فهرس الكتاب

الصفحة 1922 من 2255

وإلى عهد قريب كان العالم الإسلامي يعاني الخذلان والضعف لأنه تخلى عن مبدأ إعداد ما يستطيع من القوة ولم يعد يأخذ بأسبابها فابتلاه الله باستعمار مكشوف أذاقه من الهوان والخسف ألوانًا .

أما اليوم فقد أضاف إلى مصائبه ثالثة الأثافي بأن أضحى يشعر بالهزيمة في أعماق نفسه إزاء ما حققه غيره من تقدم مادي أخذ بأسبابه وتخلى هو عنها . وبدل أن يغير ما بنفسه فيغير الله ما به وجد من ينادي بأن مصيبته في دينه ، فإن أراد تحقيق ما حققه غيره فما عليه إلا أن يهجر هذا الدين جملة وتفصيلًا ويتبنى نقيضه جملة وتفصيلًا . ورفع بعض من لا يحسون بالخطر إلا إذا نزل بساحتهم أصواتهم يولولون فزعين مذعورين بأن في هذا محوًا لكيان العالم الإسلامي وفناءه في الكيان الدخيل . فإذا ببعض من عميت منهم الأبصار والبصائر يواجهونهم شامتين متوقحين: وما في ذلك ؟ فليكن !

تلك ضريبة التخلف والانحطاط ، علينا أن نؤديها عن طيب خاطر أو وأنوفنا مرغمة.. وقد وقع الأمران لشعوب عديدة قبلنا ولن نكون الأخيرين أيضًا.. والحضارات تموت لتقوم على أنقاضها حضارات.. والبقاء دائمًا للأصلح والأقوى .

ولكن لله رجالًا يظهرون في الأوقات الحرجة التي يمر بها هذا الدين . وأربعة عشر قرنًا من عمر حضارته كافيه لتصدق نبوءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن عل رأس كل مائة عام يبعث الله للناس من يجدد لهم أمور دينهم وهذه الصحوة الإسلامية التي يعيشها عالمنا الإسلامي خير دليل على ذلك . ومن قلب أرض النور ترتفع اليوم وغدًا أصوات بعض هؤلاء الرجال يتنادون ليحتموا بالأمل والرجاء.. ندعو لهم بالتوفيق والسداد ونعتبر أنفسنا مجندين لتطبيق كل ما يدعوننا إليه من خير يصلح أمور ديننا ودنيانا .

الانتماء الحضاري للأمة

خميس بن عاشور

بعدما انجلت الفتنة عن المسلمين ، واستقرت الخلافة بأيدي الأمويين بدأت الحركة العلمية في الازدهار وعكف كل فريق من العلماء على استنباط الأحكام وتأصيل القواعد وتأليف الكتب في مختلف الفنون ، ومما استرعى انتباه علماء الحديث موجة الأخبار التي وضعت لتأييد هذا الاتجاه أو ذاك ، وقد لعبت هذه الأكاذيب دورها الدموي في حوادث الفتنة الكبرى مما حدا بعلماء الحديث النبوي الشريف إلى الاهتمام بهذه الظاهرة، فوضعوا أسسًا لتمييز الحديث الثابت من غيره ، وبدأت بواكير علم جديد تنقدح في أذهان العلماء، فظهر علم الإسناد الذي يعد مفخرة الحضارة الإسلامية ومن فوائدها الرائعة، وهو العلم الذي قهر الشائعات الخبيثة ورد كيد مختلقيها في نحورهم ، فقد اشترطوا في راوي الخبر شروطًا حالت دون ورود الكذب إلى الحديث النبوي أو غيره من كلام الصحابة الكرام. لقد كان علم الإسناد الحصن الحصين الذي حمى نصوص الشريعة السمحة وبالتالي المجتمع الإسلامي من كل ما يمس مقدساته أو يخل بأمنه واستقراره العقائدي.

أما اليوم فقد تغيرت الأحوال وأصبح علم الإسناد من العلوم التراثية التي لم توظف بعد في الذب عن بيضه الإسلام والمسلمين .

إذ أن كل صيحة مهما كان مصدرها تحدث أصداء داخل مجتمعاتنا الإسلامية ويكون ضحيتها خلق كثير.

إن الأمم منذ أقدم الأزمنة تنفق النفس والنفيس من أجل توحيد صفوفها ومحاربة دخلاء السوء عليها، وتحقيق التوازن الاجتماعي فيها، وما علينا نحن اليوم إلا شد المآزر للعمل الدؤوب حتى نحقق هذه الغاية السامية .

إن أخطر موقع يكون عرضة لسهام الغزو الثقافي هو ثقة الأمة بنفسها وبإمكانياتها الذاتية، والأمم الإسلامية تستمد هذه الثقة من كتاب ربها وسنة نبيه ودينه الذي ارتضاه لعباده ، لأجل ذلك كان الإسلام مستهدفًا في نفس كل مسلم عن طريق ضرب عناصر القوة في هذه العقيدة بالتشكيك في الأصول والاستخفاف بالفروع ، فانجر على أثر ذلك سيل عرم من الشباب الذي رفع لواء العداء نحو قوميته وأصالته ، ووقف معارضًا لعقائد مجتمعه بالسخرية والاستكبار، وأخطرهم أولئك الذين يتدثرون بجلباب البحث العلمي ، وما هم في الحقيقة إلا جسورًا اعتلاها المد الاستشراقي والفلسفة الاستعمارية للوصول إلى قلب الأمة النابض .

إن عبث المستشرقين وأصحاب المدرسة الاستغرابية بالتراث الإسلامي باعد الشقة بين أبناء العالم الإسلامي وحقيقة دينهم ، وعمق ثلم الاستلاب الحضاري في نفوسهم ، ولا نعلل ذلك التأثير السلبي إلا بغياب الحركة النقدية الواعية التي تكشف كل بدعة دخيلة في الدين أو مقولة هدامة للعقيدة . لقد كان سلفنا الصالح يقف بالمرصاد لغزو الثقافات الوثنية الوافدة من الهند وفارس واليونان ، وفي عصرنا هذا سرى المفهوم الغربي للدين في نفوس المثقفين فهجروه وتركوا بذلك الأبواب مفتوحة لكل فكرة ضالة أو شائعة محبوكة، فظهرت بدعة إنكار حجية السنة بعدما بعثها المستشرقون من قبور الفكر الاعتزالي الذي لقي حتفه آنذاك على أيدي علماء أهل السنة والجماعة، لا جرم أن هذه ضربة قوية إذ أن معتنقيها ليسوا من عوام الناس بل من الأساتذة الكبار الذين يعتلون منابر التعليم وتوجيه الأجيال.. !

لقد تمكن مهندسو الاستغراب والعلمانيون من توجيه اهتماماتنا وفق إرادتهم ومشاريعهم وهم يحاولون بلا ملل أن يختلقوا لنا مشاكل لا تمت إلى واقعنا بصلة، وقد نجحوا إلى حد كبير في مهمتهم فنسينا في الواقع مشاكلنا باعتبار أننا كتلة تدين بالإسلام وتنتمي إلى حضارته العريقة.

إن مشكلتنا ليست في إحياء"الفولكلور"أو بعث فنون التهريج وأساليب التبرج والسفور والعادات والتقاليد الشركية الأخرى، فالإسلام نسخ كل جاهلية أذابها في تياره ، وعبثًا يحاول أولئك الذين يبحثون عن أصول في مزابل التاريخ الجاهلي ، فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ، وقائمتنا لا تقوم إلا بالدين الإسلامي ، وإلا فمن جعل قبائل العرب والبربر والزنوج تجتمع تحت لواء واحد، ومن وضع لهذه القوميات جنسية موحدة ولغة مشتركة بعدما كانت في قهر وذل من العيش تحت سياط الجلادين من الأكاسرة والقياصرة وعملائهم اليوم الذي يتألبون حول الذكريات الغابرة والأساطير المنصرمة ، والرغبة الملحة في الإثم والعدوان والمعصية.

لا بد إذن من الاعتراف بالمرض ، وأننا أصبنا في الصميم ونتج عن ذلك جرح عميق لا نعالجه إلا بالإرادة الخيرة والرغبة الصادقة في ذلك بعدما أصبح لكل ساقطة من هناك لاقطة عندنا، وبعدما أصبحنا لا نميز بين الغث والسمين كما كان سلفنا الصالح الذين أبدعوا علم الإسناد وتفردوا به.

إن الشعور بالانتماء لحضارة الإسلام العظيمة عنصر قوي يحمي الأفراد والمجتمعات ، ويحول دون انحلالها في حضارة المستعمر وفلسفته ، وهذا الهدف الغالي إنما يكون بالتربية الإسلامية في البيت وفي المؤسسات الاجتماعية كافة وخاصة المسجد الذي هو منتدى المسلمين ، يتذكرون فيه شؤونهم مثلما يؤدون فيه فرائضهم. إن تعميق عقيدة الإسلام في نفوسنا المبعثرة الأفكار، وترسيخ مفاهيمه الأساسية فيها متمثلة في معرفة الله -عز وجل- وتوحيده في ذاته وفي صفاته وتوحيد القصد إليه ، وعدم النظر إلى غيره من حيث النفع والضر ، واتباع سنه نبيه - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يتصل بأمور الشريعة والعقيدة ، كل ذلك يمهد السبيل الذي يحقق هذا الشعور النبيل الذي يحافظ على شخصية الفرد وهوية المجتمع وتماسكه ووحدته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت