فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 2255

بينما في بلادنا العربية فالأحزاب ذات الانتماءات المختلفة لا حصر لها وكل منها يريد التسلط في الحكم وأصغر وأضعف حزب يمكن أن يصبح الأقوى والأكثر تأثيرًا في وقت الحاجة بما يتلقاه من دعم أصحاب المصالح من الأجانب، فإن كانت الديمقراطية في الدول التي ابتدعتها لعبة يلعبها أبناء الأمة فيما بين بعضهم البعض أو تمثيلية المخرجين والممثلين فيها من أبناء البلاد ؛ فإنها في البلاد الأخرى وخاصة في الدول النامية تصبح لعبة يلعبها الأجانب ، ودور أبناء الأمة فيها لا يتعدى دور حجر الشطرنج، أو تمثيلية يخرجها الأجانب بممثلين من أبناء الأمة. وقد حاولت الدول الأوروبية في أول الأمر حصر أمر الديمقراطية في البلاد التابعة لها، بحزبين أو أكثر لهما ذات العقيدة العلمانية المستوردة منها ويعملان بتوجيهاتها ليتناوبا الأدوار كما هو حال الديمقراطية في موطنها ، ولكن لم يكن ذلك ممكنا لعدة أسباب منها ما يلي: -

أ- أن العقيدة الإسلامية السائدة في البلاد والمعارضة للعلمانية ظلت حية ولم تستطع الضربات التي وجهوها إليها أن تنال من حيويتها بما يكفي للقضاء عليها، بل ظلت تشكل اتجاها مخالفًا تمامًا للاتجاه العلماني التابع لهم.

ب- إن التنافس الشديد بين الدول الأوروبية وخاصة بين فرنسا وبريطانيا على السيطرة على البلاد العربية وإخضاعها لتبعيتها جعلت هذه الأحزاب العلمانية ذات العقيدة الواحدة والتي تنطلق من فلسفة واحدة تنقسم بحسب انتماءاتها لهذه أو تلك من الدول المتنافسة ؛كما حدث في حالة الأفغاني وخروجه من المحفل الماسوني البريطاني وانضمامه إلى المحفل الفرنسي، مع أن الماسونية كعقيدة هي ذاتها! مما زاد من تشتت الأحزاب.

ج- عندما ظهر الفكر الاشتراكي والشيوعي أرادت الدول الأوروبية احتواءه فدعمته وأنشأت له الأحزاب في البلاد العربية ودعمتها ليكون جزءا من الاتجاه العلماني التابع لها، ولكن ظهور روسيا ثم الصين كدولتين كبيرتين تدعمان الشيوعية، أفشل خططها بعض الشيء، في احتواء الحركة هذه وجعلها تحت سيطرتها وحدها، وبانقسام هذه الأحزاب العلمانية الليبرالية والشيوعية والاشتراكية إلى فروع وفروع الفروع وتعدد انتماءاتها جعل مسألة الأحزاب أكبر من أن يحصرها ذلك الاتجاه الواحد الذي أرادت الدولة الأوروبية حصر الديمقراطية في إطاره ؛ مما أفشل مشروع الديمقراطية في البلاد العربية وجعلها إن وجدت، مجرد سوق يتزايد فيه المرشحون على الشعارات وبيع الكلام، وقد ذكر مالك بن نبي مثلًا على ذلك ما صار إليه حال الجزائر في فترة الثلاثينات إذ قال:"إن الوضع تهيأ آنذاك لـ"السوق الانتخابية التي ستفتح أبوابها على مصراعيه... عندما تدق ساعة المزايدة في القيم الأخلاقية والاجتماعية التي اكتسبها الوطن خلال الثلاثينات والتي ستباع فعلًا بالمزايدة الديماغوجية التي أعلنتها اتحادية المرشحين..."ويقول عن ضرر طغيان الحزبيات وشعاراتها:"لا يستطيع أحد تقييم ما تكبدنا من خسائر جوهرية منذ استولى علينا مرض الكلام، كانت قبل ذلك الأفكار نقية صافية، والنوايا خالصة، صادقة ، والقلوب رحيمة خيرة... فاستحال كل ذلك إلى الخلط، والخبط ،والتباغض والانتهازية والثرثرة ، وأصبح كل فرد مهتمًا بـ (نوتته) الشخصية في العزف العام، ويسعى لمصلحته الخاصة، باسم الصلاح وباسم الوطنية...""

وريبة الأمة العربية في الديمقراطية وسوء الظن بها زاد عجزها عجزًا، فهي قد دخلت مع الاستعمار، الذي أدخلها ولم يستخدمها إلا لإذلال الأمة وفرض إرادته عليها، فقد قسم أراضيها وشتت شملها باسم الديمقراطية واستفتاءاتها، وفرض عليها من الحكام والملوك من يشاء غصبًا عنها وباسمها، أخرجها من دينها وتقاليدها ونظمها التي تفهمها وارتضتها لنفسها وفرض عليها عقائده العلمانية ونظمه وباسمها! ومنح أجزاء عزيزة عليها من أراضيها إلى الآخرين، وباسمها، وارتكب ويرتكب حتى اليوم كل الجرائم بحق الأمة وباسمها!! فكيف لا ترتاب وتستهزئ بها وتتهمها بالتزييف مهما كانت نزيهة، فكل ما يأتي من دول الاستعمار لابد أن يكون مزيفًا، ولابد أن تكون هذه الدول قد تدخلت فيها لمصحتها ، فهكذا علمتها التجارب !

وخلاصة القول، فإن الديمقراطية الأوروبية كما دعا إليها الأوروبيون في البلاد الأخرى ما هي إلا وهم أو سراب استخدمته الدول الاستعمارية قبل الاحتلال لتغليف مقاصدها اللئيمة ولإغراء بعض أبناء الأمة بالأماني والآمال الكاذبة لكسبهم إلى جانبها، ليمهدوا لها احتلال البلاد، وبعد الاحتلال صار وسيلتها لاختراق الأمة وتسييرها كما تشاء لخدمة مصالحها، وبعد الاستقلال أصبح وسيلة لاستمرار تبعية البلاد لها . واستخدمه الأفراد والأحزاب من أبناء الأمة وسيلة للوصول إلى الحكم. فما داموا بعيدًا عن السلطة والحكم فهم باسم الحرية والديمقراطية يهدرون حريات الآخرين ويعتدون بما ينشرون من الأكاذيب والأباطيل عن أصحاب السلطة ما يشوشون به الحقائق على الأمة، ليبنوا لأنفسهم محفة فاخرة تنقلهم باسم الديمقراطية إلى مواقع السلطة ليستبدوا بها ويركلوا الديمقراطية بعد ذلك بعيدًا عنهم، ولذلك وبعد أكثر من مائة عام على الدعوة الديمقراطية لا نجد حولنا إلا استبدادًا تطور مع مرور الأيام وانتقل من مرحلة إلى أخرى ليصل إلى ما وصل إليه اليوم من الشدة التي يصفها دعاة الديمقراطية أيضًا ، ولم يتحقق للأمة من خلال هذه المسيرة الطويلة سوى هوان التبعية للدول الأجنبية صاحبة الديمقراطيات! ) .

( وعلى رأس هذه السلبيات ما يلي:

1-الحزبية ؛ سواء التعددية أو الحزب الواحد، فالديمقراطية كفكرة تقوم على انتخاب الحكام والممثلين عن الشعب ليشارك هذا الأخير بواسطتهم في اتخاذ القرارات، مثل طبخة شهية ومغذية وغنية بكل ما يفيد الإنسان والمجتمع ككل، ولكن ومع الأسف، فإن اعتبار الحزبية والتعددية إحدى مقوماتها يصيبها بالعفن والفساد وتصبح سما قاتلا لحكم الشعب. وأسباب هذا العفن والفساد عديدة، منها ما قيل في صفحات سابقة عن الحكم الدكتاتوري الذي يجعل الفرد يفقد حريته ويجعله آلة تطيع القوانين وتتبع الأنظمة ، ويحوله من قوة فعالة مبدعة إلى قوة مسيرة تخضع لما يكتب لها، هو عين ما يحدث للمنتمين للأحزاب المختلفة الذين عليهم طاعة القوانين والأنظمة التي يضعها قادة الحزب ومفكروه، والفرق الوحيد بين الاثنين هو أنه بدلًا من أن يكون الفرد تابعًا للهيئة الحاكمة يصبح تابعًا للهيئة الحزبية ويعمل بأمرها، وهذا أسوأ بكثير من حال الأول ؛ لأن الحالة الأولى قد تؤدي إلى تماسك الشعب وسيادة القوانين أما في الحالة الحزبية فتسود الفوضى والاستهانة بالقوانين والأنظمة، ومن أسباب هذا العفن أيضًا أن الحزب عادة يدعم مرشحه، بالحق أو بالباطل، ويلمع صورته ويوفر له من الدعم المادي والمعنوي ما لا يمكن أن يتوفر للمرشح المنافس، المستقل أو المنتمي لحزب آخر لا تتوفر له الإمكانات المادية والمعنوية التي للأول،ويحرم بالتالي الأمة من الإفادة من أفضل عناصرها، فالحزبية هنا قتلت الديمقراطية وجعلتها حكم الأقوى وليس حكم الشعب.

وبما أن بعض الأحزاب تعتمد فكرًا أجنبيًا في تحديد أهدافها ووسائل تحقيقها فالضرر سيكون أكبر ؛لأن حكم الشعب سيصبح ليس فقط حكم الأقوى بل حكم التبعية للأجانب وسيطرتهم. هذا غير ما تتلقاه بعض الأحزاب من دعم مادي ومعنوي من الأجانب مما يزيد الأمر سوءا والأجانب سيطرة.!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت