فهرس الكتاب
ذلك ما كان حتى عام 1920م؛ فماذا حدث بعده؟ استمر الغرب في تفوقه التقني واستمر في تأثيره الكبير على كل مجتمعات العالم لا سيما بعد الطفرة التي حدثت في تقنية الاتصالات والانتقال والتي زادت في إمكانية العولمة.
تتمثل هذه الهيمنة الغربية الآن ـ كما لخصها كاتب أمريكي ـ في أن الأمم الغربية:
-تملك وتدير النظام المصرفي العالمي.
-وتسيطر على كل أنواع العملة الصعبة.
-وأنها هي الزبون العالمي الأول.
-وأنها هي التي توفر للعالم معظم بضائعه الجاهزة.
-وأنها تسيطر على أسواق الرأسمال العالمية.
-وأنها تمارس قدرًا كبيرًا من القيادة الأدبية في كثير من المجتمعات.
-وأن لها قدرة على التدخل العسكري العظيم.
-وأنها تسيطر على المضايق البحرية.
-وأنها تقوم بمعظم البحوث والتطوير للتقنية المتقدمة.
-وأنها المتحكِّمة في التعليم التقني الفائق.
-والمهيمنة على المدخل إلى الفضاء.
-وعلى صناعة الطيران.
-وعلى وسائل الاتصال العالمية.
-وعلى التقنية العالية لصناعة الأسلحة. [Jeffe صلى الله عليه وسلم y R. Ba صلى الله عليه وسلم net, Exclusion as National Secu صلى الله عليه وسلم ity Policy, Pa صلى الله عليه وسلم amete صلى الله عليه وسلم s, 24 (Sp صلى الله عليه وسلم ing1994) , 54, as quoted by Huntington, op. cit. 81]
العولمة لم تكن ـ كما كان يرجى لها إذن ـ أن تسود في العالم ثقافةً إنسانيةً تناسب كل الناس وتساعد على تعاونهم وتطورهم والاستفادة من خيرات بعضهم بعضًا. بل كادت العولمة وكاد التحديث أن يكون تغريبًا بسبب هذا التفوق الغربي وعدم تسامح حضارته مع الحضارات الأخرى.
إلى متى سيستمر هذا التفوق وهذه الهيمنة الغربية؟
يرى كثير من المفكرين الغربيين أنها لن تستمر طويلًا ـ على الأقل بهذا القدر الكبير. لماذا؟ هذا موضوع كبير لا يسعنا هنا إلا أن نشير إليه مجرد إشارات، فنقول:
1 -لأن سبب تلك القوة لم يكن لمجرد أسباب داخلية في الحضارة الغربية، وإنما كان أيضًا لظروف خارجية مواتية. أما الآن فإن ظروفًا خارجية أخرى لا قِبَلَ للغرب بتغييرها جعلته يضعف ضعفًا نسبيًا للازدياد النسبي في القوة الاقتصادية والتقنية لبلاد غير غربية.
2 -يزداد تقديرنا لأهمية هذا الضعف النسبي للقوة المادية للدول الغربية إذا ما تذكرنا ما يقوله كثير من مفكريها بأن السبب الأساس لسيطرتها لم يكن قيمًا ولا فكرًا ولا دينًا وإنما كان هذه القوة. يقرر هنتنجتون هذه الحقيقة في صراحة عجيبة إذ يقول: (لم يغلب الغرب العالم بتفوق في أفكاره أو قيمه أو دينه(الذي لم تعتنقه إلا قلة من أبناء الحضارات الأخرى) وإنما غلب بتفوقه في العنف المنظم. إن الغربيين كثيرًا ما ينسون هذه الحقيقة، لكن غير الغربيين لا ينسونها أبدًا). [Ibid. p. 51]
بيد أننا يمكن أن نستدرك على هنتنجتون ومن يرى رأيه بأن الغرب وإن لم يكن في نفس الأمر متفوقًا في تلك المجالات إلا أن أهله كانوا يعتقدون فيه هذا التفوق، وأن هذا الاعتقاد الباطل كان دافعهم، مع الدوافع الاقتصادية للخروج لغزو العالم كما ذكرنا سابقًا.
3 -أما الآن فإن هذا الضعف النسبي في القوة المادية للغرب يصحبهَ وربما سبقهَ فتور في الدافع الرسالي؛ فحماس الغربيين لدينهم المسيحي في بداية قرنهم الواحد والعشرين لم يعُد كما كان في القرن الثامن عشر، ولم يطرأ هذا الفتور في الحماس الديني بسبب التأثر بالحضارات الأخرى في المكان الأول، وإنما كان في أساسه:
-بسبب دراساتهم العلمية لأصول دينهم التاريخية، تلك الدراسات التي شككت في الثبوت التاريخي لكثير من نصوصه، والتي أثبتت أن في هذه النصوص تناقضًا ومخالفة لبعض الحقائق العلمية نشأ عنه انقسامهم إلى أصوليين ـ أكثرهم من العوام ـ يؤمنون بحرفية ما في كتابهم المقدس، وليبراليين يعتقدون أنه ما كل ما فيه من عند الله، وأنه تأثر بالظروف الثقافية للزمن الذي كتب فيه.
-ثم كان التطور في مجال العلوم الطبيعية سببًا آخر؛ لأن منهج هذه العلوم يقوم على عقلانية لا وجود لها في دينهم.
-ثم زاد من ضعف الإقبال على الدين أو الاهتمام به النظام السياسي العلماني الذي يفصله عن الدولة، بل وعن الحياة العامة كلها.
4 -كان كثير من المفكرين الغربيين يأملون في أن يحل العلم الطبيعي محل الدين، وينجح في حل مشاكل البشرية التي عجز الدين عن حلها. لكن تجربة الحربين العالميتين العظميين، واعتمادهما على التقنية الحربية التي وفرها العلم الطبيعي أضعفت من هذا الأمل. ثم كانت كارثة هيروشيما، فاقتنع كثير من المفكرين والعوام الغربيين بأن العلم الطبيعي إنما هو سلاحٌ يعتمد حسن استعماله أو سوؤه على قيمٍ لا تؤخذ منه هو، فلا بد أن يكون لها مصدر آخر.
5 -والشيوعية ـ التي هي نتاج غربي ـ والتي تعلّق بأوهامها الآلاف المؤلفة من الناس في الشرق والغرب، باءت هي الأخرى بإخفاق ذريع.
6 -لم يبق للغرب الآن مبدأ يتعلق به ويدافع عنه ويعتز به إلا الديمقراطية الليبرالية وما يصاحبها من نظام رأسمالي. لكن حتى هذين يجدان كثيرًا من النقد والمراجعة لعدم وفائهما ببعض القيم الإنسانية، ولا سيما إنصاف الفقراء، ولما نتج عنهما من تعميق للروح الفردية وما يصحبها من مشكلات اجتماعية.
7 -الروح السائدة في الغرب الآن ليست روحًا متفائلة، بل إن التشاؤم قد يصل بهم إلى الحد الذي عبر عنه كاتب فرنسي أزعج ذلك الشعب وأثار تشاؤمه حين كتب يقول كما نقل عنه مؤلف إنجليزي: (إن أوروبا بدأت تدخل في عصر ظلام جديد يتميز بالأوبئة والمتسولين وانهيار المدن، وبعث الخرافة، وعودة التهديد القادم من الشرق، من آسيا ومن الإسلام) [Ruling B صلى الله عليه وسلم ittania, pp 316 -7] .
ولعلنا نستطيع أن نقول إنه حتى لو لم يطرأ هذا الفتور في حماس الغربيين لدينهم ولرسالتهم، فإنه ما كان لحضارتهم أن تصير حضارة عالمية إذا ما فقدت القوة المادية؛ لأنها لا تملك في نفسها مقومات العالمية. لكن هذا موضوع آخر لا يسعنا الدخول في تفاصيله الآن، غير أن كثيرًا من هذا القصور سيتضح إذا ما أظهرنا بعض مقومات عالمية الإسلام؛ إذ بضدها تتميز الأشياء. إلى هذا نتجه الآن وبه نختم مقالنا هذا.
ما الذي يؤهِّل الحضارة الإسلامية لأن تكون حضارة عالمية؟
أرى أننا ينبغي أن نميز أولًا بين الإسلام والحضارة الإسلامية؛ لأنه إذا كانت الحضارة هي في جوهرها المعتقدات والقيم والتصورات المتمثلة فعلًا ـ أو قل إلى حد كبير ـ في واقع أمة من الأمم، فما كل ما جاء به الدين المنزل من عند الله متمثلًا في الأمة التي تعلن إيمانها به. فالدين دينان: دينٌ منزَّل من عند الله لا يتغير ولا يتبدل (( إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون ) ) [سورة الحجر: 9] ودينٌ متمثِّل في واقع الناس يقترب من الدين المنزل أو يبتعد عنه، ولا يطابقه إلا في الرسول الذي جاء به، والذي صدق عليه قول زوجه أم المؤمنين: (كان خلقه القرآن) [أخرجه مسلم، رقم: 746، وأحمد في المسند، رقم: 23460، واللفظ له] ، أما غيره فمنهم من يقرب منه قربًا شديدًا، ومنهم من يبتعد عنه بعدًا كبيرًا وإن كان منتسبًا إليه. فالحضارة الإسلامية المتمثلة في واقع المسلمين تتأهل للعالمية بقدر قربها من الدين المنزل الذي تنتسب به. فما مقومات العالمية في هذا الدين؟ إنها مقومات كثيرة وعظيمة، لكننا نكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى بعضها: