فهرس الكتاب

الصفحة 523 من 2255

في المجتمع الإسلامي فهم مغلوط لطريق العزة، وفي الساحة الإسلامية فهم خاطئ لطريق النصر، وفي الإعلام العربي والإسلامي فهم قاصر لطريقة رفع الذل والهوان، وفي الصحافة العربية والإسلامية غبش وضبابية تحجب مسار القوة والتمكين، وفي السياسة العربية والإسلامية سطحية مميتة للحقائق، وتسطيح قاتل ومدمر للخطوط العميقة والجذور الموصلة للسيطرة والمنعة.

قد يقول قائل: ما هو دليلك على أن هذا الفهم فهم مغلوط لطريق العزة وفهم خاطئ لطريق النصر وفهم قاصر لطريقة رفع الذل والهوان؟

وما هو برهانك على أن ما يطرح في الصحافة عليه غبش وضبابية تحجب مسار القوة والتمكين؟

وأن ما يعرض في السياسة سطحية مميتة للحقائق وتسطيح قاتل ومميت للخطوط العميقة والجذور الموصلة للسيطرة والمنعة؟

** فجوابي:

أولًا: لا يشك عاقل بأن صانع الشيء من أعرف الناس بما صنع، وأفهم من غيره في المصنوع، ويدرك كل عاقل أعمل عقله ولو لحظات - بأن مخالفة «كتلوج» قاذفة الطائرات يسبب تعطيل القاذفة، ومن ثم الهزيمة في المعركة العسكرية والمواجهة الحربية، ويدرك كل عاقل أن مخالفة نظام القاطرة وسيرها يخلف توقفًا وينتج تعطلًا وانقلابًا في صحراء يتيه فيها ركَّابها.

ثانيًا: لا يشك عاقل بأن خالق المسلمين هو الله سبحانه وتعالى، فهو أعرف من غيره بما خلق، وأعلم من غيره بما صنع، كما قال سبحانه وتعالى عن نفسه: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: من الآية 88] .

هو أعلم بما خلق، {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} [يس:81] .

ويدرك كل متعقل أعمل عقله بأن مخالفة القرآن الذي - هو النظام الذي عن طريقه يعتز المسلمون، وعن طريقه ينتصرون، وبه يرتفع الذل والهوان، وهو القانون الذي عن طريقه يحصل التمكين للمسلمين - ومخالفته تخلق الهزيمة وتسبب الذل وعاقبتها التيه.

قد يقول قائل: ما هو الدليل على أن القرآن هو القانون؟ ويمثل النظام للمسلمين حتى يقال:إن مخالفته تسبب الهزيمة وتخلق الهوان والتيه والتشرذم؟

** الجواب:

يتكون من ناحيتين: ناحية عقلية، وناحية نقلية. الناحية العقلية تقدم الكلام عليها، وهي أن صانع الشيء أعرف بما صنع وأعلم من غيره بالمصنوع، وأن كل مصنوع له نظام وقانون لتشغيله وتفعيله، ومن خلاله يعرف ما يضر المصنوع وما ينفعه.

فالله سبحانه وتعالى خالق المسلمين فهو أعرف بهم من غيره، وأعلم بهم عن سواه. فأنزل لهم القرآن قانونًا ونظامًا، وبيَّن فيه ما يصلحهم، ووضِّح فيه ما ينفعهم وما يضرهم، ورسم لهم فيه كيف ينتصرون على أعدائهم، وبيِّن لهم فيه متى يسيطر عليهم عدوهم، ومتى يهزمهم أعداؤهم، وخطَّط لهم فيه طريق العزة ومسار المجد، وأمدهم بمكونات صناعة القوة والسيطرة والتمكين.

أما الناحية النقلية: فيقول الله سبحانه وتعالى: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 2] .

ولا يقول عاقل بأن الهزيمة الحضارية أو العسكرية ليست بشقاء!

وأن الذل والهوان والتشرذم والتيه ليس من الشقاء!

فهذه الآية تبين أن القرآن لم ينزل على الإنسان إلا لأجل بناء السعادة له في الدنيا قبل الآخرة، ومعلوم أنه لا سعادة إلا إذا حل الاستقرار السياسي محل التشرذم والتيه، ولا سعادة إلا إذا جاء الانتصار بعد الهزيمة، ولا سعادة بدون وفرة اقتصادية وأمن متوفر، وقال تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة 1 - 5] .

ولا يقول عاقل إنَّ الذل والهوان والهزيمة والضعف والتيه والتشرذم من الفلاح! بل هو على عكس ذلك ومناف له تمامًا؛ فهذه الآية تبين أن القرآن طريق الفلاح، وأن القرآن يشتمل على أسباب الفلاح وأركانه.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا عليِّ الحوض] (1)

فهذا كلام من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فمن السخرية بالوحي وبالرسول أن يفسر شخص الضلال هنا بالضلال في طريقة الأكل، أو الضلال في طريقة الجماع، أو الخلاء!!

ومن الاستهزاء بالشرع والشارع أن لا تدخل القضايا المصيرية بالنسبة للإنسان تحت كلمة (الضلال) في الحديث. فمن الاستهزاء والسخرية أن يقال: إنَّ الشارع اهتم بقضية الضلال في الأكل ولم يهتم بالضلال في قضية مصيرية سياسية مثلًا، وأنه اهتم بالضلال في طريقة الجماع، ولم يُعرْ أيَّ اهتمام بالضلال في قضية مصيرية اقتصادية مثلًا، أو قضايا العزة والرفعة والتمكين والنصر!

فهذه النظرة - وهذا التفكير والفهم للشرع - من الاستهزاء بالشرع، ومن السخرية بالخالق، بل الإنسان العاقل ينزه نفسه عن أن يهتم بقضايا هامشية في الحياة، ويترك القضايا المصيرية فما بال الله سبحانه وتعالى!

كيف وقد قيل؟ بل صار من العقائد في هذا الزمن؛ فكثير من السياسيين والإعلاميين والصحفيين والمفكرين يعتقدون بأن الله سبحانه وتعالى - خالق المسلمين - اهتم بالقضايا غير المصيرية بالنسبة للإنسان، كآداب دخول الحمام،وآداب الجماع، والأكل والشرب، وآداب المشي والوقوف والجلوس والنوم، وغيرها من الأمور الهامشية، ولم يهتم بالقضايا المصيرية التي بها يأمن الإنسان، وبها يسعد ويطمئن، وبها يعتز، و بها ينتصر، كالسياسة والاقتصاد والحرب، وأسباب النصر والتمكين!

فهذا الاعتقاد لدى هؤلاء هو سبب الفهم المغلوط لطريق العزة، وسبب الفهم الخاطئ لطريق النصر، والفهم القاصر لطريقة رفع الذل والهوان، وهذا الاعتقاد هو علة الضبابية والغبش التي تحجب طريق القوة والتمكين، وهو سبب السطحية المميتة للحقائق، والتسطيح القاتل والمدمر للخطوط العميقة، والجذور الموصلة للسيطرة والمنعة، ومما يبين أثر هذا الاعتقاد على هذه الإفهام ويوضح كونه سبب الضبابية والغبش والسطحية والتسطيح.

إنَّ المراقب - والمشاهد والراصد - لا يجد في الصحافة - ولا في الساحة السياسية المعاصرة ولا في الإعلام - أسباب النصر والتمكين والعزة التي ذكرها خالق المسلمين في القرآن، ولا يرى الطرق التي نص عليها خالق المسلمين في القرآن ولا في القانون الإلهي، ولا في النظام الرباني، وهي الطرق التي بها يعتز المسلمون، وبها يرفعون الذل والهوان عن أنفسهم، وبها يتحدون، وعن طريقها ينالون القوة والمنعة والاستخلاف في الأرض.

قد يسأل سائل عن الأسباب المفقودة والأسباب الغائبة في عملية النصر والتمكين والاستخلاف؟

** الجواب:

هو أن من تلك الأسباب المفقودة والأسباب الغائبة الدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح، فكلما كثر عدد أهل الإيمان - وكثر سواد المؤمنين، وزادت ممارسة العمل الصالح في المجتمع - ارتفع مؤشر النصر، وزادت نسبة التمكين والاستخلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت