فهرس الكتاب

الصفحة 623 من 2255

الشق الأخطر للديمقراطية

وبهذا يعلم أن هذا الشق من الديمقراطية بمفهومها الغربي ما هي سوى التمرد على شريعة الله تعالى ، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى ،

ولئن كانت في إنطلاقتها الأولى في أوربا صادقت بيئة لاتعرف دينا إلاّ الدين المحرف الذي كان سببا لشقاءهم ، فتمردت عليه ، فإن استنساخها إلى بلاد المسلمين ،وبين أيديهم هدى الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ليس سوى تقليد أعمى لايأتيه إلا من بدّل نعمة الله التي أنعم الله بها عليه .

وقد سمّى الله تعالى ، الحاكمين بغير شريعته كافرين ، وظالمين ، وفاسقين ، ومرتدّين ، ومتحاكمين إلى الطاغوت ، ومؤمنين به ، ونفي نفيا مقرونا بالقسم بربويته الخاصة المضافة إلى من انزل عليه الشريعة ، نفى عنهم الإيمان ، وسماهم المبدّلين نعمة الله كفرا ، والمتّخذين أربابا من دون الله تعالى ، وجعل إيمان الذين يريدون ـ حتى لو لم يفعلوا ـ التحاكم إلى غير شريعة الله تعالى زعما محضا ، وأنهّم المبتغون حكم الجاهلية ،والمشركون بالله تعالى في الحكم ، وسماهم المنافقين ، والمشاقّين للرسول ، والمتبعين غير سبيل المؤمنين .

فهذه خمسة عشر وصفا ، هي أشدّ الأوصاف ذمّا ، وأعظما جُرما، كلّها قد وُصِم بها الحكم بغير ما أنزل الله تعالى .

فليتأمّل المؤمن برب الشريعة العلية المطهرة ، التي انزلها نورا على خير الناس ، هدى وشفاء للناس ، فليتأمل هذه الآيات الكريمات:

قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، وقال: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، وقال: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) ، وقال: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، فسمى غير أحكام الله ، أحكام الجاهلية ، وسمى المعرضين عن تحكيم الشريعة مبتغين أحكام الجاهلية ، وإذا كان (أبغض الناس إلى الله تعالى مبتغ في الإسلام سنّة الجاهلية) ، خرجه البخاري من حديث ابن عباس ، فكيف بمن يحكم في الناس بحكم الجاهلية ؟!

وقال: (أَلَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَاأُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَاأُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو اْإِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) ، فجعل الذين يريدون التحاكم إلى غير ما أنزل الله تعالى ، غير كافرين بالطاغوت ، وهذا يعني أنهم مؤمنون بالطاغوت ، ولهذا جعل إيمانهم بما أنزل الله تعالى زعما ، ومعلوم أن الكفر بالطاغوت أحد ركني الشهادتين ، فالطاغوت كل ما يتخذ من دون الله تعالى من أرباب ، أو آلهة ، أوأنداد ، وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَافِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِاعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، وقال ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

وفي هذا بيان واضح أن مريد التحاكم إلى غير ما أنزل الله مؤمنٌ بالطاغوت ، كافرٌ بالله تعالى ، مجانبٌ لما جاءت به الرسل الكرام ، عليهم السلام ، ذلك أن ما أرسلوا به هو الحكم بالكتاب بالحق ، قال تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ) .

وقال تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) . فقد وصفهم بالمنافقين

وقال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) . وأيّ مشاقّة للرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من الإعراض عن شريعته ؟! وأيّ تولِّ لغير سبيل المؤمنين ، أعظم من نبذ التحاكم إلى التنزيل الذي آمن به المؤمنون واتّبعوه ؟!

وقال تعالى: (اتخذوا أحبارهم وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَاأُمِرُواْ إلا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّإِلَهَ إِلاَّهُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، ،ومعلوم أنهم أطاعو الأحبار، والرهبان ، في تحليل ما حرم الله ، وتحريم ما أحل الله تعالى ، فكان ذلك اتخاذهم أحبارهم ، ورهبانهم ، أربابا من دون الله تعالى ، مع أنهم كانوا يفعلون ذلك تدينا ، وتعظيما لدينهم المحرّف ، ظانين أن للأحبار ، والرهبان ، ذلك الحقّ ، وليس تحقيرا للدين ، ولا إقصاء له ، ثم سمّاهم الله تعالى متخذي الأرباب من دون الله تعالى ، فكيف يكون حكم الذين يقصون الشريعة ، من المتحاكمين إلى القوانين الوضعية ؟!

ولهذا قال تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدا) ، فسمى المتخذ الطاغوت يتحاكم إليه ، مشركا بالله تعالى.

وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار) ، وأعظم نعمة هي الشريعة المنزلة على خير النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَمُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌرَّحِيمٌ) ، وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بعد أحكام الذّكاة ، وتحريم الميتة ، وقرن ذلك بشرك الذبح على الأنصاب ، والإستقسام بالأزلام ، وفيها بيان أنّ النعمة إنمّا تّمت على هذه الأمّة المرحومة ، بشريعتها الشاملة لكل مناحي الحياة ، حتى المآكل والمشارب ، فمن بدل شريعة الله بغيرها ، فقد بدل نعمة الله كفرا وأحل قومه دار البوار.

وقال تعالى): إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَانَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ )

فهؤلاء قالوا للذين يكرهون ما نزل الله ، أنهم سيطيعونهم في بعض الأمر ، لاكله ، وقالوا ذلك سرا لا جهرا ، صارا مرتدين بذلك ، فكيف بالذين يطيعون الكارهين للشريعة من الكفار ، بتبديل الشريعة كلها ، ويفعلون ذلك جهرا لا سرا ، ويتبجحون بذلك زاعمين أن قوانينهم الوضعية عدل ، وصلاح ، وإصلاح للبلاد والعباد ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت