فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 2255

والنجاشي ملك الحبشة كان نصرانيا، وحكمه قائم على أسس من التوراة والإنجيل، غير أن هذا لم يمنع من الاستفادة من ميزة العدل في نظام حكمه الجاهلي.

ومما يذكر في تاريخ الدعوة المعاصر، أن الحكومة المصرية لما اعتقلت الداعية الكبير محمد قطب عام 1966م، أقام الشهيد سيد قطب دعوى على الحكومة المصرية لخرقها قانون الدولة أثناء اعتقال أخيه. والشهيد سيد هو من هو في تحرره من فكرة الاحتكام إلى الجاهلية وقوانينها. وهذا هو الفقه العظيم للشهيد حين يفرق بين القناعة بنظام حكم كافر، وبين الاستفادة من نظام حكم كافر لحماية الدعوة وشبابها ورجالها. [المنهج الحركي للسيرة النبوية/73] .

استدلالهم بالمصلحة: وقبل أن نبين طريقة الاستدلال بالمصلحة على موضوعنا، نتقدم بمقدمة موجزة نُعَرِّف فيها المصلحة، ومن قال بها من أهل العلم.

المصلحة في اللغة الخير والصلاح، وهي خلاف الشر والفساد، والمصلحة كاسمها شيء فيه صلاح قوي، والذي حققه العلامة ابن عاشور في تعريفها أنها: (وصف للفعل يحصل به الصلاح - أي النفع منه - دائما أو غالبا للجمهور أو الآحاد) . [مقاصد الشريعة الإسلامية/65] .

وقد استقرأ العلماء أحكام الشريعة فوجدوا أنها إنما وضعت لتحقيق مصالح العباد، يقول الإمام الشاطبي: ( المعلوم من الشريعة أنها شُرِعَت لمصالح العباد، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معا) . [الموافقات:1/199] . ويقول ابن القيم: ( فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحِكْمَة كلها) . [أعلام الموقعين:3/11] .

والمصلحة ثلاثة أنواع:

1-معتبرة: وهي التي اعتبرها الشرع ورعاها، فشرع الأحكام الموصلة إليها، كالجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد الشرب لحفظ العقل، والرجم والجلد لحفظ العرض، وحد السرقة لحفظ المال.

2-ملغاة: وهي التي أهدرها الشرع ولم يعتد بها فيما شرعه من أحكام، كتحريم الخمر والميسر مع ما فيهما من مصالح للناس، نظرا لأن الفساد المترتب عليها أكبر من المصالح.

3-مرسلة: وهي المصلحة التي لم ينص الشرع على اعتبارها بعينها أو إلغائها، فهي مصلحة لأنها تجلب نفعا وتدفع ضرا، وهي مرسلة لأنها مطلقة عن اعتبار الشرع أو إلغائه لعينها.

وقد اختلف العلماء في حجيتها وجعلها دليلا من أدلة الأحكام، فالظاهرية ألغوها مطلقا لعدم قولهم بالقياس أصلا.

ونسب للحنفية والشافعية القول بإنكارها، ولكننا نجد في فقههم اجتهادات قامت على أساس المصلحة، كقول الحنفية بجواز حرق الغنائم إذا عجز المسلمون عن حملها لئلا ينتفع بها الأعداء. وكقول الشافعية بجواز إتلاف الحيوانات التي يقاتل عليها الأعداء إذا كان القتال يتطلب ذلك، وكذلك جواز رمي الكفار وإن تترسوا بأسرى من المسلمين إذا خيف انتصار الكفار أو فوات النصر على المسلمين.

والخلاصة في المصلحة المرسلة: أنها مقصود شرعي عرف بشهادة الشرع الإجمالية، وليست بأصل معين، فالشرع دعا إلى الخير والصلاح بإطلاق، وبهذا المفهوم عمل العلماء.

وأشهر من اعتبر المصالح مصدرا من مصادر التشريع له حجيته، هم المالكية والحنبلية والإمام الغزالي. وهذا الخلاف يراجع في كتب أصول الفقه لمن أراد التفصيل.

والاستدلال بالمصلحة على هذه المسألة التي نحن بصددها عائد - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - إلى: (ترجيح خير الخيرين، وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين، بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما) .

فاستدل المجيزون للمشاركة في هذه المجالس بما يتحقق للدعوة ولعموم المسلمين من مصالح راجحة على مفاسد المشاركة، هذا مع عدم إنكار وجود بعض المفاسد في هذه المشاركة، لكنها أخف - بلا شك - من المفاسد المترتبة على عدم المشاركة.

وفي هذه الحالة تطبق القاعدة الفقهية (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما) ، والقاعدة القائلة: (يزال الضرر الأشد بالأخف) . وهنا تُقَدَّم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، على الرغم من تفاوت إمكان تحقيق هذه المصالح من بلد لآخر.

ويمكن إجمال أهم المصالح المترتبة على المشاركة بالآتي:

1 -الاعتراض على القوانين المخالفة للشرع، وهذا من إنكار المنكر.

2 -تقديم مشاريع قوانين موافقة للشرع الإسلامي، تسهم في تغيير القوانين المخالفة للشرع، وهذا من الأمر بالمعروف.

3 -محاربة الفساد والمفسدين، وقمع الظلم والظالمين، حسب القدرة بالقلب أو اللسان أو اليد.

4 -دعم الخير وأهله، ومحاربة الشر وأهله، على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حلف المطيبين الجاهلي - الذي أسس لدعم الخير ومحاربة الشر: ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت) . [سيرة ابن هشام:1/134]

5-تحقيق الحرية لعمل بعض الدعاة من خلال الحصانة البرلمانية، وتخفيف القيود المفروضة على تحرك الدعاة عموما، فلا يتعرضون للإجراءات التعسفية تحت مبررات الإرهاب كما يحدث، وكشف ما يحاك في الخفاء ضد الدعوة والدعاة، والعمل على إفشال ذلك. وقد رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفيد من قوانين الجاهلية ونظمها لتحقيق ذلك.

6 -إعادة الثقة بالإسلام والمسلمين بتقديم النموذج القوي الأمين للناس والمجتمع، وإثبات أن الإسلام دين كامل شمولي قادر على تنظيم حياة الناس الخاصة والعامة عمليًا لا كلامًا فقط، ولا يكون ذلك إلا من خلال المشاركة الفعالة للدعاة في هذه المجالس لإحقاق الحق وإبطال الباطل.

7-دفع شر البديل عن الحركة الإسلامية إذا هي تركت الساحة لهم، الذين سيسخرون كل إمكانياتهم لمحاربة الحركات الإسلامية.

8 -محاسبة الوزراء واستجوابهم، بل وطلب سحب الثقة منهم، لأن كل وزير مسؤول أمام المجلس عن عمل وزارته.

بعد هذا العرض التفصيلي لآراء العلماء والحركات الإسلامية في موضوع المشاركة في انتخابات المجالس البرلمانية أو التشريعية، وعرض أدلتهم، نخرج بالنتائج والتوصيات التالية:

1-منذ ظهور هذه المجالس في عالمنا العربي والإسلامي، لم يكن في هذه المسألة سوى رأيين فقهيين فقط،

أحدهما يمنع المشاركة ويحرمها، والآخر يجيزها.

2-ليس في المسألة نص قاطع يحسم الموضوع لأي من الفريقين، فالمسألة خاضعة لاجتهاد العلماء، والاختلاف فيها مقبول شرعا. وإنه يسعنا ما وسع السلف الصالح، اختلفوا فكان خلافهم رفيعا أديبا، وكان رائدهم رضوان الله ونصر الإسلام.

3-الراجح في المسألة بعد عرض الأدلة جواز المشاركة، وهذا قول جماهير أهل العلم، وعليه عمل الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي، كما في مصر والجزائر والمغرب والسودان والأردن ولبنان والكويت واليمن وباكستان وبنغلاديش وتركيا وغيرها.

4-المشاركة يجب أن تخضع لضوابط المصلحة، وعلى الحركات الإسلامية التي تجيز المشاركة مراجعة هذه المصالح وضوابطها بين فترة وأخرى، لمعرفة ما يترتب على المشاركة من مصالح ومفاسد وتقييمها للموازنة بينها، ومن ثم اتخاذ القرار بالمشاركة أو عدمها بناء على ذلك، بعيدا عن الأهواء و العصبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت