فهرس الكتاب
بينما لم يكن علماء التراث الاسلامي بهذه المغالاة والتطرف, بل تحدثوا كثيرًا عن ماكان الأئمة يسمونه"علوم الأوائل"وانتقدوا استمداد بعض مفاهيم علم الكلام وأصول الفقه والتصوف منها, ولكنهم لم يشطبوا الوحي والنص من دوره الجوهري في تشكيل التراث, وهذا يؤكد ماسبقت الاشارة اليه من الفارق بين بنية الاعتدال الاسلامي وبنية الغلو المعرفي الغربي.
وهذه المقارنة تكشف بجلاء أن مالدى هذه التفسيرات الاستشراقية وشراحها العرب من الحق فقد قرره علماء التراث الاسلامي, وماأضافوا الى ذلك فأغلبه فروض واحتمالات باطلة, تستند في غالبها الى التشابه الفيلولوجي لا إلى المستند التاريخي.
ومن أكثر أسباب هذا الضلال الاستشراقي غياب الوعي بمعطيين أساسيين, أولهما: دور النبوات وبقايا الكتب السماوية في تشكيل ثقافات الأمم السابقة للاسلام, وثانيهما: حجم المفاهيم المشتركة بين الكتب السماوية كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد) .
وتبعًا لهذين المعطيين فإن جزءًا كبيرًا من ظاهرة التشابه المفاهيمي بين ثقافات الأمم المتأثرة بالنبوات ليس نتيجة اقتراض ثقافي بينها, بقدر ماهو انعكاس لمصدر متقارب المفاهيم, بل يصل أحيانًا لحد التطابق.
وأما أداة"التسييس"وهي التنقير عن الخلفيات السياسية للخطاب التراثي فأكثرها افتراضات وتهويلات وسوء ظن, وحين نتأمل في ظاهرة التفسير المادي/السياسي للتراث فاننا نشعر بالألم من حالة"التناقض التفسيري"الذي يقع فيه غلاة المدنية.
ففي قراءة التراث يميلون الى تقديم قراءة تاريخانية تحيل الافكار الى خلفيات السياق الاجتماعي والسياسي, فيفسر علم الفقه بصراعات القوى, وعلم العقيدة بمعارك المذاهب, وعلم الحديث بطلب السوق, وعلم التفسير بالموروث الثقافي, وهكذا.
بينما في قراءة الفكر الغربي لاتتم قراءته بمنظور تاريخاني يكشف البعد الذاتي, بل تتم قراءته بنيويًا باعتباره مجرد نسق ثقافي نقي متعالٍ, ومعزول عن الخلفيات والدوافع البشرية والسياسية والعنصرية, فيصور باعتباره مجرد فلسفة تستهدف الاستنارة والسلام الانساني وسعادة البشرية.
ومقارنة هذين المشهدين تشي بالتناقض المذهل في نظرية التفسير, فلايمكن تصور أن تكون حضارة كاملة تقرأ تاريخانيًا, وحضارة أخرى تقرأ بنيويًا, فتفاوت التقنية التأويلية بهذا التناقض الحاد يكشف عن انحيازات نفسية عميقة أكثر من كون الخطاب رؤية معرفية.
والمتأمل في خطاب غلاة المدنية واللغة التي يعبرون بها عن منجزات الفلسفة الغربية والهالة التي يحيطون بها الأعلام الأوروبية ينكشف له هذا الانحياز النفسي بشكل واضح, فالتصور المطروح عن الفكر الغربي ليس"تصور علمي"معني بقراءة وتفسير الحالة الغربية كنسيج اجتماعي أو شبكة معقدة تمتزج فيها السياسة والمصالح والافكار والاخلاق والتيارات, بل تقدم صورة الفكر الغربي بلغة مناقبية وعبارات وجدانية هي أقرب الى الهيام منها الى القراءة المعرفية, فخطاب غلاة المدنية عن الغرب هو خطاب تبشيري وليس كما يزعمون من أنه خطاب تحليلي.
بل ويصل التطرف في تطويب الغرب -بمعنى تحويله الى طوبى- عند بعض غلاة المدنية الى مستويات أكثر من ذلك, فبعض غلاة المدنية اذا أخذ يتحدث عن المجتمع الغربي كأنه يصف"مدينة فاضلة"تتحقق على الأرض, فتأخذك التساؤلات أين هذا المجتمع المثالي الرومانسي الخالي من النزوات البشرية الذي يتحدث عنه هذا الكاتب؟
لتكتشف بعد ذلك أن هذا الكاتب حين يتحدث عن المجتمع الغربي فإن ذهنه يمر بثلاث مراحل: ففي البداية يركِّب"الصورة المثالية"الحالمة في ذهنه, ثم ينسبها لهذا"المجتمع الغربي", ثم يحاكم المجتمعات الأخرى عن عدم وصولها لهذا المستوى الغربي المتقدم؟!
فالمجتمع الغربي يطابق المثال الذهني الطوباوي المفترض, وليس هو الواقع الغربي الذي نعرفه جغرافيًا وفكريًا, بمعنى أنه تحول الغرب الى"مقولة مرجعية"تستحضر لأغراض التقييم والقياس ومحاكمة التجارب البشرية الأخرى, أكثر من كونها للدلالة على حضارة معينة معروفة جغرافيًا وفكريًا ولها سياقاتها الخاصة.
وهذه السيرورة الذهنية تشابه الى حد كبير بعض متفقهة المدنية الذين إذا لم يستحسنوا بذوقهم المحض شيئًا قالو: هذا لاينسجم مع الشريعة. فنسبوا ذوقهم للشريعة, ثم حاكمو الوقائع على أساس مخالفتها لهذه الشريعة التي زعموها.
وحتى لايكون الكلام تجريديًا أذكر أن أحد كتاب الغلو المدني أفرد عدة مقالات يتحدث فيها عن ظاهرة"القبيلة"في المجتمع العربي والمحلي خصوصًا, وخلع عليها كل ألقاب الذم التي حملها قاموسه, ثم أخذ يتحسر بسبب أن ثقافتنا تحمل جذور العنصرية بخلاف الثقافة الغربية الخالية من هذه العنصريات.
فلاأدري عن أي غرب يتحدث هذا الكاتب؟ فالصراعات الكبرى في الثقافة الأوروبية كانت تدور حول تمايزات الأعراق الغربية, وقد أشعلت على أساسها حروب كبرى, وقامت على اساسها مشروعات دول, والولايات المتحدة التي ينظر اليها غلاة المدنية باعتبارها نموذج المساواة لم يصل الى سدة الحكم فيها طوال عمرها الرئاسي لارجل أسود ولا أنثى حتى هذه الساعة, ومع ذلك كله فإن هذا الكاتب يحاكمنا الى هذه الثقافة زاعمًا نقاءها الاثني, فهذا مما يدل على أنه ركب صورة ذهنية مثالية ثم نسبها للمجتمع الغربي ثم أخذ يحاكم المواقف اليها.
بمعنى أن الغرب تحول عند بعض غلاة المدنية الى صورة متخيلة غير موجودة هي أشبه بالمطلق والمتعالي منها بالواقعي والانساني, وعليه فيبدوا أن غلاة المدنية هم الذين بحاجة الى أنسنة تصوراتهم عن الغرب, بمعنى كشف البعد الانساني والذاتي في مضامين الفكرة الغربية, لاقراءتها باعتبارها فكرة سماوية مجردة عن السياق التاريخي.
والحقيقة أن هذا الانبهار المرضي فضلًا عن كونه متصادم مع الوحي والواقع, فانه مضر أيضًا بالنفسية المسلمة, فان الاعتماد على جاهزية المنتج الغربي يسبب تسلل الشلل الى امكانيات الانتاج, ولذلك فان تجارب النهوض الآسيوية كلها كانت تؤكد أهمية عنصر"الثقة بالذات"في نجاح التنمية.
وبعض غلاة المدنية قد أغلق الباب بينه وبين نقاد الثقافة الغربية, عن طريق مسلمة مسبقة وهي أن"نقد الثقافة الغربية ناشئ عن الجهل بها"فكلما رأى ناقدًا للثقافة الغربية افترض أنه ينقدها بسبب أنه لايعرفها.
وهذا تصور غير صحيح بتاتًا, بل إن رموز نقد الفكر الغربي هم أكثر اطلاعًا من كثير من المبشرين بالفكر الغربي, وسأضرب مثلًا هنا بأربعة مشروعات ضخمة: وهي مشروع فيلسوف المغرب"د.طه عبدالرحمن"لاعادة تقويم التراث وحق الاختلاف الفكري والفلسفي وتأصيل الفلسفة واستكشاف العلاقات الدقيقة بين الألسنية والمنطق, ومشروع"د.ابويعرب المرزوقي"لربط جذر المشكلة الفلسفية والفكرية بالفلسفة الاسمية في صورتها التيمية/الخلدونية, ومشروع"د.عبدالوهاب المسيري"لدراسة ظاهرة العلمانية الشاملة -أو مايمكن تسميتها بظاهرة المادية- في التصور الغربي, ومشروع"د.ادوارد سعيد"لتتبع تجليات"ارادة الهيمنة"في البنية التحتية للمنتج الثقافي الغربي كظاهرة الاستشراق والسرديات الكبرى في التاريخ الغربي.
فهؤلاء الرموز الأربعة لنقد الفكر الغربي ليسوا جهالًا به, بل هم أخبر به من كثير من المبشرين بالغرب من غلاة المدنية, ومع ذلك فهؤلاء الرموز الأربعة لديهم موقف صارم غير ودي تجاه الثقافة الغربية, وهذا مما يكشف أن نقد الثقافة الغربية ليس انعكاسًا للجهل بها.