فهرس الكتاب

الصفحة 2196 من 2255

الدكتور فرانسوا بورجا نشرت مجلة"لافيريتي"الفرنسية حوارًا معه أجراه دافيد ساردينان، ولأهمية الحوار تنشر المجتمع ترجمة لقرائها.

تتحدثون عن النقلة النوعية في الحضارة الغربية، وتعتبرونها نقلة غير إنسانية تسعى إلى القضاء على حضارات أخرى بالتحديد منذ ما تسمونها"بحجة"أحداث سبتمبر2001م.

في البداية لا يجب ربط المتغيرات الدولية بأحداث سبتمبر2001 فقط، فقد وقعت حروب كثيرة قبل هذا التاريخ. أمريكا غزت كوبا قبل الحادي عشر من سبتمبر وغزت فيتنام قبل ذلك التاريخ أيضًا. العالم انساق بكل أسف إلى الرؤية الأمريكية في شرح المتغيرات الدولية، ولهذا نعرف أن الرؤية الأمريكية تسعى إلى خلق"غول"الإسلام السياسي، أي إرعاب الناس بما تسميه"التطرف الإسلامي الديني"وهو المصطلح الذي يستعمله الجميع اليوم كأنه اختراعًا جديدًا. أحب أن أنبه دائمًا إلى خطورة الانسياق خلف المصطلحات الجاهزة التي تتمخض أساسًا في إطار النمطية العسكرية التي نعرفها اليوم جيدًا. أريد أن أوصل فكرة واحدة وهي أن الحضارة الغربية برغم أهميتها لم تنجح في إقامة التوازن الإنساني الذي يجب إقامته، ولهذا فهي تسعى إلى تدمير حضارات إنسانية أخرى لتمنع أي بديل خارج ما هو متأتٍّ الآن. الغرب لم يصنع حضارة إنسانية بالمعنى الحقيقي والكامل، بل أنتج حضارة صناعية وتكنولوجية على حساب الإنسان، على حساب القيمة، وعلى حساب الخير أيضًا. الخير في النمط الغربي صار مرتبطًا بالبقاء، وبالتوسع نحو مناطق الآخرين للهيمنة عليها والتأثير فيها قصد مسحها. وهذا تفجر عنه"مقاومة"حقيقية لكل الثقافات الرافضة للذوبان والتلاشي.

كيف ترسمون معالم الصراع الحضاري بالشكل الذي صار عليه اليوم؟ هل هو صراع عسكري أم فكري أم ديني؟

أعتقد أنه علينا أن نوثق المفاهيم كي نصل إلى مدلولها وإلى شرحها والحضارة في المفهوم الغربي مبنية على الثقافة والدين، وهو المدلول الذي يتفق مع المفهوم الإسلامي بحيث أن البناء الديني يبقى الأهم في كلتا الحالتين، أي بالنسبة للغرب وللمسلمين على حد سواء، ومع ذلك فقد فجر"هنتنجتون"الشطر الآخر من الرؤية الغربية الحالية للصراع حين حدد شكل الصراع في عبارة"عدو الغرب"والذي جسده في الحضارتين الإسلامية والكنفوشيوسية، وهو الطرح الذي لا يخلو من ضغينة ثقافية ودينية على حد سواء، لأنه تأسس على مصطلحات مرادفة له ومن أهمها البعد العسكري لأطروحة"هنتنجتون"لأن تحديد المنافس في فكرة"العدو"يعني أن القضاء على العدو سيكون له أهمية قصوى تترتب عليه"اللا حرب"من وجهة نظر"هنتنجتون"دائمًا. بمعنى العودة إلى عهد الاستعباد البشري، عبر إقامة"مستوطنات"يحكمها الغرب المتسلط للسيطرة عليها والتأثير عليها تمامًا. هذا هو الخطر الحقيقي في جعل الصراع اليوم قائمًا على رؤى سياسية وعسكرية، مع ما يتجسد في الأساس داخل مصطلحات دينية يستعملها"بوش"مثلا للكلام عما قاله له"الرب"ليلة البارحة! وهو تطرف وراديكالية لم تشهد البشرية مثيلًا لهما إلا في القرون الوسطى، أيام كان هنالك"صراع الكنيسة"ضمن أطروحة"الرب الرسولي"التي أبادت العديد من الأبرياء لنشر الفكرة"الدينية"بحد السيف. الخوف من الإسلام عند الغرب سببه الشك أساسًا في قدرة الحضارة الغربية على البقاء والتأثير دون حرب. الصراع القائم اليوم ليس صراعًا سياسيًا تماما، بل صراع ديني أيضًا، لأن الإسلام هو المستهدف مثلما هي مستهدفة الدول الآسيوية الكنفوشيوسية. والغرب لا يريد للدول الإسلامية أن تتطور وتستقر وتستقل أيضًا. إنه يسعى إلى إثارة الحروب لأجل سهولة القضاء عليها وهذا ما يعكسه الصدام الحالي الذي أؤكد شخصيًا أنه صراع يدخل في النمط الفكري الديني وبأساليب عسكرية.

تتكلمون عن التطرف الغربي، فهل ترفضون الاعتراف بالتطرف الإسلامي مثلًا؟

التطرف الإسلامي في اعتقادي الشخصي صياغة غربية للتطرف ضد الإسلام، أي للحرب على الإسلام.. لقد طرحتم السؤال الأول عن أحداث سبتمبر2001، وأريد أن أقول لكم إن الغرب استطاع بعد تلك الأحداث مثلًا أن يتعرف على الإسلام أكثر مما كان متاحًا في وقت آخر. في فرنسا اعترفت دور النشر الكبيرة أن الكتب الأكثر رواجًا في السنوات الأخيرة هي التي تناولت الإسلام، وهذا أسميه اهتمامًا كبيرًا بالإسلام ليس في فرنسا بل وفي أوروبا وأمريكا نفسها. أمريكا نفسها اعترفت أن مليون شخص اعتنقوا الإسلام منذ سبتمبر 2001 وهو رقم لم تحسب له الأجهزة الأمنية الأمريكية حسابًا لأنها لم تتوقعه، ولكنه حدث، الناس صاروا أكثر اهتمامًا بالإسلام، وثمة من اعتنق الإسلام لأنه وجد فيه ما فقده في الحضارة الغربية القائمة على المادة. هل يجب أن نسمي هؤلاء الذين اعتنقوا الإسلام بالمتطرفين أو الإرهابيين؟ لو أن شقيقك وجد في الإسلام ضالته واعتنقه عن وعي واختيار هل ستطلق على شقيقك اسم"إرهابي مسلم؟"قطعًا لن تفعل ذلك لأنك تعرف أن أخاك كان حرًا في قراره، ويجب هنا أن تكون حرية الاختيار نابعة من احترامنا لها. الغرب يدفع المسلمين إلى التعصب حين يسعى بكل الطرق إلى حرمانهم من حقوقهم وفرض عليهم نمطًا غريبا عنهم. الإسلام يعتبر العلاقة الجنسية خارج إطارها الشرعي حرامًا.

أليست هذه هي نفس القناعة التي يؤمن بها المسيحيون المتدينون وتعترف بها الكنيسة عمومًا؟ حتى أولئك الذين ليسوا متدينين في الغرب يعتبرون العلاقات الجنسية غير الشرعية"جريمة"ويرفضونها لأنها تؤذي مجتمعاتهم. لو استطاع الغرب أن يتعامل مع الإسلام كحضارة قائمة بعينها لكان الحوار ممكنًا وسهلًا، ولكن، المشكلة هي أن الضغط الذي يمارسه الغرب على المسلمين صار كبيرًا وفاضحًا إلى درجة أنه فجر ردة فعل قد تسميها أنت تطرفًا وقد أسميه أنا رفضًا للهيمنة غير المسؤولة وغير الواعية التي يمارسها الغرب على دول أخرى بقوة السلاح. سأقول أيضًا إن التنظيمات الإسلامية المسلحة، أو الجهادية، انبثقت جراء القمع الشديد الذي مارسته أمريكا على الأنظمة العربية والإسلامية ومارسته تلك الأنظمة على معارضيها بشكل رهيب وكبير. في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل"حرة"تفعل فيه ما تشاء بالفلسطينيين. هذا هو الذي فجر التعصب الذي يرفضه الغرب مع انه ساهم فيه بشكل مباشر ومتعمد.

ألست هنا تحاول تبرير الإرهاب الديني الإسلامي؟

لم يكن الدين إرهابًا إلا في المصطلحات التي تسعى إلى تسويق الحرب نفسها. أنا لست أدافع عن الحرب، بل عن الحقيقة التي يجب البحث عنها والكلام فيها. الإرهاب الديني كما تقوله لا يمكن فصله عن الإرهاب السياسي والفكري والاقتصادي. تجويع قارة يدخل في إطار الإرهاب أيضًا وإطلاق القنابل على مدن آهلة بالسكان يعد إرهابًا، والمساومة على حضارات بعينها إرهاب. لماذا يجب استعمال الكلمات التي يستعملها الجميع بجاهزية غير صادقة؟ سأسألك: لماذا لم يتكلم أحد عن"الإرهاب الديني"، حين فجر خمسة أشخاص أمريكيين من المسيحيين المتطرفين مبنى تجاريًا في"أوكلاهوما"؟ ولماذا لم يتكلم أحد عن الإرهاب الديني حين باع أساقفة رسميون قطع أراض فلسطينية لليهود في رام الله والقدس؟ لماذا لا يتكلم أحد عن الإرهاب الديني حين يخرج حاخامات إسرائيل للمطالبة بإبادة الفلسطينيين باسم الرب؟ ولما لا يتكلم أحد عن الإرهاب الديني حين يتكلم"بوش"عن"قناعته أن الرب يؤيده في غزو العراق، لأن الرب يشد على يده ويسانده في حربه على الشيطان!!".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت