فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي حَفِظَ دينَه بحفظ أوليائه من الفتن ، ورَفَعَ شأنَه بتمحيص الذائدين عنه في أَتُّونِ المحن ، وجَعَلَ سبيلَ نصرته بَذْلَ الغالي والرخيص من الثمن ، فَتَمَايَزَ أهلُ الصدق عن أصحاب الدعاوى ، وعُرِضَتْ في سوق الآخرة أثمان المشترين ، فما بين مُسْتَغْلٍ ومُسْتَرْخِصٍ وما بين غَيُورٍ مُشْتَاقٍ، وزاهدٍ مُرْتَاب ، والسلعة الثمينة الغالية عَرَفَهَا أَرْبَابُها ، فما تَوَانَوا في تقديم النفس رخيصة لِنَوَالِها ، وجِيْفَةُ الدنيا خُدِعَ فيها طُلابُها ، وهَلَكَ على عَتَبَاتِ زِينَتِهَا عُبَّادُها .
وأُصلي وأسلم على مَنْ أَعْلَى الله به راية الحق والدِّين، ورفع بجهاده شأنَ الإسلام والمسلمين ، وشَمَخَ للعدل أَنْفٌ طالما كان رَاغِمًَا ، ودَالَ للظلم حُكْمٌ طالما كان على صدر العباد جَاثِمًَا ، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغُرِّ المَيَامِين ، وأزواجه الطاهرات وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فإن جَلالَةَ الخَطْبِ كثيرا ما تُلْهِي المصابَ عن التفكُّر في عواقب الأمور ، وتَصْرِفُهُ عن تَبَصُّرِ أفضل طرائق العمل والسلوك، ولهذا كان الصبر الصحيح الصادق المُبَرَّأِ عن أي تَكَلُّفٍ إنما يكون عند الصدمة الأولى كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم .
وهاهي الأمة تَسْتَجْلِي مستقبلا مليئا بالتحديات والصعوبات ، مُحَاطًَا بالأعداء من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ ، تَمَالأَتْ عليها قُوى الشر مِن فوقها ومِن تحتها ، وتجمَّعتْ مكائدُ الحاقدين لاستئصال شَأْفَتِها ، ومع كل هذا ما زالت أمتُنا بحمد الله صابرة صامدة ، تَنْعَمُ بِعُلُوِّ الراية ، وتَمَيُّزِ المُعْتَقَد ، وتَنَامِي تيار الصحوة الإسلامية في كل أوصالها .
وكان حَادِيها والمُمْسِكُ بزمامها صفوةً من القادة والأئمة، سخرهم الله هُداةً للخلق ، يصحِّحون لهم سيرهم أو إسراءهم ، ويُقَوِّمُون لهم ما اعْوَجَّ من شأنهم وانحرف من أمورهم.
ولكننا في السنين المتعاقبة الماضية صِرْنا نرى الأجَلَ يَتَخَطَّفُ حُدَاةَ الرَّكْب واحدا بعد آخر ، وكلما قَلَّتِ الأيادي الممسكة بالزِّمَام ، ضَعُف الخِطَامُ ، وسَهُلَ شرود الراحلة وشُمُوسُها ، بل انحرافُ القافلة وضلالُها.
ولقد كان نصيب أهل السنة من هذا المصاب أَجَلَّ وأعظم ، حتى إن العقلاء قد اجتمعت كلمتهم على تسمية العام المنصرم والجاري بعام الحزن لموت ثلاثة من أئمة الهدى، هم الشيخ عبد العزيز باز وعلى إِثْرِه الشيخ الألباني ثم من بعده الشيخ محمد الصالح العثيمين رحم الله الجميع .
ولقد تباينت ردود الأفعال ما بين غير آَبِهٍ أوعَابِئٍ وذَاهِلٍ ومُتَحَيِّر ، أو ما بين مُقَلِّلٍ من فَدَاحَة الخَطْب ومُغَالٍ في هَوْلِهِ وشدته ، لكن حالة الجزع لا يمكن أن تُخْطِئَها عَيْنٌ ، وتَفَصُّمُ عُرَى الصبر أَضْحَى قَابَ قَوسٍ أو قوسين ، ولما كانت المرحلة المقبلة التي تَسْتَشْرِفُها الصحوة مليئة بالتحديات، ولما كان وجود أئمة الهدى ومراجع الفتوى من ضروريات الدين ، ولما كانت الأزمة التي تعانيها الصحوة هي أزمة وجود القائد والقدوة التي تجتمع عليه الكلمة وينحسم به أي خلاف يطرأ في الساحة ؛ أحببتُ أن أبذل لنفسي وللصحوة وشبابها نصيحةً فيما يجب عليهم تجاه المرحلة القادمة ، خاصة أن الطَّرح الموجود بين فصائل الصحوة ما زال يغلِب عليه طابِع الرثاء المحض ، وصار صوت الشَّجَن هو الأعلى من بين كل الأصوات ، ولم أر حتى الآن مبادرة علمية وعملية للاستفادة من هذا الظرف النادر الذي وجدت فيه الآمة .
وهذا الطرح الدعوي الذي أطرحه في هذه الرسالة قائم على مقدمتين يقينيتين ، والنتيجة متوقفة على مدى توافر اليقين عند العامل بتلك المقدمتين ، فمن عمل بهما مستيقنا صِحَّتَهُما ظهرت النتيجة قطعا بحول الله وقوته ومعونته .
أما المقدمة الأولى فهي أن الأمة تعيش مرحلة عصيبة من مراحل حياتها ، وأن هذه المرحلة تستتبع يقظة وتحفزا وانتهازا للفرص ، وأن هذا الوضع يملي علينا شباب الصحوة المزيد من العمل والحركة لبلوغ أهدافنا وغاياتنا .
أما المقدمة الثانية فهي أن فصائل الحركة الإسلامية - وأخص بالذكر من انتسب لمنهج السلف الصالح واعْتَصَمَ بمعتقد أهل السنة - قد استكملوا من أسباب القوة وإمكانيات النصر ما يؤهلهم لبَدْء مرحلة المواجهة الحكيمة المُدَبَّرة .
إن النتيجة التي لا بد أن تتمخض عنها المقدمتان هي أن القيادة والإمامة لا بد أن تظهر تلقائيا وتتولَّد ضرورة ، إذْ مِن غير المعقول أن يرضى العقلاء بسير كسير راحلة عمياء ، أو حركة كخبط العشواء ، فالقدرة مع تمام التبصر بالتحدي يولِّد التهيؤ للمواجهة بالضرورة ، ولا يمكن لعقلاء الحركة الإسلامية إذا صَحَّت المقدمتان المذكورتان أن يرضوا بمواجهة الباطل في مرحلتنا القادمة بدون قيادة تمضي بهم نحو النصر المبين ، أو بدون إمامة تحسم النزاع بينهم في كل ما يشتجرون فيه .
إن هذه الرسالة ستحاول أن تعالج هذه القضية ، بمقدمتيها ونتيجتها لا من جهة نظرية علمية ولكن من ناحية عملية إجرائية، وستحاول الرسالة أن تستجلي بعض الغموض الذي يَكْتَنِفُ أهمية هذه القضية لأنه ما زال هناك من تَشَبَّعَ بنحلة القدرية حتى في مسالك الجهاد وطلب العلم، وأوكل حال الأمة لتصاريف الأقدار ناسيا أن أسباب النصر من تلك التصاريف التي قدرها الله ، وأن طرائق القوة والمَنَعَة من حِيَلِ القدر التي عَلِمَهَا الله وسَطَرَهَا في كتاب مبين ، وشاءها وخلقها في عباده، والمتعامي عنها بحجاب الثقة المزعومة في قضاء الله مُسْتَتِرٌ في الحقيقة بِضَعْفِ نفسه وخَوَرِهَا، هارب من واقع شخصيته المتخاذلة .
والحال أن واقعنا يعاني إما من خَائِفٍ مُرْجِفٍ ، أو خائنٍ مُخَذِّلٍ ، أو خائرٍ مُتَحَيِّرٍ ، والوَثْبَةُ التي تنتظرها أمتنا لا يمكن أن تعتمد على هؤلاء الثلاثة ، بل تحتاج إلى قَلْبٍ هَصُوْرٍ، وعَزْمٍ جَسُور ، وهِمَّة لا تَخُور ، وطُمُوحٌ إلى معالي الأمور ، وصاحب تلك الخصال لا بد أن يكون صاحب تصور واضح لحال الأمة وواقعها وما يجب عليها القيام به ، وما يجب عليه تجاه أمته ، فالفرد إذا كان كالأمة ، كانت الأمة كالفرد في تماسكها والتئام شملها .
صفة المفتي في هذا الزمان
اتفقت كلمة الأصوليين على ضرورة أن يكون المفتي مسلما عدلا سليم الحواس في الجملة بحيث يقدر على تمييز ما يعرض عليه والحكم عليه بدون تقصير في الفهم ، وأن يكون صاحب اجتهاد وقدرة على استنباط الأحكام من النصوص الشرعية في الجملة .
هذا القدر مجمع عليه في الجملة ، وقد يحصل الخلاف في بعض التفاصيل والشروط مثل البلوغ ، وسلامة بعض الحواس مثل البصر والسمع ، أو في مستوى الاجتهاد الذي ينبغي أن يصل إليه.
كما اتفقت كلمة الفقهاء على أن تنصيب المفتي فرض كفاية على المسلمين لا يحل لأهل بلد أن يخلو إقليمهم من مرجوع إليه في أمور الدين والدنيا .
وقد شرط الأئمة شروطا علمية في المجتهد المفتي سنتعرض لها فيما يُستقبل من العناوين ، ويهمنا هنا أن نقرر ما يجب توافره في مفتي هذا الزمان إضافة إلى ماشرطه أئمتنا رحمهم الله .
ولا شك أن الفقهاء كانوا يتحدثون عن واقع يعيشونه ، وظروف لم يتصوروا خلافها أو بالأحرى لم يكونوا مُلْزَمِين أن يتصوروا خلافها .