فهرس الكتاب

الصفحة 1796 من 2255

تلك هي مواقف الأديان والحضارات من بعضها من بعض بصفة عامة. فما موقف الإسلام منها؟ مهمتي هنا ليست منهمة عالم السياسة الذي يصف المواقف الفعلية أو المتوقعة للأمم والشعوب والدول المنتمية للإسلام. إن المطلوب مني إنما هو بيان موقف الإسلام من حيث هو دين، أي الموقف الذي تهدي إليه نصوص الكتاب والسنة. إن سلوك المنتسبين إلى الإسلام متأثر بهذه النصوص على درجات متفاوتة، لكنه ليس بالضرورة متوافقًا معها دائمًا. فما الموقف الذي تهدي إليه هذه النصوص الكريمة؟

أولًا: من المعتقدات:

أول ما يلاحظه الناظر في هذه النصوص أنها تميز بين الحكم على المعتقدات ومعاملة المعتقِدِين. إن معتقدات الناس -دينية كانت أو غير دينية- متعددة مختلفة، لكن الذي يعطيه الإسلام منها أهمية، ويقدمه على ما سواه، ويقسم الناس بمعياره تقسيمًا أساسًا، هو المعتقدات المتعلقة بالخالق سبحانه: موجود هو أو غير موجود؟ يُعبد وحده أم يُشرك في عبادته معه غيره؟ أحد هو في ذاته وصفاته أم يشركه في بعض ذلك بعض مخلوقاته؟ أرسل رسلًا وأنزل كتبًا يجب أن تُتبع أم ترك الناس سدى؟

القول الأول من هذا كله هو الحق، والقول الثاني هو الباطل، ولا واسطة بينهما إذ (ماذا بعد الحق إلا الضلال) . وكل ما كان لازمًا عن المعتقد الحق فهو حق أيضًا، سواء كان صاحبه مؤمنًا بالحق الأساس أم غير مؤمن، وكل ما كان لازمًا عن المعتقد الباطل فهو باطل سواء كان صاحبه معتقدًا للباطل الأساس أو غير معتقد. والمسلمون مدعوون لقبول الحق حتى لو قال به غير مسلم، ولإنكار الباطل حتى لو قال به عالم مسلم. ذلكم هو حكم الإسلام على المعتقدات.

ثانيًا: من المعتقِدين:

أ . من المسلمين.

أما المعتقدون فهم فريقان: أصحاب المعتقد الحق وأصحاب المعتقدات الباطلة. أصحاب المعتقد الحق هم المسلمون وهم نوعان:

1.مسلمون بالمعنى العام؛ وهم كل من اتبع نبيًا بعثه الله تعالى ولم يكذب بأحد من الأنبياء الذين سمع بهم.

2.ومسلمون بالمعنى الخاص؛ وهم أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم من كل الجنسيات وكل الأقطار وفي كل الأمصار، منذ مبعثه وإلى قيام الساعة.

أصحاب المعتقد الحق هؤلاء مأمورون بأن يوالي بعضهم بعضًا موالاة كاملة قلبية وعملية، من أي جنس كانوا وفي أي عصر أو مصر وجدوا، أحياءً كانوا أو أمواتًا:

قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [التوبة:71]

(والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) [الحشر:10]

ولإنهم إنما اجتمعوا على الحق فموالاة بعضهم لبعض لا تكون إلا لنصرة الحق، أي إنهم مأمورون بأن لا يتعاونوا على باطل حتى لو كان ضد عدو لهم يمقتونه أشد المقت:

قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) [المائدة:2)

(ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا. إعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) [المائدة: 8]

بل إن المولاة تقتضي ليس فقط عدم التعاون والتناصر على الإثم والعدوان، وإنما تقتضي أن يمنع بعضهم بعضًا من ارتكاب الظلم والعدوان، وإن أدى ذلك إلى حمل السلاح على المعتدي المسلم:

قال الله تعالى:

(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المُقسطين) [الحجرات:9]

وقال صلى الله عليه وسلم:

انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قالوا يارسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تأخذ فوق يديه. [6]

ب. من غير المسلمين

أما أصحاب المعتقد الباطل فهم كل من سوى أهل المعتقد الحق من أهل الشرك والإلحاد والكفر بأنبياء الله والتمرد على شرع الله. فما الموقف منهم؟ إن مما يلفت نظر الإنسان في الإسلام في هذا الصدد كونه يعترف بوجود ما يُسمى الآن بالآخر، بل بدوام وجوده. يقول الله تعالى:

(وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف: 103]

والإسلام يختلف في هذا عن الأديان والأيدلجيات التي لا مكان فيها للآخر. بل قد نستطيع أن نجزم بأنه لا يوجد في دين أو أيدلجية غير الإسلام ما يوجد فيه من اهتمام بهذا الآخر وتفصيل للمواقف التي تتخذ معه في أحواله وأحوالهم المختلفة. فالشيوعية كانت تعد قبول الناس جميعًا لها أمرًا حتميًا. وقريب من هذا رأي فوكوياما الذي يعد الليرالية والرأسمالية نهاية المطاف لكل النظم المخالفة لها. إن مثل هذه التنبؤات تجعل صاحب المعتقد الذي تنبأ بها يضيق بالآخر ويعده سائرًا ضد حركة التاريخ، ومحكومًا عليه بالفناء، فلا يبالي بالكيفية التي يعامله بها، بل قد لا يبالي بالتخلص منه معتقدًا أن إنما يساعد بذلك حركة التاريخ.

ماذا نفعل مع هؤلاء المخالفين لنا بعد أن أُمرنا بالاعتراف بوجودهم؟ كيف نتصرف إزاءهم في عصرنا هذا وفي ظروفنا هذه؟ أقول في عصرنا هذا وفي ظروفنا هذه بهذا التقييد لإن الإسلام يضع لكل حال موقفًا أو حكمًا يصلح له ولا يصلح لحال تضاده. فمن فقه هذا الدين اختيار الموقف المناسب للحال الذي يكون عليه الفرد أو تكون عليه الجماعة. هذه الخاصة من خواص الإسلام يمكن أن نطلق عليها بالتعبير الحديث العقلانية. وهي صفة يظن كثير من الناس -بل حتى من المتدينين- أنها أبعد ما تكون عن الدين. إذ المتدين في نظر هؤلاء إنسان يعتقد أن أوامر دينه ونواهيه كلها أوامر مطلقة، لا تعطي اعتبارًا لزمان أو مكان، ولا تراعي ظرفًا ولا تأبه بنتائج مهما كانت خطيرة.

لكن السلوك العقلاني عكس ذلك تمامًا. فالعقلاني إنسان يجعل السلوك والأعمال وسائل لتحقيق غايات، ويجعل هذه الغايات هي التي تحدد نوع السلوك وقيمته. لكن هنالك فرقًا بين ما يمكن تسميته بالعقلانية الشكلية والعقلانية الحقيقية. العقلانية الشكلية هي التي يلتزم صاحبها بما ذكرنا لكنه لا يضع اعتبارًا لنوع الغاية التي يتغياها من عمله. فالسارق الذي يحذق الطريقة التي يحقق بها سرقته ويغيرها بحسب الظروف والملابسات، ويزن الخسائر والأرباح فلا يقدم على المخاطرة بسرقة تكاليف سرقتها أكثر من المسروق. عقلاني من الناحية الشكلية الظاهرية لكنه ليس عقلانيًا في حقيقته. وكذلك الشخص الذي يُوصف بالانتهازية؛ إنه عقلاني من حيث كونه يسلك الطرق المناسبة لتحقيق مآربه مهما كانت، ومن غير تقيد بخلق في اختيار الوسائل. بعض المفكرين الغربيين صب جام غضبه على العقلانية واعتبرها من أسباب كثير من المصائب التي حلت بالغرب لأنه لم ينظر إلا إلى العقلانية الشكلية هذه، بل جعل العقلانية مخالفة بالضرورة للقيم والاعتبارت الروحية. [7]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت