وهذه الغاية الجليلة وهي تزكية النفوس وعمارة القلوب بالله تشمل الشعائر والتشريعات, فإن أصول المأمورات وأصول المحرمات كلها تثمر للقلب طهارة وزكاة وسلامة هي من أعظم المبتغيات الإلهية, وسنذكر نماذج لذلك.
فمن ذلك أن الله تعالى حين شرع الصيام لم تكن غايته الجوهرية"الحِمية الصحية"كما يقوله غلاة المدنية ممن يجعلون التشريعات مبنية لمقاصد مادية محضة, بل إن هدفه الجوهري ما يورثه للقلب من التقوى كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
وحين ذكر تشريع الزكاة والصدقة ربطها بالتزكية فقال:
{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}
وحين ذكر الله تشريع الجهاد بين مايثمره للقلب من تمحيص وتزكية فقال تعالى:
{وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}
وحين ذكر تشريعات الأسرة قال عن عضل الأولياء مولياتهم:
{فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ}
وحين ذكر أدبيات الاستئذان قال سبحانه:
{وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ}
وحين ذكر أصول الفضيلة كغض البصر وضبط الغريزة ذكر أثرها في التزكية فقال:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}
وقال عن أخلاقيات الحجاب:
{ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}
وحين ذكر تشريعات القضاء والشهادات قال سبحانه:
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
ومن تدبر هذه النصوص -وأمثالها كثير- علم قطعًا أن من أعظم غايات ومقاصد التشريع تزكية النفوس وعمارة القلوب بالله, أما تهذيب الأخلاق الاجتماعية وإقامة المصالح العامة فهي من جملة غاياتها ومقاصدها التي يحبها الله, لكن لايجوز اختزالها فيها وقصرها عليها, فضلًا عن تقديمها على أصل الإيمان والفرائض.
وغلاة المدنية لايكادون يرفعون رأسًا بهذا المقصد الحيوي الجليل, بل ويعدون من ينبه عليه مجرد واعظ سطحي لايعقل الإشكاليات الفكرية والفلسفية والمدنية, فكم هو مؤلم أن تكون أعظم المبتغيات الإلهية قيمة هامشية لدى المثقف المسلم, بل إن الله سبحانه بين أنه أرسل الرسل إلى الأمم ثم عاقب عليها ألوان الأزمات كل ذلك بهدف أن تتضرع تلك الأمم إلى الله, ذلك المقام وتلك الكسرة التي يحبها الله من عبده كما قال سبحانه في سورة الأنعام:
{وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}
وأكد هذا المقصد الإلهي في الآية التي تليها فقال سبحانه:
{فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ}
بل إن الله سبحانه ما أرسل الأنبياء إلا لهذه الغاية وهي أن يقف الإنسان موقف الضراعة بين يدي الله كما قال سبحانه في سورة الأعراف:
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}
ويرسل الله العقوبات على الأمم ليذكرهم سبحانه بمقصد التضرع إليه كما قال سبحانه في سورة المؤمنون:
{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}
ولذلك فإن أول شعور وإحساس يغمر الإنسان حين يؤمن بهذا الوحي هو"الإخبات"له كما قال تعالى في سورة الحج:
{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}
وكشف لنا سبحانه أنه لا قيمة للأمم بدون هذا التضرع كما قال سبحانه:
{قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم}
هذه المعاني الجليلة التي يريدها الله من العباد, والتي هي الهدف من خلق الإنسان أصلًا, وهي زبدة مشروع الرسالات منذ بدء الخليقة, لا يجوز تغييبها واختزال الشرائع بغايات مادية محضة.
وحين يتذكر الإنسان مقصود الله سبحانه بالضراعة والإخبات, وحب الله سبحانه وتعالى لهذه الحال الإيمانية, وكيف أرسل الرسل ووالى النعماء والضراء طلبًا لها من عباده, فإنه لابد أن يتذكر معها دومًا قصة تضرع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أشفق عليه أبوبكر من شدة اجتهاده في الضراعة.
حديث عجيب, يهتف فيه محمد بربه, ويشفق عليه ابوبكر, وصادف أن الذي رأى ذلك المشهد ورواه هو عمر بن الخطاب, الرجال الثلاثة في تاريخ الإسلام!
ففي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه قال:
(لما كان يوم بدر نظر رسول الله إلى المشركين وهم ألف, وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلًا, فاستقبل نبي الله القبلة, ثم مد يديه, فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني, اللهم آت ما وعدتني, اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض, فما زال يهتف بربه, مادًا يديه, مستقبل القبلة, حتى سقط رداؤه عن منكبيه, فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه, فألقاه على منكبيه, ثم التزمه من ورائه, وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك, فإنه سينجز لك ما وعدك, فأنزل الله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين..)
ولذلك لما كانت"تزكية النفوس"هي المدار الذي تدور عليه الأعمال فإن الله جعل المفاضلة بين الناس بحسب ما قام في هذه القلوب من معاني الإيمان, وجعل سبحانه أصل المؤاخذة يتعلق بكسب القلب كما قال تعالى:
{وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة:225]
وانعكاسًا لذلك جعل التغيير والإصلاح يبدأ بإصلاح هذه القلوب وعمارتها بمعاني الإيمان, كما قال تعالى:
{إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
فإذا انتهت هذه الدنيا وبدأت الحياة المستقبلية المؤبدة فإن الله سبحانه وتعالى إنما يزن هذه القلوب والنفوس وما في الصدور, كما قال تعالى:
{أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}
ومن أعظم غايات التشريع التي تغيب عن غلاة المدنية مقصد"ابتلاء التسليم والامتثال"فإن المؤمن يتلقى للتنفيذ, أما من في قلبه مرض فتجده معرضًا عن الأمر أو باحثًا عن التسويغات, ولذلك فإن الله تعالى حين ذكر اختلاف الشرائع بين الأمم بيَّن أن المقصود منها إنما هو"اختبار الانقياد"كما قال تعالى:
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم}
وحين حرم الله الصيد على المحرم ابتلى الله أصحاب محمد بصيد قريب من يديهم وقت الحظر ليختبر تسليمهم وانقيادهم كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة:94]
وقريب من ذلك حين ابتلى الله بني اسرائيل بصيد قريب من يديهم وقت الحظر فقال تعالى:
{إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ}
وعبر تعالى عن مقصد اختبار التسليم والانقياد تعبيرًا عامًا شاملًا فقال سبحانه:
{ثم جعلناكم خلائف من بعدهم لننظر كيف تعملون}