فهرس الكتاب

الصفحة 826 من 2255

وأصل هذه الحالة تعود إلى إشكالية فلسفية طرحت منذ أيام الفلسفة اليونانية ولا زالت حية كفلسفة ضمنية وإن كانت غير معلنة في شكل نظري منظم, وهذه الإشكالية الفلسفية يلخصها التساؤل التالي: (بماذا يكون كمال النفس الإنسانية؟)

والواقع أن الفلسفة اليونانية القديمة قدمت إجابة مبكرة على هذه الإشكالية لخصتها في عبارتها الدارجة وهي أن (كمال النفس الإنسانية يكون بالعلم بالمجهولات والإحاطة بالمعقولات) .

والفلاسفة المتقدمون يتكلمون كثيرًا عن أقسام اللذات وحقيقتها, وقد انتقل ذلك إلى علماء الكلام الإسلامي, وقد صنف عمدة متأخري الأشاعرة الإمام فخر الدين الرازي -صاحب مفاتيح الغيب والمحصول والمباحث المشرقية ونحوها مما أصبح مرجع كثير من المتأخرين- كتابًا تكلم فيه عن أقسام اللذات وجعلها ثلاثة أقسام, وذكر منها"اللذة العقلية"وشرح شيئًا من حقيقتها وأسبابها.

وهذه العبارة الفلسفية وهي كون (كمال النفس الإنسانية يكون بالعلم بالمجهولات والإحاطة بالمعقولات) تلقاها فلاسفة الإسلام المتقدمين كالفارابي وابن سينا ومن بعدهم عن الفلسفة اليونانية, وكثر تناقلهم وتداولهم لها بنصها كمسلمة فلسفية يبنى عليها ما بعدها.

ولا يزال جماهير المفكرين والمشتغلين بالشأن الفلسفي إلى اليوم يعظمون المعرفة المحضة والمعاني العقلية والعلمية المجردة ويرونها أعلى الكمالات, وينزلون صاحبها بحسب منزلته فيها وتضلعه منها, سواء كان هذا التصرف معلنًا, أم تتم ممارسته بشكل منهجي منظم وإن كان غير مصرح به, فقيمة الإنسان داخل هذه النخب بحسب معرفته العقلية والمدنية.

وقد ناقش المحققون من علماء الشريعة هذه الفلسفة على ضوء أصول الوحي الإلهي, وكشفوا تعارض هذه الفلسفة مع المنظور القرآني لكمال النفس الإنسانية, حيث بنيت هذه الرؤية على أساسين, أولهما أن الكمال بمجرد العلم والمعرفة, وثانيهما أن أكمل العلوم هي المعارف العقلية والمدنية.

وهذان الأساسان كلاهما أساسان باطلان مصادمان لأصول الوحي, فأما الأساس الأول فإن الكمال في القرآن ليس بمجرد العلم ولكن بالعمل بالعلم, وأما الأساس الثاني فإن أكمل العلوم ليس المعارف العقلية والمدنية وإنما العلوم الإلهية بما تتضمنه من العلم بالله وكتبه والمعاد ونحوها من المعاني والمضامين الراقية السامية.

ويتلخص الرد على هذه الفلسفة كلها بآية واحدة من كتاب الله وهي قوله تعالى:

(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)

فهذه الآية تضمنت جملتين أولهما بينت أشرف العلوم وهو العلم بالألوهية, وثانيهما بينت أشرف الأعمال وهو العبودية, ودلالة هذه الآية بطريقة ضرب الأمثال التي هي منهج القرآن في الدلالة والبيان.

وهذه الفكرة الفلسفية كان لها آثار ضخمة في بنية الفلسفة القديمة والحديثة, بل تكاد أن تجدها كالنواة الإبستيمية المضمرة في كثير من الأطروحات الفكرية المعاصرة, ولذلك قال الإمام ابن تيمية في درء التعارض:

(ونفس المقدمة الهائلة التي جعلوها غاية مطلوبهم وهو أن"كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات"مقدمة باطلة)

وقدم الإمام ابن تيمية ضمن مناقشته لهذه الفلسفة تحليلًا للأساسات الداخلية لهذه الفكرة, حيث يقول في درء التعارض:

(وضلالهم من وجوه: منها ظنهم أن الكمال في مجرد العلم, والثاني:ظنهم أن ما حصل لهم علم, والثالث:ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس, وكل من هذه المقدمات كاذبة)

ثم أخذ في تفاصيل ذلك, والذي يعنينا الاشارة اليه هنا أنه نتيجةً لهذه الرؤية الضمنية في بنية خطاب غلاة المدنية فقد تراجعت قيمة العبودية وسلوكيات الفضيلة والعفة, ويشير الإمام ابن تيمية لذلك في الصفدية بقوله:

(فنفس عبادة الله وحده ومحبته وتعظيمه هو من أعظم كمال النفس وسعادتها, لا أن سعادتها في مجرد العلم الخالي عن حب وعبادة وتأله)

وعلى أية حال فإن منزلتي"النظر والعمل"كلاهما مطلبان شرعيان نبهت عليهما فاتحة الكتاب, ولم تأت الشريعة بذم أصلهما, ولكنها جاءت بتهذيبهما وتكميلهما, وتبيين مراتبهما, وإنما يقدم النظر مطلقًا جمهور الفلاسفة, ويقدم العمل مطلقًا جمهور الصوفية, وكلاهما لون من الانحراف, ولذلك قال الإمام ابن تيمية:

(وكل واحد من طريقي النظر والتجرد: طريق فيه منفعة عظيمة وفائدة جسيمة, بل كل منهما واجب لا بد منه, ولا تتم السعادة إلا به, والقرآن كله يدعو إلى النظر والاعتبار والتفكر, وإلى التزكية والزهد والعبادة, وقد ذكر القرآن صلاح القوة النظرية العلمية, والقوة الإرادية العملية, في غير موضع, كقوله تعالى {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} فالهدى كمال العلم, ودين الحق كمال العمل, وكقوله سبحانه أيضًا {أولي الأيدي والأبصار} ) الفتاوى2/59

وهاهنا ملحظ طريف جدًا من دقائق الحكمة الشرعية المتعاضدة مع الحكمة الكونية, ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد ابتلى كل طائفة من عباده من جنس غريزتها وهواها المركوز فيها, فاختبرها الله شرعًا بما يوافق واقعها كونًا, فمن حباه الله بالقدرات العقلية الباذخة ابتلاه سبحانه وامتحنه بالاستسلام والانقياد والخضوع للوحي والعمل بما فيه إذ العمل شاق على أمثال هذه النفوس.

ومن آتاه الله قوة الإرادة اختبره الله سبحانه وتعالى باتباع البرهان والحجة وعدم المغالاة في الرهبنة تحقيقًا للذة روحية غريزية, إذ حبس النفس عن الاسترسال في الروحانيات فوق ما أمر الله شاق على أمثال هذه النفوس.

فابتلى الله الأذكياء وأصحاب العقول بحمل النفس إلى العبودية, وابتلى الله الروحانيين وأصحاب العبادة بحبس التعبد على هدي محمد صلى الله عليه وسلم واقتصاده وسنته, وقد نبهت على ذلك خاتمة الفاتحة بمثالي"المغضوب عليهم"و"الضالين"ودلت عليهما أبلغ دلالة على طريق ضرب المثل.

ومن تأمل هذه الإشكالية الفلسفية, واتجاهات الناس فيها نظريًا وعمليًا, انكشف له سر ذلك الزهد العميق لدى غلاة المدنية في قيمة"التفقه في الوحي", في مقابل الشغف والتفاني في الاطلاع على"العلوم المدنية"وتعظيم صاحبها, بل جعل فقه الشريعة أدنى المراتب باعتباره لا يدرس أمورًا معقولة ولا مدنية, وإنما قصاراه أن يدرس تفاصيل الأمور العملية, كما قال الإمام ابن تيمية في الصفدية:

(وأما العلم النظري فجعلوه هو الغاية, بناء على أن كمال النفس في العلم, فرأوا"الفقه"هو العلم العملي, فجعلوه أدنى المراتب)

وقد كشف لنا القرآن عن هذه النزوة البشرية, ونبهنا إلى أن ننظر إلى العلوم الإلهية باعتبارها أعظم من كل ما على الأرض من العلوم والمظاهر المدنية, بل ونبه ربنا على مقام"الفرح والاغتباط بالقرآن"كما في قوله تعالى في سورة يونس:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ, وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ, وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ, قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ, فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ, هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}

فجعل هذا"القرآن"من أعظم الممتلكات التي تستدعي الفرحة والسرور, كما قال ربنا تمامًا في هذه الآية"فبذلك فليفرحوا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت