والتقدم لا يتحقق إلا بتعاون جميع أفراد الأمة على البناء فإذا كان في الأمة مرضى مهملين أو عاجزين منسيين، أو شباب خاملين، فكيف يمكن للأمة أن تتقدم أو تنهض، لذلك وجدنا الإسلام يدعو إلى التعاون والعمل والتكافل، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض فهم شركاء في تبعة الحياة لا يتخلى بعضهم عن بعض بل يساعد بعضهم بعضًا، والغربيون لم يصلوا إلى وصلوا إليه من تقدم مادي إلا بسبب تطبيقهم لبعض ما جاء به الإسلام، لكن تقدمهم انحصر في المادة، وحضارتهم انحرفت نحو اللذة والمتعة دون قيد من خلق أو دين، بل رفضوا الدين وحاربوه وهمشوه، وقطعوا الصلة ما بين السماء والأرض، ولقد حذرنا الله تعالى من اتباعهم أو السير في طريقهم فقال سبحانه: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون.
عباد الله: إذا كان الإسلام هو دين التقدم والحضارة، فإن حضارة الإسلام تقوم على الأخلاق والنظافة الحسية والمعنوية، فماذا في مجتمع المسلمين اليوم من أخلاق الإسلام ونظافة الإسلام: أين الصدق؟ أين الإخلاص؟ أين الصبر؟ أين الإحسان؟ بينما نجد أن الغربيين ما زالوا مستمسكين ببعض الفضائل الخلقية، من استقامة وصدق وبعد عن الغش والنصب والاحتيال، حتى ذهب البعض إلى القول: أولئك لهم أخلاق وليس لهم دين، وهؤلاء لهم دين وليس لهم أخلاق. لكننا يجب أن نسأل: هل يبقى دين إذا ضاعت الأخلاق. إن الأخلاق الكريمة هي التي تمنع صاحبها من الوقوع في المعاصي، وهي التي تدفع صاحبها إلى القيام بالطاعات، فخلق الحياء يحجز عن ارتكاب الموبقات. قال رسول الله: (( لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء ) ) (1) [1] ، ومر رسول الله على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله: (( دعه، فإن الحياء من الإيمان ) ).
إذا كان الحياء من الإيمان فأين الحياء عند النساء، أين الحياء عند من يأخذ الرشوة. أين الحياء عند الكذابين والمحتالين، أين الحياء عند المجاهرين بالمعاصي. لقد ضاع الحياء عند أمة اعتبر نبيها الحياء من الإيمان، لأنه به مِلاك الأمر كله من حسن معاملة الحق ومعاشرة الخلق.
لكننا - مع ما نحن فيه من انحراف - يتمثل في تركنا لفضائل الإسلام، وتركنا لما بقي عند الغرب من فضائل، وتقليدنا لهم في الرذائل فقط، مع ذلك فالخير كامن في هذه الأمة، فعندنا القرآن وعندنا السنة، عندنا الإسلام، وعلتنا هي الانحراف عن الإسلام، فإن عدنا إليه كان التقدم والصعود والحضارة والعزة، وما ذلك على الله بعزيز.
(1) الموطأ: ما جاء في الحياء: كتاب الجامع.
حضارة الإسلام
أسامة بن عبد الله خياط
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-الجور في الحكم على حضارة الإسلام. 2- فضل الإسلام. 3- في نطاق المعتقد. 4- في نطاق العلم. 5- في نطاق المادة. 6- في نطاق الحقوق. 7- في نطاق الغريزة. 8- تقهقر المسلمين.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله فتقوى الله ديدن الأيقاظ من عباد الله، الذين يخشون يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ [النور:37] .
أيها المسلمون، عند اضطراب الألباب، والتياث العقول (1) [1] ، وغلبة الأهواء، واستحكام العداء، وغيبة العدل، يضلّ أقوام عن سواء السبيل، فيجورون في الأحكام التي يطلقونها ذات اليمين وذات الشمال، ويحيفون في الأقوال التي يلقونها على عواهنها بغير استبانة ولا تثبّت، ودون تدبّر ولا تفكّر، فتكون العاقبة عند ذلك ظلما مبينًا، وإساءة مسيئة، وتحاملًا مجحِفا، لا يسع أولي النهي الإغضاء عنه، ولا السكوت على عوجه، حتى يظل وجه الحق مسفرًا، وحتى تبقى مهمة التذكير حية كما أمر الله، فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية:21، 22] .
فمن هذه الأحكام الجائرة، والإطلاقات الظالمة، والدعاوى التي لم تقم عليها البينات، ولم تسْندها البراهين، ولم تسعفها الحجج الزعم بأن الحضارة المنبثقة عن هذا الدين الحق دين الله أدنى مقامًا وأقل سموًا من غيرها، وأن لغيرها من التفوق والأثر والنُّجح ما ليس لها، إلى غير ذلك مما هو أثر من آثار إغماض الأجفان عن ذلكم الهدى والنور الذي جاء من عند الله الحكيم الخبير، وثمرة من ثمار الحيدة عن سبيل الإنصاف، والتنكب لطريق العدل، والتنكر لفضل ذوي الفضل.
عباد الله، إن هذا الدين الحق هو الذي أرسى الله به قواعد الحضارة المثلى، وأقام به ركائز ومقومات النهضة الكبرى، التي سعدت في ظلالها الأمم والشعوب، والأفراد والجماعات، في ماضي الأيام، وسوف تسعد بها كذلك إن شاء الله في حاضرها ومستقبلها.
تلك الحضارة التي أسفرت آثارها عن جمال وجهها، وجلال غايتها، ورقي منازلها، وإن السمو الحضاري، في هذا الدين لتتضح معالمه، وتستبين قسماته، وتتجلى خصائصه بالنظر المتأمل في ركائزها وأسسها.
ففي نطاق المعتقد، عبودية كاملة لله وحده، ونبذ لعبودية الأرباب من دونه في مختلف صورها وألوانها كما قال سبحانه: قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64] . وفي تعبيد العباد لله ربهم، وهدم عبودية الأرباب من دونه انتهاض عقدي، وارتقاء عقلي، وكمال نفسي، يبتنى عليه أساس البناء الحضاري الراسخ للأمة إذ أنه يجعل عمدة الالتقاء، وآصرة الاجتماع هو سبب التكريم، ومنشأ التمييز المعتقدَ الصحيحَ والتقوى، لا العنصر أو اللون أو القوم أو الأرض كما قال سبحانه: ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13] .
وفي نطاق العلم عناية فائقة، ورعاية ظاهرة للعلم وأهله في جميع ميادين العلم النافع؛ لأنه لا يستوي من يعلم ومن لا يعلم، كما قال سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الألْبَابِ [الزمر:9] ، ورفع سبحانه الذين أوتوا العلم مقامًا عليًا، فقال عز اسمه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11] ، ولم تقم في هذه الحضارة خصومة بين الدين والعلم مطلقًا؛ لأن العلم الصحيح رديف الوحي في تثبيت الهداية والإرشاد إلى الصراط المستقيم، ولذا كان أثر هذا العلم في القلوب مطمح أولي الأبصار، ومقصد الراسخين في العلم، ومبتغى أهل الصدق والإخلاص، وذلك هو خوف الله وخشيته كما قال سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28] .