فهرس الكتاب
أولًا: عمق المشاركة الشعبية لنصرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من كافة الفئات ومختلف الشرائح؛ إذ ضربت أروع الأمثلة في الحب والتضحية, مصداق ذلك ما شاهدناه من تحرك وعمل فاق في حجمه وأثره الدور المرتجى من النخب المثقفة في مجتمعاتنا الإسلامية؛ وهي التي تمتلك ناصية الخروج على الفضائيات أو صفحات الجرائد والمجلات. وأظن أن تلك النخب مرت باختبار حقيقي كشف عن حجمها أو أثرها في أزمات الأمة وقضايا المجتمع الساخنة. فلا ننكر أن هناك من تماشى مع ردود الفعل الغاضبة، ونصّب نفسه إمامًا للمسلمين أو قاضيًا لمعاقبة المعتدين، وقد وُظِّفت تلك التصرفات عكس ما هدفت إليه نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم-, وهناك من كتم رأيه في حمّى الغضب الجماهيري مع قناعته بأن تلك التصرفات الغاضبة مِن قتل وإحراق وظلم في المقاطعة لغير المعنيين تصرفات خاطئة وغير مسؤولة، لكن خوفه من غضب الجمهور و معاكسة إرادة الحشود جعله يكتم النصح الحقيقي والنظرة المعتدلة والفقه اللازم في مثل هذه الظروف, كما برز أصحاب التثاقل والتوهين لمشاعر المسلمين والمتغيظين من هبّة الغيورين؛ وصدق الله العظيم في وصفه لحالة أولئك: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) [التوبة: من الآية47] .
إن النخب المثقفة وأصحاب الرأي في الأمة لا يجوز لهم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وترك الشعوب تمور من الغضب اللاواعي؛ مما أفقدنا كثيرًا من مكتسبات تلك الأزمة، وتوظيفها في مصالح الأمة.
ثانيًا: هذا التأزّم حرّك المجتمع العالمي إلى فريق النصرة والغضب دفاعًا عن مقدسات ومعتقدات أكثر من مليار مسلم, وإلى فريق المدافعة عن حرية الرأي وحق التعبير من غير شرط أو قيد. وأثار لدى الكثير من المراقبين والمحللين إمكانية العودة لنظرية الصدام الحضاري التي بشّر بها في الغرب هنغتون وفوكوياما. وتأجّجت مشاعر المسلمين في تحميل الغرب والشرق عداوتهم الأبدية للإسلام، وكانت معطيات الصراع الديني والحضاري متوفرة في ثنايا تلك الأزمة من خلال بعض التصريحات الغربية ومحاولة إعادة نشر الرسوم المسيئة. وأظن أن صيحات بعض الخطباء والمنادين بحرب الغرب قد طغت عن تفكيك الحالة الغربية وموقفها من احترام المقدسات الإسلامية. بل أغفلت أن هناك في أوروبا وحدها أكثر من خمسين مليون مسلم أكثرهم مواطنون في تلك الدول. ونسيت الهدف الأساس من وراء تأجيج هذه النزعة الصدامية, ولا أدري: هل كان المراد منها شن الحرب على أوروبا كما شنتها القاعدة على أمريكا التي مازلنا نتحمل تبعات تلك التشنجات المتطرفة؟! ثم أتساءل: هل الغرب كله يحمل هذا العداء السافر حتى نحمّل مئات الملايين من الشعوب، ومئات المؤسسات المعتدلة تبعات ما قامت به بعض الصحف أو القنوات الإعلامية المعادية أو سفاهة بعض المسؤولين و المثقفين الغربيّين؟! وهل من العدل أن نحاكم أمة كاملة بتصرفات سفهائها، ونحن نطالبهم بنظرة العدل والإنصاف، في حين لا ننظر إليهم بها كذلك؟! ثم هل نقدر فعلًا أننا نمارس عداوة أو قطيعة كاملة مع تلك الدول في عصر لا يمكن أن نتعايش إلا بالتبادل التجاري والتقني والتحالف السياسي والعسكري، وغيرها من المشتركات الحاجية بين الشعوب في ظل انفتاح الأسواق وتهاوي الحدود بين المجتمعات؟! ثم لماذا نحسن في إلقاء اللوم على المتآمرين ضدنا، وننسى أننا صنعنا صورتنا المشوّهة في أذهانهم من خلال تصرفات بعض أبنائنا هناك أو زوّارنا إليهم؟! هذه الأسئلة وغيرها لا يمكن أن نسارع في الإجابة عنها من خلال موقف عارض، أو واقع نجهل تفاصيله، أو غفلة عن إدراك المنطلقات الدافعة لهذه التصرفات والمآلات المترتبة عليها؟! والهروب من الإجابة عنها قد يكلفنا جهدًا يضيع أو يحملنا عبء تكرار الأخطاء.
ثالثًا: تحتاج الأمة في الفتن أن ترجع لأهل العلم الراسخ والنظر الثاقب، وتحذر من خطيب مصقع، وواعظ جاهل يشوّه الحقائق، ويغطي العقل بلهب العواطف، وقد جاء في الأثر عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قوله:"شرّ الناس في الفتنة كل راكب موضع، وكل خطيب مصقع"! ويقول الحسن البصري -رحمه الله-:"الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل".
ولا شك أن أهل العلم والفكر إذا اجتمعوا على أمر رشدٍ أنه أدعى إلى الصواب وأقرب إلى النجاة. وأزمة الرسوم المسيئة كانت تحتاج إلى مثل هذا الدور الذي يصنع الفعل الحضاري، ولا يخضع للانفعال الوقتي أو المعادي، ويُستثمر الحدث لصالح المسلمين، ولا يُوظّف ضدّهم. ولا يمكن أن نجد فعلًا حضاريًا إلا وقد تأسس على فكرة جوهرية تنطبع على عقول الأفراد تدخلهم نحو مدارج النهضة والتقدم. وهذا الطريق الطويل الشاقّ هو الدور الذي فعله الأنبياء والرسل، وهو الدور الذي ينبغي أن يكمله ورثتهم، والسائرون على دروب نهضتهم.
الخطاب الإسلامي في مواجهة التحوّلات الاجتماعيّة والحضاريّة
إبراهيم غرايبة 1/7/1426
الحديث عن الحركة الإسلامية- وبخاصة التي نشأت حول قضايا كبرى تستحضر المقدسات والتاريخ والعواطف والتأييد الكبير - يشبه الاقتراب من عشّ الدبابير، وبدلًا من الانشغال بالسؤال نتحوّل إلى السّجال والهجاء والصمم الفيزيائي الذي يشغل عن التفكير فيما يجري حولنا، وقد يمضي بالناس والحياة والتاريخ بعيدًا عنا، ثم نبقى في مكاننا تحت وطأة الإهمال والعزلة والنسيان، والذكريات المجيدة!
إن الحركات الإسلامية هي أدوات وأوعية للعمل، وليست غاية بحد ذاتها للعمل الإسلامي، ولا هدفًا تسعى إليه الأمة، ولا تختص دون سواها من الأمة بمعاملة أو فقه أو عذر أو واجب؛ فالواجبات منوطة بالأمة بأسرها، ومن حقها (الأمة) أن تراقب وتحاسب هذه الجماعات بصفتها من أدواتها التي تملكها، فالعبرة بمصالح الأمة والمجتمعات والدول (بالمفهوم العلمي للدولة وليس السلطة) وغاياتها.
وقد أدّت الحركات الإسلامية دورًا مهما في مرحلة حرجة كانت الأمة الإسلامية تعاني من الاستلاب والغزو الفكري، وساهمت في إعادة الثقة بالدين والفكر والتراث، ولكن يجب ألاّ نخلط بين الظاهرة الأساسية وبين أدواتها وتجلّياتها وأعراضها، فالصحوة الإسلامية هي حالة للأمة والمجتمعات الإسلامية توصّلت إليها الأمة بأسرها عبر مراحل ومخاضات وتطوّرات، والحركة الإسلامية تعبّر عن هذه الظاهرة ولم تصنعها؛ فالأمة هي التي صنعت الصحوة والحركات والجماعات الإسلامية وليس العكس، والأمر يكاد يشبه العلاقة بين ظاهرة الاتصالات وبين المؤسسات التجارية الصغيرة منها والكبيرة والقائمة على الاتصالات، فلا أحد يقول: إن متاجر أو مصانع أجهزة (الموبايل) هي التي صنعت موجة الاتصالات!
ولذلك فإني أفضل استخدام مصطلح"الخطاب الإسلامي"بما يعنيه من تعبير تطبيقي وعملي، ولا أريد أن أكرّر ما ورد في مجلة (الإسلام اليوم) العدد الخامس حول مفهوم الخطاب الإسلامي، ولكن هذه الإشارة ضرورية للتعامل مع تحوّلات وتطوّرات كبرى جرت على الخطاب الإسلامي نفسه وعلى البيئة المحيطة به.