لم يتوقف هذا التناقض الجوهري، وليس مقدرًا له أن يتوقف، ولكن يمكن ظهور تناقض ثانوي يزيح هذا التناقض الجوهري قليلًا مثل الحرب الباردة، وما أن تنتهي هذه الحرب حتى يعود التناقض الجوهري ليأخذ صدر المسرح.
الذي يعنينا هنا -وهدف هذا المقال- ليس ما سبق.. بل الحديث عن وجود تناقضات ثانوية داخل معسكر الأعداء، ولكن هذه التناقضات تتلاشى مباشرة إذا ما أطلّ التناقض الرئيس برأسه، وهذا لا يمنع بالطبع دراسة التناقضات الثانوية في معسكر الأعداء، وتفعيلها، والاستفادة منها، ولكن شريطة إدراك أن مجرّد اللعب على هذه التناقضات لن يعيد إلينا حقوقنا؛ بل فقط سيكون أحد العوامل المساعدة وشريطة أن نظل واعين بأنها تناقضات ثانوية.
من التناقضات الثانوية في معسكر الأعداء تاريخيًا الصراع بين إنجلترا وفرنسا إبان المرحلة الاستعمارية، وقد كانت كل من فرنسا وإنجلترا تتنافسان على النفوذ في مصر في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ووصل التنافس بينهما إلى درجة كبيرة، ولكن عندما اندلعت الثورة العُرابية في مصر فضلت فرنسا التضحية بالكعكة لصالح إنجلترا؛ لذبح الثورة العُرابية عام 1882م، وقد قام وزير الخارجية الفرنسية بنفسه بتهنئة الإنجليز عندما انتصروا على العُرابيين في موقعة التل الكبير، وقال وزير الخارجية الفرنسية وقتها: إنه يفضل"النفوذ الإنجليزي في مصر على نجاح ثورة إسلامية يمكن أن تكون خطرًا على المشروع الاستعماري الغربي بكامله".
وتكرر نفس الأمر عندما اعتمدت الحركة الوطنية المصرية (مصطفى كامل) على الدعم الثقافي والسياسي الفرنسي ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، ولكن سرعان ما ضربت فرنسا تلك الحركة الوطنية المصرية بتوقيع الاتفاق الودّي مع إنجلترا عام 1904م، والذي تمّ فيه تبادل المصالح بين الطرفين على حساب (المستعمرات) طبعًا.
نفس الأمر تكرر دائمًا مع الاتحاد السوفييتي السابق إبّان صراعه مع الولايات المتحدة، وتمّ اتفاق الطرفين على حساب مصر والعرب، ومرة أخرى في حرب الخليج الثانية التي عارضتها فرنسا في البداية ثم عادت فشاركت فيها.
وفي العدوان الأخير على العراق عارضت فرنسا وألمانيا مثلًا، ولكن من أجل المشاركة في الوليمة، وخوفًا من احتكار أمريكا لمنابع البترول (؟) ، ولكن حينما تأخر النصر الأمريكي قليلًا في بداية الحرب أبدى الرئيس الفرنسي انزعاجه من إمكانية انتصار (البربرية) ، وبعد اندلاع المقاومة العراقية بعد شهرين من الاحتلال ثم تعاظمها بعد ذلك خشيت ألمانيا وفرنسا أن تتحول تلك المقاومة إلى نصر وصحوة للعرب والمسلمين فتم التوافق على قرار في مجلس الأمن لتسمية الاحتلال الأمريكي باسم قوات متعددة الجنسيات، وأكثر من هذا فإن التحرك الأمريكي ضد سوريا ولبنان في مجلس الأمن تحت اسم القرار 1559 قد حظي برضا الفرنسيين بالكامل، وهو قرار يتحدث عن حل المقاومة، وبالتالي إطلاق يد إسرائيل في المنطقة، والأمر ذاته يحدث من أوروبا كلها وفرنسا بضمنها في موضوع السودان (دارفور) وموضوع الملف النووي الإيراني.
ولا ننسى في هذا الصدد أن الاتحاد الأوروبي كان قد اتخذ قرارًا باعتبار حماس منظمة إرهابية، وأن رئيس الوزراء الفرنسي"جوسبان"كان قد اعتبر حزب الله في لبنان حزبًا إرهابيًّا، وهو الأمر الذي قررته مؤخرًا الداخلية الألمانية التي اعتبرت أن من حق إسرائيل إقامة الجدار العازل، فوزير الداخلية الألماني"أتو شيلي"يعبر عن موقف حكومته، وقد صدر بيان من الخارجية الألمانية يؤيد ما قاله وزير الداخلية، وهكذا فالتناقضات الثانوية بين فرنسا وأمريكا أو ألمانيا وأمريكا لن تصل إلى حد تبني الحقوق العربية؛ بل فقط دور مريب أو محدود، وفي النهاية، ومرة أخرى فلا مانع من الاستفادة من أي تناقض ثانوي شريطة إدراك أنه ثانوي، وأن الطريق إلى الحقوق لن يكون إلا بقوانا الذاتية.
على أن المسألة الأكثر توضيحًا للفرق بين التناقضات الثانوية والتناقض الجوهري هو موضوع إسرائيل التي اعترف بها كل من أمريكا والاتحاد السوفيتي السابق ودول أوروبا وغيرها بعد قيامها بعدة ساعات، والتي تلقت دعمًا دائمًا من إنجلترا ثم فرنسا (الميراج الفرنسي، وإنشاء المفاعل الإسرائيلي في ديمونة.. بدعم فرنسي فني ومادي) ، وكذلك ألمانيا (التعويضات الهائلة لليهود التي أخذتها إسرائيل) ثم أمريكا الآن، وهل هذا الموضوع الإسرائيلي أو الفلسطيني يكشف حقيقة التناقضات، وطبيعة المسألة في جوهرها، وفيما هو رئيسي وثانوي؟
أين العدالة؟!
محمد العبد الكريم 17/4/1426
إن المجتمعات التي يُضرب فيها بالعدل عُرض الحائط يصبح الناس فيها إما ظالمًا أو مظلومًا، ويغدو التوسط ضربًا من الجنون.
وإنها لنتيجة طبيعية حين يشيع الظلم في البيت الصغير وفي القصر الكبير، ويتحوّل الناس في آن واحد إلى مظلومين وظالمين؛ إذ لا سبيل إلى حقوقهم إلا بظلم، يستعيدون بعضها ولو على رقاب الآخرين.
لقد كانت فكرة الحرية وحقوق الإنسان التي قامت عليه حضارة الغرب اليوم فكرة رائعة، لا يشك عاقل أن كل منتجات الحضارة المعاصرة تولّدت من تلك الحريات والعدل النسبي في رعاية حقوق الإنسان داخل دولهم.
ترى ماذا لو كانت تلك الفكرة انطلقت بإطارها الإسلامي ومرجعها الأخلاقي؟!
ماذا لو حقق الدعاة تقدمًا في تلك الفكرة، ولو عُلّقوا على المشانق من أجل انتصار الحريات وتحقيق العدالة؟
ماذا لو كان درس التوحيد ومحاضرة العقيدة تُُعلم للناس على منهج عملي ينقلهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؟
إن ما حققته الحضارة الغربية من"معجزات تقنية"وهي التي انفكت عن القيود الأخلاقية لا تعجز عنه الفلسفة الإسلامية لو كان لهذا الدين رجال!
وإن مشاهد الظلم المتكررة تنبئ عن فشل في ترتيب الأولى، وتقديم الأهم لدى مجمل حراك الإسلاميين في الساحة.
فقد غلب الطابع السجالي في البناء الفكري والتربوي، وأضيف إليه هاجس الترقب والخوف والحذر وكثرة الألوان والخطوط الحمراء حتى تحوّل الشاب إلى"دمية ناطقة"وهذا البناء الضعيف لا يزال يردّد قضاياه ويستعيدها بنَفَسِها وقالبها تاركًا خلفه أهم وأعظم وأخطر مكون حضاري للأمم والمجتمعات!!
إن الانتصار في قضايا حقوق الإنسان ودعم الحريات هو علامة النهوض الحقيقي للتنمية والصناعة والتطور؛ فالشعور بالحرية هو في الحقيقة إطلاق لقدرات الإنسان، والمساس بهذه الحرية يحوّله إلى كائن يأكل ويرعى ثم ينام في المأوى منتظرًا دوره في سلم المقابر.
إن قوانين الظلم تحول الحياة إلى"اللاحياة"، وتجعل من الضحية مجرمًا، والمجرم مستشارًا برتبة منفذ، وإن كافة معاناتنا اليوم إنما تولّدت لأن المجرم موجود والضحية في السجن، ولك أن تلحظ أن كافة أمور حياتنا تُدار وفق اعتبارات ظالمة تتحكم في حركة المجتمع، وإن أتت في بعضها صورة من صور العدل، فمعايير اختيار الأكفاء في إدارة شؤون الناس لا تحتكم إلى العدل، وإنما تخضع إلى مقاييس الولاء والقدرة على تحمل التجاوزات، فلم يعد الظلم شيئًا عارضًا بل هو في صميم قوانين الإدارة داخل الدولة.
وبهذا الظلم المقنن يدفع الناس الثمن باهظًا إن أرادوا العدل أو بعض العدل؛ لأن آليات كسب الحقوق القانونية لا تمكنك من حقك إلا بنوع من العنت والتشتت والملل لتتنازل في نهاية أمرك عن معظمه"وعساك تسلم".