فهرس الكتاب

الصفحة 1924 من 2255

2-تتصف هذه السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه ، بمجموعة من الصفات التي تعطيها صيغة القانون الرياضي الصارم ، فهي من جهة ثابتة لا تتبدل ولا تتحول ، ومن جهة ثانية مطردة ، تتكرر على الوتيرة ذاتها كلما توافرت شروطها وانتفت الموانع التي تحول دون بلوغها.

3-وسنة الله في الخلق تسري على كل شيء في هذا الوجود من غير تمييز سواء أكان هذا الشيء ماديًا أم معنويًا ، ونحن البشر خاضعون كغيرنا من خلائق هذا الوجود لسنن الله، سواء شئنا أم أبينا ، وهذه الحقيقة تحتم علينا مسايرة هذه السنن لكي نتمكن من تسخيرها فعما ينفعنا ، وإلا فإن مخالفة السنن أو معاندتها لا تأتي بخير.

4-يقتضي معرفة السنة التي يقوم عليها أي عمل قبل الشروع فيه ، فإذا عرفنا سنته علينا أن نهيئ الشروط اللازمة لهذه السنة.

5-فإذا فشلنا في إنجاز العمل المطلوب فإن هذا الفشل يعني وقوع خلل ما في الخطة، ويمكن أن نحصر مواضع الخلل في ثلاثة مواضع رئيسية:

ا- عدم سلوك الطريق الصحيح نحو الهدف أو عدم إصابة السنة التي توافق العمل.

ب - وجود عوامل خارجية تحول دون تحقيق السنة وبلوغها.

ج- وجود عوامل داخلية تؤدي إلى الإخلال بشرط أو بأكثر من الشروط اللازمة السنة التي تتحكم بالعمل.

وبهذه النتائج يصبح الباحث مصيبًا في محاولته في هذا المجال ، وهي تعد علامة بارزة تفتح الأبواب والنوافذ بمزيد من الدراسات والبحوث في هذا الموقع الحيوي الهام والغائب بالنسبة لاستئناف المسلمين دورهم الحضاري ، ومعالجة حالة الركود التي يعيشونها.

الإنسان بين العبادة والحضارة

د.نعمان عبد الرزَّاق السَّامَرَّائي

حضرت ندوة حول"المشاكل التربوية"في عالمنا المعاصر ، وقد وجدت الانقسام واضحًا ، فهذا يركز على الفرد، وذاك على المدرسة، وثالث على الإعلام ، ورابع على الوضع السياسي ، وخامس على الاستعمار، وسادس على الشيطان ...

كما وجدت البعض يقول بأن الحل معرفة العلوم الشرعية، وينادي آخر بتعلم العلوم كافة وهكذا .

وأريد أن أطرح سؤالًا ثم أنطلق منه ؛ إذ من المعروف أن الإنسان"مخلوق ثقافي غائي"، فهو منذ نعومة أظفاره يتساءل لماذا نفضل كذا ؟ لماذا نترك كذا ؟ .

والسؤال: لماذا خُلق الإنسان ؟

1-هل صحيح ما قاله"ماركس"إن المبدأ الذي يحكم جميع العلاقات بين البشر هو إنتاج الوسائل التي يحددون حياتهم ، وبعد ذلك يأتى تبادل ما أنتجوا ، وأن الإنسان يعيش أولًا ثم يفكر بعد ذلك . والذي أريده"تحديدًا"هل هذه النظرية كاشفة لواقع أم مقررة لحقيقة ابتداءً ؟؟

بمعنى آخر: هل نظر ماركس للإنسان في الغرب فوجده كذلك ، أم هي حقيقة توصِّل إليها عن طريق البحث والاستقصاء ؟

والأمر الآخر: لنفرض أن الإنسان إذا جاع أو عطش استبد به ذلك بحيث صار كل همه أن يصل إلى الطعام أو الشراب ، ولكن بعد أن يأكل أو يشرب ماذا يفعل ؟

هل يبحث عن قضايا واهتمامات جديدة أم يبقى محصورًا في دائرة"الإنتاج وتبادل ما أنتج"؟

في العالم الرأسمالي الذي رآه -"ماركس"وعايشه - كان الإنسان والدولة والمجتمع إلى حد كبير مشغولًا بالإنتاج وتوزيعه ، حتى قال نيتشه:"اجمع اجمع ذلكم هو الشريعة والقانون"أي اجمع المال فذلكم هو الهدف ، من هنا صار"رأس المال"دينًا جديدًا، حتى قال برنارد شو الفيلسوف الساخر:"إن الشعب البريطاني يعبد الله يومًا في الأسبوع ويعبد"بنك باركليز"ستة أيام"! .

ومن هنا جاءت قناعة"ماركس"، فهي مأخوذة من الواقع متأثرة به ، ولكن تلاميذ"بني التلمود"ينكرون ذلك ويعطون أفكار الرجل الشمولية ، علمًا بأن ماركس يرى أن الواقع ينطبع في ذهن الإنسان فتتحول الفكرة إلى مجرد صدى للواقع ليس إلا، وهكذا كانت أفكار ماركس صدى لما رآه وعاشه من تكالب استعماري وتطاحن حول ثروات الشعوب ونهبها .

2-هل نذهب مع سارتر فيلسوف الوجودية في عبثيته إذ يقول:"إنهم يكتشفون في وقت واحد، أن كل الأفعال الإنسانية سواء - وأنها بحتمية مبدئية - محكوم عليها بالفشل... وهكذا يستوي آخر الأمر أن أثمل بالشراب في وحدتي أو أن أقود الشعوب".

أما صاحبته"سيمون دوبوفوار"فتشرح هذه الفكرة بقولها: افعلْ ما ينبغي لك وليكن ما يكون ! .

فهل الحياة مسرح لتمثيلية"عبثية"لا يعرف الكاتب ولا المشاهد الهدف منها ؟ .

3-هل نقول بأن الإنسان حيوان قد سبق"إخوانه"وهو لم يبتعد كثيرًا عن الحيوانية في أهدافه وغاياته ، فهو يأكل ويتناسل ثم يموت ولا شيء بعد ذلك ولا فوق ذلك ؟

إن الإنسان مخلوق غائي ، خُلق لتحقيق أهداف كبرى يمكن ردها إلى:

1-عبادة الله - تعالى - كما أمر دون شرك ، والعبادة - كما هو معلوم - تطلق بإطلاقين:

فمَن يشتغل في بحث علمي أو رياضي أو أي عمل دنيوي يقصد به وجه الله فهو في سبيل الله.

2-العبادة بمعناها الخاص من صلاة وصيام وزكاة، وهذه أساسها النص الصريح ، وهي غير قابلة للتصرف بالزيادة أو النقص، أو التوجه لغير وجه الله (تعالى) .

-عمارة الأرض: فقد ذكر الله - تعالى - في سورة هود (( هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) ) [ هود:61] ؛ فعمارة الأرض - كما يسميها ابن خلدون - هي إقامة الحضارة، وهي من مهمات الإنسان الأساسية الكبرى، وقد قام بها الإنسان جيلًا بعد جيل ، وأمة بعد أمة، وكلما تعبت أمة تلقت الراية أمة فتية، وتجد تضافرت جهود الأمم ، وراح اللاحق يبني على جهود سلفه ويزيد ويطور.

فمَن أراد العمران فعليه أن يتعلم علوم عصره كلها، حتى قال علماؤنا في"فروض الكفاية"أن الأمة كلها تصير آثمة إذا وجدت صنعة أو علم وليس في الأمة من يعرفه أو يمارسه.

أما العبادة - بالمعنى الخاص - فعلى صاحبها تحري النص الصحيح والاتباع والبعد عن الغلو والابتداع ، فإن فعل ذلك فقد حقق الأهداف التي من أجلها خلق وفاز في الدنيا والآخرة وذلك هو الفوز العظيم.

وللشهيد سيد قطب كلمة يقول فيها (1) "... لقد غابت الأمة المسلمة عن الوجود وعن الشهود دهرًا طويلًا، وقد تولت قيادة البشرية أفكار وأمم أخرى وتصورات أخرى ، وأوضاع أخرى فترة طويلة ، وقد أبدعت العبقرية الأوربية في هذه الفترة رصيدًا ضخمًا من العلم والثقافة والأنظمة والإنتاج المادي ، وهو رصيد ضخم تقف البشرية على ، ولا تفرط فيه ولا فيمن يمثله بسهولة، وبخاصة أن العالم الإسلامي يكاد يكون عاطلًا من كل هذه الزينة... إن هذه الأمة لا تملك الآن وليس مطلوبًا منها - أن تقدم للبشرية تفوقًا خارقًا في الإبداع المادي ، تحني له الرقاب ، ويفرض قيادتها العالمية من هذه الزاوية فالعبقرية الأوربية سبقته في هذا المضمار سبقًا واسعًا، وليس من المنتظر - خلال قرون على الأقل-التفوق المادي عليها، فلابد من مؤهل آخر، المؤهل الذي تفقده هذه الحضارة."

إن هذا لا يعني أن نهمل الإبداع المادي ، فمن واجبنا أن نحاول فيه جهدنا ولكن لا بوصفه المؤهل الذي نتقدم به لقيادة البشرية في المرحلة الراهنة، وإنما بوصفه"ضرورة ذاتية"لوجودنا كذلك بوصفه واجبًا يفرضه علينا"التصور الإسلامي"الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض ويجعلها تحت شروط خاصة عبادة لله وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني ، لابد إذن من مؤهل آخر لقيادة البشرية غير الإبداع المادي ولن يكون هذا المؤهل سوى"العقيدة"والمنهج الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنتاج العبقرية المادية، تحت إشراف العقيدة والمنهج في تجمع إنساني ، أي في مجتمع مسلم"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت