فهرس الكتاب

الصفحة 614 من 2255

وليس هذا فقط ،وإنما عمل الاستعمار أيضًا وخاصة الإنكليزي على بناء زعامات وطنية يقوم بتربيتها وإبرازها وإشهارها كشخصية عبقرية فذة مؤكدًا على وطنيتها من خلال ما يرتبه لها من موقف وطنية مناهضة للاستعمار فيلتف حولها الوطنيون، وتنال دعمًا شعبيًا كبيرًا فتصبح هذه الزعامة بفضل هذه المواقف التمثيلية المرتبة، والحزب الملتف حولها هي القوة الغالبة. وبهذا يهيئها لتسلم دفة الحكم عندما تزف ساعة الرحيل بعد أن ينتهي دور الاحتلال بتحقيق أهدافه، فالاستعمار لا يمكن كما يقول مالك بن نبي:"أن يلغي من حسابه مبدئيًا احتمال الاستقلال... إن الاستعمار لواثق اتجاه هذا الاحتمال، ولمواجهته في الوقت اللازم"، ولذلك يهيئ لمن يُسلم البلاد، ويقول عن حال الجزائر:"إن الصراع لم يكن صراع أفكار، وإنما صراع مصالح تشرف عليها السلطات العليا، متظاهرة بمقاومته أحيانًا، عندما تعلن غضبها على هذا -العدو لفرنسا- أو ذاك حتى يرى الشعب المغرور في تلك العداوات بطولات توجب عليه السمع والطاعة لأصحابها..."، وليس أدل على ذلك من الكيفية التي ظهر فيها سعد زغلول وأصبح أكبر زعيم وطني في مصر، وهو الذي استوزر لأول مرة وهو شاب صغير بترشيح من بلنت وكرومر وأصبح وزيرًا مزمنا في الوزارات المختلفة والمتعاقبة في الدولة ينتقل من وزارة إلى أخرى منفذًا للإنكليز كل استبدادهم ومكرسًا احتلالهم لمصر !! فمن المعروف أن الوزير آنذاك هو المنفذ لسياسة الإنجليز وقد اعترف بذلك اللورد ويفل Wavel الذي قال عن كيفية الحكم في مصر:"إن الإنجليز ليس لديهم سلطات تنفيذية بأنفسهم ولكنهم يباشرون التنفيذ عن طريق الوزراء المصريين..."ولما أنشأ كتشنر عام 1913 الجمعية التشريعية استقال سعد وانتخب رئيسًا لها، وتحول إلى معارض للإنكليز بقدرة قادر!! وتطرف سعد بعد ذلك لينافس الحزب الوطني المتطرف ضد الإنكليز إلا أنه احتوى هو وجماعته من أعضاء حزب الأمة هذا التطرف ضد الإنكليز ووجهوه ضد الخديوي وإن عارضوا الإنكليز كما يقول محمد محمد حسين:"فهم لا يعارضونهم إلا في تسامحهم مع الخديوي".

وبدأ بعد ذلك سلسلة من الخلافات والمهاترات التي يفتعلها مع هذا وذاك من أعضاء الحكومة ومن أعضاء الجمعية التشريعية مما عرقل نشاطها، حتى الوفد الذي ذهب للمفاوضات مع الإنكليز والذي كان هو أحد أعضائه لم يسلم من هذه الخلافات ، إذا افتعل سعد زغلول خلافًا مع أعضاء الوفد ونازع عدلي باشا رئيس الحكومة على رئاسة الوفد مما أضعف موقف المفاوضين! ولما اشتدت هذه الخلافات التي صارت إلى مهاترات سخيفة يمكن أن تضر به! نفي ولمدة شهر واحد في مارس 1919 فقط ليعود بعدها بطلًا مقدامًا وشخصية جماهيرية فذة تنزهه الجماهير وتبرر له كل أفعاله. فأصبح يحرك الجماهير كيفما يشاء، وطغى بشخصيته هذه على كل معارضيه، وأصبح الزعيم الذي جعل مصر رهن إشارته.

فماذا حقق ؟!

أضعف موقف الحكومة والمفاوضين في مفاوضاتهم مع المحتلين، شغل الأمة، حكومة وشعبًا بخلافات جانبية تافهة لا طائل ورائها، وامتص النقمة والثورة على الإنكليز وحماسة الشباب بخطبه الحماسية ، وحولها كما يقول محمد محمد حسين:"إلى الاشتغال بالتوافه وبما لا طائل تحته، فبعثر هذه الطاقة الضخمة وبددها، وفوت على الأمة أن تستفيد بها حين كان يمكن الانتفاع بها فيما يجدي وينفع"وبعد أن أدى دوره هذا عاد إلى الواقعية وموالاة الإنكليز مرة أخرى كما كان من قبل ! فلم يكد يصل اللورد لويد عام 1925 إلى مصر حتى سارع سعد إلى زيارته ، ولم تلبث الصحف الوفدية أن مالت إلى مهادنة الإنكليز والدعوة إلى مسالمتهم والانتفاع بمزايا وجودهم والانشغال بالأمور الاقتصادية والزراعية وتأجيل مسألة الجهاد السياسي إلى إشعار آخر حتى تحين الفرص !!

وبدأ سعد يدافع عن الامتيازات الأجنبية ويشيد بالأعمال الجليلة التي تقوم بها الحكومة الإنكليزية، ولكنه مات ولم يمهله الأجل ليحقق ما كان الإنكليز قد عقدوا عليه من آمال، وفوت موته على الإنكليز فرصة كبيرة في الاستفادة من استثمارهم فيه، ولذلك قال نيومان متأسفًا على موته:"كان من الممكن أن يكون سعد زغلول عاملًا قويًا في هذه الفترة من العلاقات المصرية الإنجليزية"، وقد كان هناك أدلة لا تحتمل إلا قليلًا من الشك على ما ذهب إليه اللورد لويد والحكومة الإنجليزية من انتظار معونته وعطفه، وقد كان عطف زغلول على وجهة النظر الإنجليزية يعني عطف المصريين جميع ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت