طرح البعض هي حركة إحيائية داخل الحضارة الغربية، بمعنى أنها تعود إلى المسيحية في صورتها الأصلية التي تدعو إلى الفصل بين الدين والسياسة"أي بالتمسك بمبدأ دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر"أي فصل ما للكنيسة ولرجالها عن الدولة التي تم طرحها كإطار يجمع ولا يجزأ في الخبرة الغربية، لكن الدولة لم تلغ الكنيسة، ومن ثم فالوحدة الوطنية بالنسبة لغير المسلم في مصر تعني الانتماء إلي الدولة المصرية دون التخلي عن ممارساته الدينية، لكن المسلم الذي يدعو دينه الإسلام إلى عدم الفصل بين الدين والسياسة سوف يجد نفسه محكومًا بنظام سياسي غير إسلامي، أي لا يستلهم الإسلام كشريعة وكمرجعية في إدارة الشؤون السياسية .
وهنا فالوحدة الوطنية هي حيلة علمانية لإبعاد الإسلام عن السياسة وعن إدارة شؤون الدولة والتي من المفترض أن تكون دولة إسلامية أي محكومة بالشرعية الإسلامية، ولم يظهر شعار الوحدة الوطنية في مصر بشكل واضح إلا في فترة السبعينات، حيث اعتبره النظام الساداتي أحد أسس نظامه خاصة مع تصاعد المطالب الطائفية للجماعة القبطية في مصر مع ظهور البابا شنودة في فترة السبعينات، وتحول الكنيسة من دار للعبادة إلى دولة موازية للأقباط هي التي تقدم لهم الخدمات، وهي التي يتكلم رئيسها باسمهم في مواجهة الدولة وهو ماجعل قطاع واسع من الأقباط يرفض تدخل البابا شنودة في القضايا السياسية باعتباره رجل دين، وتحدث البعض عن هل الانتماء القبطي للدولة أم للكنيسة ؟ كما أن قطاع من رجال الدين الذين جرى تهميشهم من جانب البابا شنودة قاوموا فكرة التدخل السياسي للبابا في الشؤون العامة، وقاد التوظيف العلماني للوحدة الوطنية ضد الصحوة الإسلامية، وضد المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر لصالح الأقباط التي فجرت أحداث العنف الطائفية في مصر عام 1981م والتي كانت أحد الأسباب التي قادت السادات إلى اعتقالات سبتمبر، فبينما جرى توظيف شعار الوحدة الوطنية في مواجهة الإسلاميين من العلمانيين، استغل البابا شنودة الشعار لطرح مطالب ذات طابع طائفي مثل زيادة عدد الكنائس، والحصول على نسب في الوظائف العليا تساوي نسبة الأقباط، هذا الأمر دفع السادات في بعض خطبه إلى القول"أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة"أي أن الكنيسة هي الأخرى استغلت شعار الوحدة الوطنية لصالح مطالب طائفية في مواجهة الدولة، ولم تلتزم بفكرة المواطنة التي تعد المرادف من وجهة النظر العلمانية والكنسية لشعار الوحدة الوطنية .
عودة الطائفية والحديث عن الوحدة الوطنية
ظل شعار الوحدة الوطنية أحد أدوات الاتجاه الاستئصالي العلماني في مواجهة الصحوة الإسلامية والتيار الإسلامي والمشروع الإسلامي، طوال فترة الثمانينات والتسعينات، والتي شهدت أحداث عنف طائفية في مصر بالوجه القبلي وكان أخطرها أحداث الكشح عام 1989م والتي أعطت مؤشرات على خطر عودة الطائفية والارتباط بالقوى الخارجية وإحساس الأغلبية بأنها محاصرة مع شعور الأقلية بالاستقواء بالخارج، وقبل أن ينصرم القرن الماضي بدأت أمريكا تدخل الجانب الديني في سياستها الخارجية، وأنشأت ما عرف بقانون الاضطهاد الديني أو قانون الحريات الدينية، والذي وضع غالب الدول الإسلامية على اللائحة السوداء باعتبارها دولا تضطهد الأقليات وركزت التقارير السنوية التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية عن الحريات الدينية على مطالب طائفية للأقباط في مصر، وتكلم آخر تقرير عن اضطهاد الشواذ باعتبارهم أقلية من المنظور الأمريكي، وتوعد هذا التقرير علماء الدين المسلمين أنهم إذا لم يفسروا الدين بطريقة تعبر عن حرية الضمير الديني _أي حق الشواذ في التعبير عن فسادهم - فإنهم سيدخلون تحت طائلة الإرهابيين، وسيتم القبض عليهم في سياق الحملة الدولية لملاحقة الإرهاب من المنظور الأمريكي .
أي أن مسألة الأقليات لم تعد فقط دعما علمانيا داخليا عبر شعار الوحدة الوطنية سيئ الصيت، وإنما أصبحت المسألة تدخلًا دوليا لحماية حقوق الأقليات تحت شعار الحماية الدينية لهم، وظهرت دوائر قبطية للتأثير من الخارج مثل أقباط المهجر الذين يتحالفون مع المنظمات الأصولية الإنجيلية، بل ومع المنظمات الصهيونية لدعم المطالب الطائفية لطائفتهم في الداخل، وبدت الدولة المصرية غير قادرة على مقاومة الضغوط الخارجية وفي الوقت نفسه هي تتحرك في محيط أغلبيته مسلمة، لكنها وتحت الضغوط الخارجية حاصرت مظاهر الصحوة الإسلامية، بل وتعقبت التعبير الإسلامي الطبيعي لعوام الناس، وكان أغرب ما قامت به هو الحديث عن الشروط العشرة لبناء المساجد، أي أن الأمر وصل إلى أن تقوم الدولة بمحاصرة المساجد التي تمثل المتنفس الوحيد للناس، وهو ما لم يحدث في تاريخ الإسلام وفق ما نعرف، نعم عرفنا الشروط العشرة لبناء الكنائس باعتبار أن الدولة غالبيتها مسلمة وتنظم أمور أقليتها، لكن أن يصل الأمر إلى حد تنظيم بناء المساجد واختفاء شروط بناء الكنائس فهذا مالم نسمع عنه .
وكان مدهشًا في الأسابيع الماضية أن تحدث حادثتان أثارتا جدلًا كبيرًا ويعكسان كيف يتم استغلال مفهوم الوحدة الوطنية بشكل ذرائعي ضد الوطن وضد الإسلام، الحادثة الأولي هي:
تصريحات البابا شنودة في نادي الليونز، والتي طالب فيها بضرورة التمثيل النسبي للأقباط في المجالس النيابية، وأنه خشي أن يفسر سكوته من جانب من سأل وهو قبطي على أنه يخشى الحكومة المصرية، وأكد في حواره مع جريدة الأسبوع المصرية المستقلة إنه يتحدث بلسان طائفة من الشعب هم الأقباط، وقال بالحرف الواحد: إنني يهمني مصلحة قطاع معين من الشعب يريد أن ينال حقوقه"وقادت تصريحات البابا الطائفية إلى انزعاج في الأوساط المصرية أن تكون قراءة كاشفة للوضع الدولي الجديد الذي يجري الترتيب له من جانب أمريكا في المنطقة تحت عنوان"الشرق الأوسط الجديد"."
الواقعة الثانية هي التدخل الفج للكاتب"مفيد فوزي"في واقعة منع الداعية الإسلامي"عمرو خالد"من الخطابة من موقعه كقبطي وليس كعلماني، واعتباره أن طرد عمرو خالد هو تأكيد للوحدة الوطنية، ووصفه له بأوصاف جارحة ومهينة وهو داعية إسلامي مثل وصفه له"براسبوتين"وأبو جهل وداعية القنوات الفضائية، كما هلل لميرنا المهندس الفنانة المصرية التي خلعت حجابها، واعتبر الحجاب حجابًا للعقل وحائلًا دون الوحدة الوطنية، ودون الوجه العلماني لمصر وقال"بعودة ميرنا المهندس تكون مصر عادت لمصر الوحدة الوطنية، مصر الحضارة، مصر في مواجهة قوى الظلام والغيبيات ودعاة الاسموكن ."
وهذه الواقعة الثانية قادت كتابًا في صحف عديدة لاعتبار ماحدث فتنة طائفية لعن الله من يوقظها، وهاجمت هذه الصحف بعنف ما كتبه"مفيد فوزي"وهو ما جعله يتراجع عن تصريحاته بضغوط سياسية .
وحدة الأمة المفهوم البديل