فهرس الكتاب

الصفحة 1707 من 2255

لقد ركَّز معهد القيم بالولايات المتحدة الأمريكية في بيانه الذي وقَّع عليه ستون مثقفًا أمريكيًا ،والذي أعطاها هذا العنوان"على أي أساس نُقَاتل؟"تبرير حرب الإدارة الأمريكية على ما أسمته إرهابًا أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م بأنَّها حرب أخلاقية تستهدف الحفاظ على المبادئ والقيم الخمسة التي يؤمن بها الموقعون على البيان ،طالبين من المسلمين رجالًا ونساءً أن ينضموا معهم في تأييد هذه الحرب وتبني القيم الأمريكية .

هذا ولمّا كان البيان قد كشف مدى تضليل الإعلام الغربي الذي تسيره الصهيونية العالمية للمثقفين الأمريكان ممن وقَّعوا على هذا البيان الذي حوى على كثير من المغالطات والمتناقضات رأيتُ من واجبي كمثقفة مسلمة وصاحبة فكر وحاملة أمانة القلم أن أفتح باب الحوار مع موقعي هذا البيان ،ومع أي مثقف أمريكي أو أوربي يريد أن يتحاور معي حول مبادئ الإسلام وقيمه وعلاقة الغرب به ،لأصحح له الرؤى ،وأوضح له معالم صورة الإسلام التي عكف الاستشراق الغربي على مدى ثمانية قرون ،والصحافة الصهيونية على مدى قرن من الزمان على تشويهها وتضييع معالمها .

وأتمنى أن يكون ردي على بيان مثقفي أمريكا بمثابة بيان مثقفي العرب والمسلمين في كل مكان ،فمن يجد في هذا الرد من مثقفي الأمة يمثل رأيه فإنَّني أدعوه أن يضم توقيعه إلى توقيعي .

والنقاط التي سوف نناقشها في هذا البيان هي:

أولًا:المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها القيم التي نؤمن بها نحن المسلمين والمنبثقة من أسس العقيدة الإسلامية.

ثانيًا: القيم الأمريكية والمبادئ الخمسة التي يدافعون عنها .

ثالثًا: أحداث سبتمبر ،وإعلان الغرب الحرب على كل ما هو إسلامي،والتي وصفها البيان الأمريكي بالحرب العادلة والحرب الأخلاقية،وأنَّها لصالحنا نحن المسلمين.

رابعًا: موقفنا من سياسة الإدارة الأمريكية تجاه إسرائيل ،وتجاه الدول الإسلامية بما فيها الدول العربية،وفي حربها على ما أسمته بالإرهاب.

خامسًا: النظام الإسلامي في الحكم،ودعوة البيان إلى فصل الدين عن الدولة ،والحكم بالحكم العلماني الوضعي.

أولًا: المرتكزات الأساسية للقيم التي نؤمن بها والمنبثقة من العقيدة الإسلامية:

1-الإيمان بأنَّ الله هو الخالق الرازق المحيي والمميت ،وهو الحي الذي لا يموت،وهو الواحد (الأحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد ) (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) فنحن هنا نختلف مع استناد مؤسسي الولايات المتحدة إلى دعوى دينية أساسية أنَّ جميع البشر خلقوا على صورة الله،فالإنسان خلق بنفحة من روح الله ،ولكنه لم يخلق على صورة الله.كما نؤمن بأنَّ الله هو القاهر فوق عباده ،وليس أية قوى بشرية ،فأية قوة بشرية مهما بلغت من قوة فلن تكون فوق قوة الله فتستبد معتقدة بأنَّها هي القوة الأوحد ( وهو القاهر فوق عباده ) ( فعَّال لما يُريد) فنحن نؤمن إيمانا كاملًا بأنَّ الحياة والموت والرزق ،وكل شئ بيد الله وحده ،ولا يستطيع أي كائن كان مهما بلغ من قوة وبطش أن ينزع الحياة والرزق منَّا بدون إرادة الله ،فالإسلام قد حرَّر الإنسان من عبودية الخلق الذي ظل عبدًا لأسياده ألوف السنين ،ولم يذق طعم الحرية إلاَّ بالإسلام ،انظروا إلى أحوال شعوب الأرض قبل بزوغ فجر الإسلام كم عانت من اضطهاد وظلم واسترقاق البشر من حكام وإقطاعيين! فالعالم لم يعرف العدالة والحرية والمساواة إلاَّ من الإسلام، ولذا فنحن نحب خالقنا الذي حررنا من كل أنواع وصنوف العبودية للخلق، ولا نخشى ولا نخاف إلاَّ إيَّاه الذي جعل العزة للمؤمنين كما جعلها له ولرسوله ،إذ قال عزَّ وجل (( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) ) (المنافقون:8) ،فالمسلم الحق لا يرضى بالذل والخنوع والخضوع ،إنَّه يرفضُ الضيم،فعلاقة الإنسان في الإسلام بربه علاقة جد وثيقة قائمة على العبادة له طاعةً ومحبةً ومراقبته في كل قول وعمل خوفًا من عقابه ،وطمعًا في رحمته وثوابه،ورغبة برؤيته يوم القيامة والفوز بالجنة.

2-الإنسان كائن مكلف وصاحب رسالة ،يقول تعالى: (( وإذْ قَال رَبُّكَ للمَلاَئِكِةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأْرْضِ خَلِيفَةً قَالُوُا أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِد فِيها وَيَسْفِكُ الدَّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّح بَحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَالاَ تَعْلَمُونَ ) ) ( البقرة 30) ،ويقول تعالى: (( إنَّا عَرَضنَا الأَمانةَ عَلى السَّمَاوَاتِ والأْرْضِ والجِبَال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشَفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَها الإِنْسانُ إِنَّه كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) ) ( الأحزاب:72) . والإنسان لا يكون ظلومًا جهولًا إلاّ إذا كان ذا عقل ،فيعرف به أعباء هذه الأمانة ،ومع هذا يتعدى حدودها ؛إذ ظلم نفسه بتحمل أعباء يعرفها ويتعدى حدودها ،وجهول لأنَّه يتعدى تلك الحدود لجهله بها. وهنا يتضح لنا سبب اختيار الله للإنسان لمسؤولية الاستخلاف . فالعقل والتفكير مناط التكليف ؛ لذا اشترط التكليف بالعقل ،فإن انعدم العقل سقط التكليف ،لذا نجده سقط عن الصغير والمجنون والمعتوه ،فالإنسان مكلف بعمارة الأرض ،وبأمانة الاستخلاف لأنَّه ذو عقل ،ووجود عقل يعني وجود فكر ،ودور العقل في هذه القضية جد عظيم ،وهو موضع اعتبار الإسلام وتعظيمه ليكون في الدرجة الأولى من الأهمية والفعالية والعطاء ،ومن الوصول بالإنسان إلى مداخل الحق والخير ،وتمكينه من استيعاب الحقائق التي تملأ أرجاء هذا الكون المعمور ،وفي طليعتها حقيقة الإيمان بالله الذي يملأ وجوده الكون وما فيه لتكون له الهيمنة المطلقة التي تحيط بأرجاء الوجود من أطرافه ،ومن أقصاه إلى أقصاه ،وقد ورد ذكر العقل في القرآن الكريم ومشتقاته ثمان وأربعين مرة ؛إذ يدعو فيها أن يتفكر العقل في ملكوت الله ،وفي خلائقه المنتشرة ،وفي تركيبة هذا الكون الزاخر المعمور حتى يصل العقل إلى التصديق المطمئن بوجود الإله الخالق المهيمن الأعظم.

3-عبادة الله هي المهمة العليا لهذا الإنسان ،وقد بيَّن هذا قوله تعالى: (( ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إلاَّ ليَعْبُدُون ) ). فالإنسان خلق لعبادة الله ،ولتحقيق أمانة الاستخلاف وعمارة الأرض ،فهذه الآية والآيتان السابقتان عن أمانة الاستخلاف تدحض العبثية الوجودية التي تقول بعبثية الخلق ،وأنَّ الإنسان مادام سيموت فلا هدف من حياته ،ولا قيمة لأي عمل يعمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت