وواقع الحال أن الإنسان لا يملك إلا الإشادة والثناء على مبادرة المثقفين السعوديين ، من منطلق عدم ترك الساحة"الفكرية"لإدعاء أمريكي بحوار ، ومن تقدير لضرورة دخول المعترك الفكري والحواري باعتبارنا أمة حوار ، وربما أيضا من منطق ضرورة طرح وجهات نظر العرب والمسلمين على أوسع نطاق على الرأي العام الغربي .. ونخبه في هذا الظرف بالذات .. وهو بيان فكري راق في طرحه للقضايا التي تطرق لها .
إلا أن ثمة زاوية أخرى للنظر أو للتعامل مع البيان الأمريكي ، قد تكمل زاوية النظر التي رآها المثقفون السعوديون في البيان الأمريكي ، ألا وهي زاوية التأمل في الدوافع والأهداف خلف صدوره .
ومن ثم فإذا كان طبيعيًا ألا يتطرق البيان السعودي للدوافع خلف صدور البيان الأمريكي بصفة الأول بيانًا حواريًا حول ما ورد من مضمون في البيان الثاني .
يبقى من حق الآخرين أن ينظروا بتأمل في الأبعاد الحقيقية والدوافع خلف صدور هذا البيان ، وهى نظرة تقوم في واقع الحال إضاءة كاشفة على ما ورد به من تفكير أو بالأحرى تبرير ، كما تجعله مفهومًا على نحو أفضل.
ونستدرك بداية بالإشارة إلى أنه رغم أهمية إلقاء الضوء والتساؤل حول الأسماء الموقعة على البيان الأمريكي - حيث إن ورود أسماء مثل (صمويل هانتجتون) منظر صراع الحضارات (وفرانسيس فوكوياما) منظر نهاية التاريخ يكشف أبعادًا مهمة لفهم البيان أو لفهم الخلفيات الفكرية لمصدريه - إلا أننا آثرنا عدم التطرق لذلك حتى لا يضعف التركيز على الأهداف والدوافع العامة لصدور البيان .
"المأزق الأمريكي"
المتابع لتفاصيل خريطة التعامل الأمريكي مع العالم (خاصة العربي والإسلامي ) بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر، لا شك يكتشف للوهلة الأولى ، أن ثمة ثغرة خطيرة في هذا التحرك ، تتمثل فيما طرح من مبررات للقيام بالعدوان على أفغانستان وامتداد الحملة إلى دول أخرى تحددها أمريكا وحدها وما طرح من مقومات ومؤهلات تملكها أمريكا لتؤهلها للسيطرة على العالم أو لتكون حكومة العالم تفرض"الأمن"وتؤدب الخارجين على"النظام".
أمريكا لم تطرح سوى لغة القوة والعنف والقهر .. لم تطرح نفسها في هذه المعركة الإستراتيجية"للقضاء على الإرهاب في العالم"إلا باعتبارها صاحبة قوة عسكرية باطشة أي دون أن تطرح أية ملامح فكرية وقيمية وعقدية وحضارية ، أو دون أن تقدم نفسها كنموذج متكامل جاذب للدول والحضارات وقابل للاحتذاء به ، الأمر الذي جعل معركتها عارية تمامًا من كل تبرير أيديولوجي في هذه المعركة ، أفقدها تراثها السابق - القديم - كبلد الدفاع عن الشعوب ، وتاريخها الحديث باعتبارها القوة المدافعة عن الحريات وحماية حقوق الإنسان والدفاع عنها في كل أنحاء العالم ... لقد اقتصر ما صدر عن الولايات المتحدة في هذه المرحلة على إظهار نفسها كنموذج للقوة الباطشة والتدخل العسكري بلا حدود أو ضوابط وباعتبارها القادرة على الاعتداء وإلحاق الهزيمة بأية قوة أو بلد في كل أنحاء العالم .
ورغم أن الولايات المتحدة كانت ترتكب كل الجرائم الحالية - من قبل- لكنها كانت ترتكبها قديما مقترنة بطرح أهداف قيمية على العالم .
لقد كانت الولايات المتحدة تطرح نفسها دومًا على أنها ممثلة"حضارة الحريات والتعددية والعالم المتحضر في مواجهتها للشيوعية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الستينيات وفى أثناء عدوانها على فيتنام وكوبا وغيرها."
وأيًا كان رأينا في هذه الادعاءات في تلك الفترة صحتها أو صلاحيتها لتبرير العدوان وقتل وإبادة الشعوب إلا أن المهم هنا أنها كانت تبذل جهدًا دعائيًا كبيرًا في طرح نفسها للعالم باعتبارها النموذج الأرقى للحضارة الغربية وأنها صاحبة القيم الإنسانية .
وحينما انتهى الاتحاد السوفيتي وكانت الضربة القاصمة للأفكار الشيوعية في العالم قدمت الولايات المتحدة نفسها لقيادة العالم باعتبارها راعية حقوق الإنسان .. والمدافعة عن التعددية والديموقراطية في العالم .. والمدافعة عن استقلال الدول وسيادتها وقد استمر الوضع على هذا الحال حتى خلال حربها الإجرامية ضد العراق حيث جرى حشد التحالف الدولي ضد العراق بادعاء المحافظة على استقلال دولة ضد عدوان ينتهك سيادتها والمحافظة على حدود الدول .
كما حاولت الولايات المتحدة تقديم نمط حكمها الداخلي كبلد نموذج لتعايش جميع الأعراق والثقافات الإثنية والعرقية .
وتحت هذه التبريرات وتلك الصورة بدأت تفرض نفسها ورؤاها على العالم . لقد صارعت الصين بهذه الدعاية .. وتدخلت في إفريقيا تحت هذا النموذج وشنت حربها الإعلامية على الترابي في السودان ومشرف في باكستان والديكتاتوريات العسكرية في إفريقيا تحت هذه المفاهيم .
لكن خوضها الحرب الأخيرة ، في أفغانستان جاء خاليًا من الادعاءات القيمية والمفاهيمية تمامًا ، فلم نسمع سوى ادعاءات بالدفاع عن النفس والاعتداد بالقدرة العسكرية الهائلة كما لم يجر الاهتمام حتى بتقديم مجرد دليل ثبوتى واحد على حركة طالبان أو القاعدة - ولو كان حتى مفبركًا - لتأكيد تورطهما في أحداث 11 سبتمبر ، وحينما حاولت الإدارة الأمريكية تقديم رؤية قيمية لخوض هذه الحرب جاءت"القيم"التي طرحها الساسة والعسكريون قيما عنصرية وعدوانية - حرب صليبية - الحضارة الإسلامية همجية - دول محور الشر - حرب مقدسة .
وطرحت صياغات سياسية فاشية مثل"من ليس معنا فهو ضدنا".. إن العودة إلى التصريحات الأمريكية في تلك الفترة يظهر هذه الحالة .. لم تطرح الولايات المتحدة سوى لغة القوة والبطش والإرهاب ، الأمر الذي أثار إشكاليات خطيرة في صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي بشكل خاص .
ولهذا كله جاء البيان الأمريكي محاولة لمعالجة هذه الثغرة وإدراكًا من أصحاب فكرته بأنه لا يمكن بناء إمبراطورية عالمية استنادًا إلى فكرة القوة العسكرية الفاشية أو فكرة إخافة الآخرين من القوة الباطشة وحدها .. ولذلك أيضًا عنون أصحاب البيان بيانهم بشكل يعوذه حتى ذكاء المواربة القيمية فجاء تحت عنوان"على أي أساس نقاتل".. ومن ثم فإن من يتابع البيان وما ورد فيه سيجدها بالدقة لغة خطاب تبريرية للحرب الراهنة .. أو هي إكمال - بأثر رجعي - للحرب التي أعلنت دون مبررات قيمية أو أخلاقية .. بل يمكن القول دون افتئات على الحقيقة أنه محاولة لإلباس تصريحات بوش ورامسفيلد لغة القيم والمفاهيم .
هذا الأمر حاسم في فهم ما ورد في هذا البيان وعلى من يريد اختبار هذه الفكرة جيدًا أن يقرأ الخطاب الصهيوني في الحرب العدوانية العسكرية الغاشمة ضد الشعب الفلسطيني - خاصة من قبل شارون ونتنياهو - وأن يعيد تركيب البيان باعتباره صادرًا من مثقفين صهاينة .. ساعتها سيدرك الأبعاد والدوافع لصدور البيان كتبرير دعائي في شكل قيمي أو باعتباره تنظيرا للعمل الحربي .
"الأزمة الأخطر"
لقد حدث المأزق الأمريكي المشار إليه سابقًا في ظرف كانت الولايات المتحدة في أشد الحالات حاجة لضرورة تقديم نفسها كنموذج حضاري - أي بقوة النموذج لا نموذج القوة - في ظل أطروحات"نهاية التاريخ"- التي قدمت رؤية تنظيرية لانتصار القيم والمفاهيم الغربية على جميع القيم والثقافات الأخرى - ومفهوم صراع الحضارات الذي يقدم تنظيرا لشكل الصراع المفاهيمى والقيمي والعقائدي في هذه المرحلة من حياة البشرية وأخيرا في ظل طرح مفهوم العولمة القائم على سيطرة الحضارة الغربية ومفاهيمها .