إن الناظر إلى أحوال أمة الإسلام والمسلمين في الآونة الأخيرة - وربما في العقد الأخير - يرى كثيرًا من الصور الإيجابية التي أثمرتها الصحوة الإسلامية ، والأوبة والتوبة والإنابة التي سرت في كثير من مجتمعات المسلمين في شتى بقاع الأرض ، ولذا فنحن نرصد أمرين مهمين في هذه المسألة ؛ لنرى كيف أوجدت هذه الإيجابيات خوفًا وهلعًا وحقدًا وضغطًا من أولئك الذين يسمون أنفسهم بأهل الحضارة والتقدم المعاصر .
إن الناظر إلى أحوال أمة الإسلام يرى فيها عدة ملامح:
أولها: العودة والارتباط بمصادر الإسلام الأولى
أبناء المسلمين الذين عادوا إلى المساجد يحفظون القرآن وهم في نعومة أظفارهم ومقتبل أعمارهم .. حلقات القرآن التي أصبحت تعُم بلاد الإسلام والمسلمين ، بل وتعم الجاليات الإسلامية التي تعيش في بيئات وبلاد غير إسلامية .. هذا الارتباط الذي يفتق اللسان بلغه القرآن ويحيي الإيمان في أعماق القلب والنفس هذه صورة من الصور .
وأخرى ثانية: نجدها في ظل هذا الارتباط والعودة إلى دين الله - عز وجل - ونجدها في انتشار المعاهد والمدارس الإسلامية التي تعنى بتعليم العربية والعلوم الشرعية مع غيرها من العلوم العصرية ، وتلك أيضًا وجدت لها مساحات واسعة ، وإقبال عريض في حياة الأمة الإسلامية ومجتمعاتها في كل مكان ، وذلك يعني أن الأمة الإسلامية ظهر فيها التميز لا تميع والانتصار لا الانهيار والتماسك لا التفكك بالمعنى المعنوي والفكري والعقدي ؛ فإنها وإن كانت ضعيفة في أسبابها المادية وإن كانت متأخرة في أمورها التقنية ؛ لأنها بدأت تتقدم وتثبت وتعتز وتفتخر وترتبط بمبادئها العقدية ، وتصوراتها الفكرية ، وروحها المعنوية ، وهذا هو أعظم أسباب القوة ، وأهم أسباب الانطلاق .
إن الحضارة المادية والعلوم التقنية والتكنولوجيا المعاصرة قضية من السهل من حيث الواقع العملي اقتنائها والتفوق فيها ، والدليل هو وجهٌ آخر من وجوه هذه الصورة أما نرى كثيرًا في أبناء المسلمين تفوقوا في العلوم العصرية ، وأصبحوا أعلامًا يشار إليهم بالبنان على مستوى العالم كله ، وإذا نظرنا إلى معاقل الحضارة الغربية في أمريكا وأوروبا ؛ فإننا نجد في شتى ميادين العلم متفوقون وسابقون من أبناء العرب والمسلمين ، لكن الجديد فيهم أنهم - أو أن بعضًا منهم أو أن نسبة تتزايد منهم - يعززون انتمائهم إلى أمتهم ، ويفتخرون بالانتساب إلى دينهم ويحافظون على كينونيتهم الشخصية ، وملامحهم الأخلاقية ، وهويتهم الإسلامية .. وهذا أيضًا مكمن أو مظهرًا من مظاهر الجزع والفزع عند أولئك القوم .
فنحن نرى مسألة مهمة في هذه المعاني التي أشرنا إليها ، وإذا انتقلنا إلى جانب آخر ؛ فإننا ننتقل إلى جانب الجاليات والتجمعات الإسلامية في البلاد الأخرى التي ليست بلاد عربية أو إسلامية ، فماذا نرى ؟ نرى تلك البلاد وهي تضم أخلاطًا من الأعراق واللغات والأديان والثقافات استطاعت في معظم أحوالها أن تسحر كثيرين من أولئك ، وأن تذوّبهم في آلتها المادية الحضارية الكبرى ، فتغيرت ألسنتهم ، وهذا أمر ليس فيه كبير أهمية أو خطورة ، لكنها مسخت أفكارهم ونسخت عواطفهم وقطعت أسباب صلتهم بجذورهم وصاروا كلهم ، وإن اختلفت الشحنات ، وإن اختلفت الثقافات .. أصبحوا روحًا واحدة ، وفكر ًا واحدًا ، ونمط في الحياة واحد ، وأهداف وآمال وطموحات واحدة ، لا يكاد يفرق بينهم المرء ولا استثناء من هذه القاعدة إلا للمسلمين فحسب في غالب الأحوال ، فالمسلمون رغم ماعندهم من ضعف ورغم مامر بأجيالهم السابقة من ذوبان لكنهم لا يزالون يحتفظون بشخصيتهم الإسلامية وهويتهم التاريخية ومعالمهم السلوكية في كثير من أحوالهم ، وعززوا ذلك في حياتهم المعاصرة وفي عقودهم المتأخرة بحرصهم على المساجد والمراكز والمدارس يتكلمون لغة القوم لكنهم في بيوتهم وفي عقر دورهم يعلمون أبنائهم لغتهم وقرآنهم وسنة وسيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فإذا بهم يستعدون على ذلك الذوبان وإذا بهم يشكلون على اختلاف الأقطار التي جاءوا منها ، وربما اللغات التي كانت لهم يشكلون وحدة عقدية فكرية جذورها وقاعدتها مرتبطة بالإسلام ، وهذه صورة قد صرح بها كثير من أولئك القوم خشية من أن هذه النوعية من البشر لا يمكن تهزم أو أن تغلب في فكرها وروحها وشخصيتها وهويتها ، وذلك يمثّل استعصاء وهزيمة لتلك الحضارة الطاغية التي استطاعت أن تفرض فكرها ونمط حياتها الاجتماعية بل ونمط حياتها الغذائية على كثير من بقاع الأرض ؛ لذا فإننا نجدهم في غيظٍ عظيمٍ من مناهجنا التعليمية وحياتنا الاجتماعية لما زلنا نفتخر بتاريخنا .. لما زلنا نرتبط بقدواتنا .. لما زلنا نبحث عن معالم حضارتنا وأسس انطلاقتنا .. لما زال في تعليمنا انفصال بين الذكور والإناث .. لما زالت حياتنا الاجتماعية تريد أن لا تنصبغ بصبغة الحياة الغربية المادية بكل ما فيها من ذلك الفجور والعهد والانحلالية والإباحية .. لما لا تطغى حضارة وفكر المنتصر صاحب القوة المادية والعسكرية والاقتصادية ونحو ذلك .. هذه قضية هي مبعث ذلك الهجوم ، وهي أساس ذلك الالتفات والانتباه .
ولذا فإننا نقول: إن التعليم في كل أمة يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: دين الأمة ، ولغتها ، وتاريخها . ولتأخذ مثلًا من البلاد الإسلامية ولا العربية .. انظروا إلى بلاد الدنيا كلها أفليست ترتبط بهذه المعالم كقاعدة تضبطها ؟ أما الفيزياء والكيمياء وغيرها فهي واحدة عند القوم كلهم لا اختلاف بين كيميائنا وكيميائهم ولا فيزيائنا ولا فيزيائهم ؛ فإن هذه قضايا معلومة بأنها من سنن الله - عز وجل - العلمية الماضية المتطّردة التي من تعلمها وأخذ بها استطاع أن يوظفها ، وأن ينتفع بها في هذه الحياة المادية .
لذلك نقول أن كل أمة كانت تحرص دائمًا على ألا تهزم في هذا المعنى المهم - وهو معنى التعليم - الذي يساوي هويتها الشخصية والدينية والتاريخية .. هزمت اليابان هزيمة عسكرية بشعة وفرضت عليها شروط قاسية ، لكنها حافظت على هويتها في تلك الأصول وهي إلى يوم الناس هذا لم تغير لغتها ولا غيّرت لغة التعليم في مدارسها ولا جامعاتها ولاشيء من ذلك ، ومع هذا كله لم تصبح منحصرة في ذاتها ، ولم تصبح منغلقة عن غيرها ، ولم تصبح عاجزة عن التواصل مع الحضارة العالمية ، بل الحقيقة أنها تقدمت في ذلك وغزت وشاعت وانتشرت ، وكان لها شعار عند املئت عليها الشروط تحت قوة القهر العسكري أبت أن تغير لغتها ، وأن تغير مناهجها وكان لهم شعار يقولون فيه:"التكنولوجيا الغربية بالروح اليابانية".