فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 2255

حينما ادعى البشر العظمة والتقدم والسيطرة على الكون ومعرفة جل أسراره وأن لديهم من القدرات والطاقات والإمكانات ما يعرفون به كل شيء يحدث أو سيحدث في الكون، وادّعوا أن ما اخترعوه من أجهزة الأرصاد التي يعرفون من خلالها أي حدث يمكن أن يحدث من زلازل وغيرها فيتلافون الكوارث والإصابات في حد زعمهم، فأحبط الله في هذه الحادثة ما قدروه، وأتاهم ما لم يكونوا يحسبونه بهزة عظيمة وكارثة جسيمة لم يعرفوا مثلها ولم يحسبوا حسابها ولم يقدروا لها قدرها، بل لم يتنبأوا بها قبل حدوثها ولا بلحظات. (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) (النحل:45) ، (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا) (الإسراء:68) ، (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) (الملك:16) ، (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65) .

لقد شاهد العالم التعامل العنصري مع ضحايا هذه الكارثة العظيمة في صورة من أقبح الصور التي أفرزتها الحضارة الغربية المعاصرة في التعامل حتى مع الأموات فبينما أناس ينقب عنهم من بين آلاف القتلى فيوضعون في التوابيت الفاخرة ويحملون على الطائرات، إذا بالآخرين يجرفون بالشيولات وعلى ظهور القلابات ويقذفون في الحفر الجماعية تدفنهم الآلات بالتراب وبدون كفن ولا غطاء. وهكذا كل حضارة لا تقوم على منهج الله فهي فساد وظلم وضلال في الأرض (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) (الفجر:12-11) ، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (البقرة:11) .

بينما تلك الشواطئ مقصد السائحين ومحط أنظار المستثمرين تباع بأغلى الأثمان يتسابق إليها رجال الأعمال وفي لحظة واحدة تحولت إلى أراضي بوار لا تساوي درهمًا ولا دينارًا يبتعد عنها كل من رام الصحة والسلامة.

ما بين غمضة عين وانتباهتها *** يبدل الله من حال إلى حال

إنذار لعامة الأمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد:

إن التفكر والاعتبار والانتفاع بالمواعظ من صفات المؤمنين قال الله تعالى: {سيذكر من يخشى} .

والمتأمل في الأحداث والمتغيرات، وحلول كثير من العقوبات في هذا الزمان: من الزلازل، والأعاصير والفيضانات، والانهيارات، والجفاف والجدب، والحوادث المتجددة يجدها أمورا عظيمة تزيد يوما بعد يوم، جدير بالمسلم أن يأخذ العبرة منها.

ومن باب الإنذار والتحذير نتكلم عن هذا الموضوع من خلال الوقفات التالية:

الوقفة الأولى:

المعاصي سبب المصائب، فإذا وقعت المنكرات وأعلنت ولم تغير فسنة الله تعالى حلول العقوبات والمصائب (ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به في كتابه أن المعاصي سبب المصائب) (الفتاوى 28\138) .

(ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم. وقد قال الله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} (الشورى 30) وقال الله تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الأنفال 53) ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره وما أزال الله عنهم من نعمه وجد ذلك من سوء عواقب الذنوب) (الجواب الكافي) .

الوقفة الثانية:

تدل النصوص الشرعية على أن العقوبة إذا حلت شملت الجميع إلا من رحمه الله.

قال البخاري: (باب إذا أنزل الله بقوم عذابا، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:(( إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم ) ).

قال ابن حجر رحمه في شرحه: (وفي صحيح ابن حبان عن عائشة مرفوعا: إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم. وقال: إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأسه فيهم، قيل يارسول الله وفيهم أهل طاعته؟ قال: نعم، ثم يبعثون إلى رحمة الله تعالى ) (فتح الباري 13\64) .

وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (( أنهلك وفينا الصالحون: قال: نعم، إذا كثر الخبث ) )رواه البخاري وغيره. وتأمل أخي الكريم أن السائل هم الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن حجر رحمه الله: (فيكون إهلاك الجميع عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي) .

الوقفة الثالثة:

أن سبب العقوبة للجميع حتى الصالحين هو السكوت وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر رضي الله عنه على المنبر يقول: يا أيها الناس إني أراكم تتأولون هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: (( إن الناس إذا عمل فيهم بالمعاصي فلم يغيروا أو شك الله أن يعمهم بعقاب ) )أخرجه أبو داود والترمذي في سننه في كتاب الفتن ـ باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر ـ وابن ماجة والنسائي والبيهقي وابن حبان في صحيحه. ولفظه في إحدى الروايات عند أبي داود: مامن قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب"وقال الترمذي: حسن صحيح."

وعن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (( عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ) )قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

قال البخاري رحمه الله: ( باب ما جاء في قول الله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} وما كان النبي صلّى الله عليه وسلم يحذر من الفتن ) قال ابن حجر في شرحه: ( وعند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب. ولهذا الأثر شاهد من حديث عدي بن عميرة: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:(( إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ) )أخرجه أحمد بسند حسن وهو عند أبي داود وله شواهد من حديث حذيفة وجرير وغيرهما عند أحمد وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت