فهرس الكتاب

الصفحة 838 من 2255

وأحيانًا كثيرة لا يقع العامل للإسلام تحت ضغط الرغبة في هداية الناس, بل يقع ضحية تحاشي السخرية والاستهزاء, ذلك أنَّ من الملاحظ عند بعض غلاة المدنية أنهم يضعون كثيرًا من المفاهيم والمصطلحات الدينية والتراثية الجادة في قالب ساخر أثناء أطروحاتهم النقدية, والواقع أن السخرية والاستهزاء من أمضى أدوات النفوذ والتأثير على الآخرين, ذلك أنها من أشد الأمور إيلاما لأصحاب المروءة, فتحجزهم عن كثير من المواقف تحاشيًا أن يقعوا في مثار سخرية أو موضع استخفاف, ولذلك نبه الله الرسل والمصلحين على استغلال خصوم الدعوات الإلهية لهذه السلطة, فقال تعالى:

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ}

وقال تعالى:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ, وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}

وأحيانًا أخرى يواجه المصلحون جور الاتهامات السياسية, وأنهم يسعون للنفوذ السياسي ولعبة السلطة, والاستحواذ على الجمهور, ونحوها من الاتهامات التي تؤثر على سلوك العامل للإسلام في كثير من الأحيان, وقد نبه القرآن أيضًا على ذلك, وبين أن خصوم الدعوات الإلهية سيلوكون هذه الاتهامات السياسية, ولذلك اعتبر قوم فرعون أن موسى مجرد"طامح سياسي"يخطط للاستيلاء على أرض الوطن, كما نقل الله قولهم:

{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى}

وذكروا أن موسى وهارون يهدفان للسلطة كما نقل الله قولهم:

{وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } [ يونس: 78 ]

الشجن الأخير

عزيزي القارئ..صدقني ليس المقام مقام تحليلات فكرية باردة, ولا موضع استمتاع باسترسالات ذهنية تقدم على طبق مجاور لفنجان قهوة, لا يا صاحبي..كم أتمنى أن تشعر أن الأمر جلل, وأن ثمة ما يستدعي الجدية في النظر للموضوع.

يتبرم البعض ويتنمر فوق حواجبه عبوس الضجر حين يتمتم له العاملون للإسلام بمفصلية هذا الموضوع, وحدة الخيارات المطروحة فيه, وأن الرأي فيه مخوف مشرف إما على حافة الهاوية أو سلم النجاة, ويرمي هذا الطرح بأنه لون من النياحة والتباكي بلا جنازة أصلًا, أو على كثيب توهموه لحدًا.

هذا"القرآن"ليس مجرد مخزون معرفي أو تراتيل طقوسية بل هو رسالة إلهية تحمل"قضية"هي فوق كل قضية, حتى قطعت بها أواصر موصولة, وسلت لها سيوف مغمدة, وسقطت لها عروش شامخة, وصعد بها رويعي الغنم مرتقى صعبًا.

كم هو مؤلم أن يصبح الإبداع اليوم -في نظر كثير من المثقفين- هو أن لا تكثر من القرآن والسنة في كتاباتك, وأن لا تنير مقالاتك بذكر الله سبحانه وتعالى وبركة آياته وهدايتها, وإنما الإبداع هو الاستعراض بحشو مقالاتك بذكر فلان وفلان من الأسماء الفرانكفونية الرنانة, ومن هو دون الله من كلام المخلوقين, فتستبشر لك الوجوه وتحتفي بك النفوس.

بالله عليك تأمل في نفرة كثير من غلاة المدنية من النصوص الدينية وابتهاجهم بذكر الأعلام الغربية وقارنها بقوله تعالى في سورة الزمر:

{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}

ويقول سبحانه في سورة الحج:

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ}

الحقيقة أن"الصدود عن الوحي"والتبرم به مؤشر خطير على أن ثمة"شعبة نفاق"خفية في القلب تستدعي المبادرة إلى تنظيفه قبل أن يفوت الأوان, كما قال تعالى:

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61]

فالمصدرية الفكرية لون مما يجب إفراد الله فيه بالحكم, وإفراد الله بالحكم والطاعة أس العبودية والخضوع, وتدبر كيف حكى الله لنا حال الكفار في تعظيمهم من هو دون الله والشغف بذكره والتبرم بذكر الله, وقل في نفسك: ألا ما أشبه الليلة بالبارحة.

وفي ختام هذه الورقة النقدية يهمني كثيرًا أن أؤكد مجددًا وبشكل خاص على أن هدف هذه الورقة ليس التزهيد في شأن اعداد القوة واتخاذ الامكانيات الحديثة, ولا تحريم الطيبات والرفاه.

وانما الباعث الجوهري على كتابة هذه الورقة تنامي الخلل في ترتيب الأولويات عند قطاع واسع من المثقفين بما ترتب عليه تضييع كثير من حقائق الوحي والاساءة لمشروع النهضة ذاته, حتى صارت العلوم المدنية هي الغاية والعلوم الالهية مجرد وسيلة تابعة لها, مع أن حقائق القرآن جاءت بعكس ذلك تمامًا وجعلت العلوم الالهية هي الأصل وغيرها تابع خادم لها.

فهذه الفقرات السابقة لم يكن الهدف منها اسقاط قيمة المدنية أو الغاء أهمية الحضارة أو ترسيخ حالة الاستهلاك والتبعية في مجتمعاتنا المسلمة, وانما كانت مجرد مساهمة في اعادة ترتيب أولويات المثقف المسلم, وكشف تصورنا الاسلامي"المختلف"لمفهوم الحضارة والمدنية والتقدم والنهضة والتحديث, بهدف اعادة الاعتبار وكشف أولوية التزكية وشرف العلوم الالهية الموروثة عن خاتم الرسل, وحاجتنا اليها أولًا ثم حاجة العالم المعاصر اليها ثانيًا.

أما استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الوسائل والامكانيات فهذا واجب شرعي محكم لاخلاف فيه, فالمسلمون اليوم بحاجة ماسة الى الامكانيات الحديثة لابلاغ الرسالة الاسلامية ولتحقيق الغاية الالهية الشريفة التي ذكرها الله في ثلاثة مواضع من كتابه في سورة التوبة والفتح والصف وهي قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق"ليظهره"على الدين كله)

ومثل هذه الغاية الالهية الشريفة لاتتحقق الا باتخاذ الوسائل الشرعية من اعداد القوة والامكانيات, ولذلك قال تعالى:

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } [ الأنفال: 60 ] .

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر:

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر, وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى, واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة)

ولكن استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الأسباب والامكانيات لايعني الركون اليها وتعلق القلب بها, ولذلك لما قال نبي الله لوط لقومه:

{ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}

علق النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك تعليقًا بليغًا, حيث روى الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد -يعني: الله عز وجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) .

كما ان الاستمتاع بالطيبات مما جاءت الشريعة بتقريره كما قال تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } .

ولذلك روى الامام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت