فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 2255

وفي بطن مكة، ظهر الإسلام ، وبعث محمد e في أرض، لا تعد معطياتها بنماء رسالة، ولا بنقطة بدء صالحة. فالتنافس العائلي على أشده بين أهلها، والناس تأبى أن تتبع إلا من كان غنيًا قويًا، وهي مركز العقيدة الوثنية، والطبقية الاجتماعية حادة، والحالة المادية لا تسمح بمهمة تشمل إصلاح العالم، استجابة لقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} . (1) والمواصلات المتوفرة تجعل العالم جزرًا متباعدة، والاتصالات تنتقل ببطء السلحفاة، ولو بحثت في الجزيرة يومها، فهيهات أن تجد قبيلتين ليس بينهما ثأر، والاقتصاد البدوي يقوم على الغزو، والغنيمة، والحياة مرتبة على هذه الأسس، فكيف ستنفذ الدعوة من خلال هذه المعطيات، إلى هذه البيئة أولًا ثم إلى العالم.

ومع ذلك شقت دعوة الإسلام طريقها، حين أيقظ القرآن عالم المشاعر لدى العرب، فأحسوا بأنهم أمة جديدة، لديها ما تقدمه للعالمين، وأحسوا بذاتهم وقدرهم {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ، (2) ورتب عالم الأفكار، فصحح التصورات عن الكون والحياة الدنيا والآخرة، وأقام العالم على أسباب موضوعية، على المسلم أن يبحث عنها في كل مجال، بالإضافة إلأى وجود الفكرة المحفزة التي ملأت قلوب المسلمين أملًا، فانطلقوا يفتحون الأرض. تلك الفكرة التي عبر عنها ربعي بن عامر عندما ذهب إلى رستم: {لقد ابتعثنا الله لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة} . إنها الرسالة الحضارية لإنقاذ البشرية، وتحرير الإنسان، كل الإنسان.

ثم رتب الإسلام عالم العلاقات، فنظم الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية والفردية، ومع توافر الظرف التاريخي المناسب بضعف الإمبراطوريتين الروم والفرس، انطلقت دعوة الإسلام، لتضئ العالم بدءًا من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 622م، ولتصل إلى قمة إشراقها في القرن العاشر، ثم تبدأ في الانحدار شيئًا فشيئًا لتصل إلى أقصى منحنيات الهبوط بضعف الدولة العثمانية ثم سقوطها.

ونحن حين نتحدث عن الدولة الإسلامية، ومسارها التاريخي، لا يعنينا ابتداءً الحديث عن التفصيلات، بل سنحاول أن نرسم خارطة عامة للحدث وتتابعه التاريخي.

الدولة الإسلامية النموذج المفاهيمي (622م-661م)

حين نتحدث عن الدولة الإسلامية الأولى، فيجب أن نميز بين أمرين:

* الأول

وهو المفاهيم الأساسية في الدولة الأولى، والتي أصبحت نموذجًا ومقياسًا لكل العصور، عبر عنه المسلمون بلفظ"الخلافة الراشدة"تمييزًا له عن أي شكل آخر من أشكال الحكم الأخرى، ويمكن اختزال تلك الملامح في:

في النظام السياسي ... في البناء الاجتماعي

1-المرجعية العليا للكتاب والسنة

2-حكم القانون والتطبيق الشامل

3-الحاكم منتخب

4-الحاكم أجير

5-استقلال بيت المال

6-الشورى الشاملة (آلية تراضي)

7-تفعيل كل المنتظم الإسلامي. (1)

... 1- الإعداد النفسي

2-قوة الوازع الداخلي

3-محاربة العنصرية

4-إعداد الإنسان

5-حماية حقوق الإنسان

6-حماية الوحدة الداخلية

7-حماية الحدود

8-المسئولية الحضارية

وعلى هذه الأسس تم تقويم الحكومات الإسلامية المتعاقبة، فأعطيت جميع الألقاب الملكية، حتى يأتي الخليفة عمر بن عبد العزيز، فيعيد البناء على القواعد الأولى: حاكم منتخب، حكم القانون، استقلال بيت المال، الشورى الشاملة، تفعيل المنتظم الإسلامي كاملًا، فيطلق المسلمون عليه لقب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز. ذلك هو"البروتوتايب"الإسلامي المختزل في ذاكرة الأمة.

إن هذه المعايير تعطي للأمة شخصيتها وهويتها، تحدد لها اتجاه التصور الأمثل للنظام.

وحين نتحدث عن هذا النموذج المعياري يجب أن نميز بين ثلاثة مستويات. فالمسلم يتحدث عن نموذجه المنتقى من زاوية، ويتحدث من زاوية ثانية عن الظروف التي تسمح أو تمنع من تحقق هذا النموذج بشكله الأمثل، ويتحدث من زاوية ثالثة عن المرونة الشديدة في الآليات لتحقيق هذا النموذج

* الثاني

وهو آليات التطبيق للمبادئ السابقة، ويعنينا في هذا المقام أن نشير إلى أن آليات التطبيق تخضع لمعطيات البيئة واحتياجاتها، فالحجم والكثافة السكانية والجغرافيا والخبرة

البشرية والزمن .. كل ذلك يلعب دوره في تطوير الآليات ولكن يبقى الإنسان يرقب مدى تطبيق المفاهيم السابقة ومصداقية العملية السياسية وهذا هو المحك الفاصل، ذلك هو النموذج المعياري.

ثانيًا: الدولة الأموية (الشرقية) 661م-750م

انطلقت الدولة الأموية بالإسلام إلى أقصى الشرق والغرب رغم تعطيلها للنظام الإسلامي الشوري المعروف في دور الخلافة الراشدة. وقد دخلت هذه الدولة في مرحلة الضعف منذ عهد الوليد بن يزيد بن عبد الملك (743م) . واستمر الانحدار والضعف حتى أسقطها العباسيون (750م) .

ونستطيع أن نجمل أهم سماتها في التالي:

الفتوحات

حيث امتدت الدولة شرقًا إلى بلاد ما وراء النهر (التركستان) ، وشمال الهند (باكستان وبنجلادش) . كما اتسعت غربًا من برقة إلى المحيط الأطلسي.

حركة التعريب

وهي من أهم الحركات التي شهدها العصر الأموي. وذلك لتقوية الحكم العربي في الدولة الممتدة. فتم تعريب دواوين وأجهزة الدولة، وتعريب العملة المتداولة وتوحيدها بين أبناء الدولة الشاسعة.

النهضة الفكرية والعمرانية

تكونت بذور الحضارة الإسلامية. واتخذت النهضة الفكرية طابع الدراسات الدينية والاهتمام باللغة العربية وآدابها، على حين تجلت النهضة العمرانية في اهتمام الأمويين بتشييد المساجد والقصور.

ثالثًا: الدولة العباسية

وفي عهدها تتزامن دولتان:

1-الدولة العباسية

في الشرق ولها عصرها الذهبي الذي يبدأ بالسفاح 750م وينتهي بالواثق 847م ثم عصر الانحطاط ويبدأ بالمتوكل 847م وينتهي بالمستعصم 1258م (دخول المغول) .

2-الدولة الأموية:

في الغرب والتي تقوم سنة 756م على يد عبد الرحمن الداخل وتصل إلى مرحلة الضعف والتفكك سنة 1100م لتسقط في سنة 1452م.

ومع ضعف الخلافة العباسية ودخولها في المنحنى التاريخي الهابط، وهو أمر فرضته ظروف كثيرة، داخلية وخارجية، أتيحت الفرصة لكثير من أطراف الدولة، أن تتحول لمراكز حضارية بديلة عن القلب.

وإليك خارطة التفتت التاريخي:

1. (815م) سيستقل السري بن الحكم (بمصر) .

2. (819م) الدولة الظاهرية (خراسان) .

3. (868م-905م) سيستقل أحمد بن طولون بمصر (الدولة الطولونية) .

4. (909م) الدولة الفاطمية في المغرب ثم في مصر 969م لتنتهي على يد صلاح الدين 1171م.

5. (949م-1055م) الدولة البويهية (خراسان) ومدت سلطانها لبغداد.

6. (935م-969م) الدولة الإخشيدية (مصر-فلسطين-لبنان-سوريا) .

7. (944م-1003م) الدولة الحمدانية (حلب) .

8. (1055م-1258م) الدولة السلجوقية (عاصمتها بغداد، فارس، أفغانستان، أرمينيا، جورجيا، الأناضول-وصلوا حدود الصين وأخذوا الهلال الخصيب) .

9. (1172م-1250م) الدولة الأيوبية.

10.المماليك (1250م-1516م) .

11.العثمانيون (1299م- 1924م)

وسنركز في هذا المسار على دولتي المماليك والعثمانيين لما لهما من أهمية في الإطار الذي نتحدث عنه.

رابعًا: عصر المماليك

العصر المملوكي (منذ منتصف القرن الثالث عشر إلى أوائل القرن السادس عشر)

وشهد عصرين:

* العصر المملوكي الأول: الذي ساده مماليك البحرية 1250م-1382م. وهو عصر القوة والعطاء.

* والعصر الثاني: الذي ساد مماليك البرجية 1382م-1517م. وهو عصر الضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت